يُقال إن الأوطان تُبنى من حجارةٍ وتراب، إلا لبنان؛ فقد جُبل من دماءٍ لا تجف، ودموعٍ تأبى أن تنضب. في هذه البقعة الصغيرة من جغرافيا الشرق، يبدو أن الوقت ليس سوى فاصلٍ زمنيٍّ قصير بين نزيفٍ ونزيف، وبين صرخةٍ مخنوقة وأخرى مدوّية.لبنان اليوم ليس مجرد خارطة، بل هو حكاية صمودٍ لبلدٍ كُتب عليه أن يعيش في “غرفة العناية المركزة” إلى الأبد، ومع ذلك يرفض قلبه أن يتوقف. جرحٌ مفتوح على غسق التاريخ لم تكن أزمة لبنان وليدة الصدفة، بل هي قدرٌ تراكمي. منذ عقود، واللبناني يستيقظ ليجد نفسه أمام وحشٍ جديد ينهش في جسد يومياته. بدأت الحكاية بحروبٍ عبثية أحرقت الأخضر واليابس، ولم تنتهِ بانهيارٍ ماليٍّ وُصف بأنه الأقسى في التاريخ الحديث.اللبناني الذي كان “سويسرا الشرق”، وجد نفسه فجأة في طوابير الذل: طابورٌ للخبز، وآخر للمحروقات، وثالثٌ أمام أبواب المصارف التي أوصدت في وجهه، وسرقت جنى العمر بدمٍ بارد.هذا النزيف الاقتصادي لم يكن مجرد أرقامٍ في ميزانياتٍ فاشلة، بل كان نزيفَ كرامة.هنا، في لبنان، صار الحلم رغيفًا، والطموح كهرباء، والأمنية استقرارًا لا يتبعه دويُّ انفجار. إذا أردنا الحديث عن الوجع الذي يهزّ العروش، فلا بد أن نقف عند ذلك التاريخ المشؤوم: الرابع من آب 2020. في تلك اللحظة، لم ينفجر المرفأ فحسب، بل انفجرت معه أرواح اللبنانيين.كانت بيروت عروسًا، فصارت في ثوانٍ ركامًا يغسله ملح البحر ودموع الأمهات.رأينا الأشلاء تتطاير، والبيوت العتيقة التي صمدت لمئات السنين تتهاوى كقصورٍ من ورق. ذلك الانفجار كان التجسيد الأقصى لليأس: شعبٌ يُقتل في بيوته بسبب إهمالٍ يرتقي إلى مستوى الجريمة. ورغم ذلك، ومن تحت الرماد، خرج الشباب اللبناني بمكانسهم وقلوبهم المحطمة، ليعيدوا ترميم ما عجزت عنه الدولة. لبنان ليس بلدًا يمرّ بالأزمات فقط، بل وطنٌ يُختبر كلَّ يوم بالنار، ويثبت في كل مرة أن إرادة الحياة فيه أقوى من الخراب الفقر الذي ينهش العظام تتحدث التقارير الدولية بلغة الأرقام، فتقول إن أكثر من 80% من الشعب اللبناني بات تحت خط الفقر. لكن الأرقام لا تنقل رائحة الفقر في البيوت المستورة. لا تنقل وجع الأستاذ الجامعي الذي بات راتبه لا يشتري ثمن وقود سيارته، ولا تنقل حسرة العامل الذي يقضي نهاره تحت الشمس ليعود بـ”فتات” لا يكفي ثمن وجبةٍ واحدة.النزيف هنا هو نزيف العقول والهجرة. فكل طائرةٍ تقلع من مطار بيروت تحمل معها قطعةً من قلب لبنان: أطباء، مهندسين، ومبدعين يرحلون لأن الوطن ضاق بأحلامهم. ومع ذلك، يظل “المغترب” هو الرئة التي يتنفس منها لبنان، يرسل مدخراته ليبقى أهله صامدين، ويثبت أن الرابط بين اللبناني وأرضه أقوى من كل المسافات. سرُّ الشعب الذي يأبى الانكسار قد يتساءل العالم: كيف لهذا الشعب أن يضحك وسط الركام؟ كيف له أن يفتح المقاهي ويرمم الشوارع، والحرائق لا تزال تشتعل في الأفق؟السر يكمن في “الجينات اللبنانية” التي ترفض الاستسلام. اللبناني يعشق الحياة كفعل مقاومة. الصمود في لبنان ليس شعارًا سياسيًا، بل هو خبّازٌ يفتح فرنه فجرًا رغم انقطاع الطحين، وممرضٌ يعمل في مستشفى مظلم على ضوء هاتفه المحمول، وفلاحٌ يتمسك بأرضه في الجنوب والبقاع رغم قصف المدافع وتهديد الوجود.هذا الشعب لا يسلّم أرضه، ليس لأنه يحبها فقط، بل لأنه يملك “عقيدة الانتماء”. الأرض بالنسبة إلى اللبناني ليست عقارًا، بل هي عرضٌ وتاريخ، وهي رائحة الزعتر وصمود الأرز. ذاكرة النار وعن نزيف لبنان الأكبر: “لعنة الحرب” التي ترفض أن تغادر سماءنا. لبنان، هذا المختبر الصغير للأوجاع الكبيرة، عاش طويلًا في ظل طائراتٍ تخرق جدار الصوت والقلب معًا. من حربٍ أهلية مزقت الشوارع والنفوس لعقدٍ ونصف، إلى اعتداءاتٍ متكررة لم تترك حجرًا على حجر، وصولًا إلى الحرب الأخيرة التي نعيش فصولها اليوم؛ تلك الحرب التي لم تأتِ لتأخذ الحجر فحسب، بل جاءت لتنتزع الأمان من عيون الأطفال.في الحرب الأخيرة، تجاوز الوجع كل التوقعات. رأينا قرًى كاملة تُمحى من الخارطة، وتاريخًا من التعب والكدّ يتحول إلى كومةٍ من التراب في ثوانٍ معدودة. النزيف هنا لم يكن ماديًا فقط، بل كان نزيف “التهجير”، حين يضطر الإنسان إلى ترك مفتاح بيته، وصور أحبائه، ليهرب بملابسه فقط نحو المجهول.“في لبنان، لا تنتهي الحرب بوقف إطلاق النار، بل تبدأ حربٌ أخرى في قلب كل مهجّرٍ يتساءل: هل سأعود يومًا لأشمّ رائحة بيتي؟” ورغم بشاعة المشهد، وقسوة الدمار الذي خلّفته الآلة العسكرية في الحرب الأخيرة، برزت تلك الروح اللبنانية التي “تأبى أن تسلّم الأرض”. رأينا الجنوبي يتمسك بترابه حتى النفس الأخير، ورأينا اللبناني في كل المناطق يفتح بيته ومدرسته وقلبه لأخيه النازح. هذا التلاحم، رغم كل محاولات الفتنة، كان الصرخة الأقوى في وجه الموت.في هذا البلد، قد تسقط الجدران، وقد تُدمّر الجسور، لكن “الجسر” الذي يربط اللبناني بكرامته يظل عصيًّا على القصف. الحرب الأخيرة لم تكن مجرد مواجهةٍ عسكرية، بل كانت اختبارًا جديدًا لمعدن شعبٍ كُتب عليه أن يعيش بين غارتين، ومع ذلك يصرّ على أن يبني بيتًا أجمل مما كان، متحديًا الفناء بالبقاء، والدمار بالإعمار. لبنان الجريح… والقيامة كل يوم هل يشرق الصبح؟ إن ما يمر به لبنان ليس مجرد أزمةٍ عابرة، بل هو مخاضٌ عسير لوطنٍ يرفض أن يُدفن حيًّا. لبنان ينزف، نعم. لبنان يتألم، نعم. ولكن، هل يسقط؟التاريخ يقول إن كل الإمبراطوريات التي مرت على هذه الشواطئ رحلت، وبقي لبنان. وبقيت بيروت تنفض الغبار عن ثوبها وتنهض. إن هذا الشعب الذي طحنته الأزمات، وصهرته المحن، بات يمتلك مناعةً ضد الانكسار.لا تحزنوا على لبنان لضعفه، بل احذروا من لبنان لأنه، رغم جراحه المثخنة، ما زال يغني. هو البلد الذي كُتب عليه أن يحمل أوجاعه ويمشي نحو القيامة كلَّ يوم. لبنان ليس بحاجة إلى شفقة، بل هو بحاجة إلى عدالةٍ تعيد لمواطنه حقه في حياةٍ تشبه كرامته.ستبقى الأرزة شامخة، وسيبقى هذا الشعب “الجبار” يثبت يومًا بعد يوم أن إرادة الحياة أقوى من كل سياسات التجويع، وأن الأرض التي رُويت بدم الأحرار، لا يمكن أن تسلّم مفاتيحها لليأس.
بعيدًا عن لغةِ التحليلِ البارد، الحقيقةُ أبسطُ ممّا تبدو: الحروبُ اليومَ لا تُخاضُ فقط بالسلاح، بل تُخاضُ داخلَ رأسِك. قد تظنّ أنّك تتابعُ الأخبارَ أو تمرّ على مقطعٍ عابر، لكن في الواقع هناك من يحاولُ أن يزرعَ فكرة، أو يحرّكَ شعورًا، أو يغيّرَ نظرتَك من دون أن تنتبه. المسألةُ لم تَعُد مَن يربحُ على الأرض فقط، بل مَن ينجحُ في التأثير على طريقةِ تفكيرِك أنت.خلالَ الحربِ العالميةِ الثانية، استخدمت اليابانُ أسلوبًا ذكيًا في التأثير على الجنودِ الأميركيين عبر ما عُرف باسم Tokyo Rose. لم تكن الرسائلُ صريحةً أو هجومية، بل جاءت عبر برامجَ إذاعيةٍ خفيفة: موسيقى، ودردشة، ونبرة ودودة. لكن بين السطور، كانت تُزرَع أسئلةٌ مقلقة: لماذا تقاتلون؟ هل تُستغَلّون؟ ماذا يحدثُ لعائلاتكم وأنتم بعيدون؟هذه لم تكن صدفة، بل جزءًا ممّا يُعرفُ بالحربِ النفسية، حيثُ الهدفُ ليس هزيمةَ الخصمِ في الميدان، بل كسرَ معنوياتِه قبل أن تبدأَ المعركةُ فعليًا. أخطرُ الحروبِ اليومَ ليست تلك التي تقتُلُكَ مباشرة، بل تلك التي تُعيدُ تشكيلَ وعيِكَ بهدوء، حتى تستيقظَ يومًا وأنتَ تفكِّرُ كما أرادوا لك أن تفكِّر تغيّرت الأدواتاليوم، تغيّرت الأدواتُ لكن الفكرةَ بقيت نفسها. لم تعد الإذاعاتُ الوسيلةَ الأساسية، بل أصبحت المنصاتُ الرقمية، والمقاطعُ القصيرة، والرسائلُ التي تبدو عفويةً لكنها مدروسةٌ بدقة. الرسالةُ لم تعد تقول لك “صدّقني”، بل تدفعُك إلى أن تشكّ في كل شيء. وحين تفقدُ ثقتَك بكل الروايات، تصبح أكثرَ قابليةً للتأثر من دون أن تنتبه.في الصراعاتِ الحالية، يُستخدمُ هذا الأسلوبُ بشكلٍ أوضح. محتوى بسيط، ولغة قريبة من الناس، وأحيانًا بأسلوبٍ ساخرٍ أو حديث، لكنه يحملُ هدفًا واضحًا: التأثيرُ على مشاعرك وتغييرُ طريقةِ تفكيرك تدريجيًا. ليس عبر الإقناعِ المباشر، بل عبر التلاعبِ غيرِ المرئي. تأثير هوليوودلكن التأثيرَ لا يأتي فقط من السياسةِ أو الإعلامِ المباشر. هناك دورٌ أعمقُ تلعبه الثقافة، خاصةً عبر هوليوود. على مدى سنوات، ساهمت الأفلامُ في رسمِ صورةِ “العدو” و”البطل”.لم يكن ذلك عشوائيًا. كل شخصية، وكل قصة، وكل مشهد، كان يحملُ رسالةً ضمنية: ممّن يجب أن نخاف؟ وبمن نثق؟ ومن يُقصى من الصورة؟هذا ما يُعرفُ بالقوةِ الناعمة، حيث لا تُفرَضُ الأفكارُ بالقوة، بل تُزرَعُ بهدوء حتى تصبحَ جزءًا من تفكيرنا من دون أن نشعر. المشكلةُ أنّ هذه السردياتِ لم تعد محصورةً في الأفلام. اليوم، اختلطت الحدودُ بين الخبرِ والترفيه. ما نراه ونسمعه يُصاغُ بعناية، وتُختارُ زواياه بدقة، ليقدَّمَ لنا روايةً معيّنةً على أنّها الواقعُ الكامل. وهكذا، نجد أنفسنا داخلَ القصة، نتأثرُ بها، وربما نعيدُ نشرَها، من دون أن نسأل: من كتبها أصلًا؟ السؤالُ الحقيقي لم يَعُد مَن المنتصر، بل مَن يملكُ القدرةَ على صياغةِ القصة. لأنّ مَن ينجحُ في ذلك، يستطيعُ أن يوجّهَ العقولَ قبل أن تتحرّكَ الجيوش. في عالمِ اليوم، أخطرُ الحروبِ هي تلك التي لا تُرى. حيث لا يُطلبُ منك أن تستسلم، بل أن تتغيّرَ من الداخل… بهدوء، ومن دون أن تلاحظ.
سيستفيق الصيداويون، بعد انقضاء الحرب الدائرة حاليًا، على واقع ثقيل ومزعج، وعلى مدينة تغيّرت ملامحها تحت وطأة الفوضى، حتى بات كثيرون يندمون على ما آلت إليه الأمور بسبب الجبن، والخنوع، واللامسؤولية، وغياب الحكمة، وانهيار هيبة القانون. قد يأتي وقت الحساب لاحقًا، وقد يكثر الكلام يومها عن التداعيات الكبرى، لكن ما لم يعد يحتمل الانتظار منذ الآن هو هذا المشهد المقرف من المخالفات العشوائية التي تغزو شوارع المدينة بلا حسيب ولا رقيب، وكأن صيدا باتت جزيرة خارجة عن سلطة البلدية وشرطتها، بل وعن أي قوة يفترض بها أن تفرض النظام وتمنع التعديات. سنوات من الجهد المتراكم في قمع المخالفات، وتحسين المشهد العام، وفرض حد أدنى من احترام الأملاك العامة، بدّدتها البلدية الحالية في أيام. صحيح أن ظروف الحرب زادت المشهد تعقيدًا، لكن الصحيح أيضًا، بحسب مصادر متابعة، أن هذا الانفلات لم يبدأ مع الحرب، بل سبقها، وتفاقم معها حتى صار أقرب إلى سياسة أمر واقع. ما يجري يثير الذهول. من سمح بهذا الطغيان على الأملاك العامة والخاصة؟ ومن فتح الباب أمام هذه الشهية المفتوحة على الفوضى؟ قبل أشهر فقط، امتلأت صفحات التواصل بصور عضو بلدي مفتوح الصدر، وخلفه شرطيان أو ثلاثة يحملون “مترًا ومسطرة”، في استعراض قيل لنا إنه لتطبيق القانون وازالة المخالفات. فأين اختفى هذا المشهد اليوم؟ هل انكسرت “الشوكة” عند أول امتحان جدي من كثرة الاستجواب في السراي؟ أم أن ما جرى لم يكن أكثر من “همروجة” عابرة سرعان ما انطفأت؟ حين تغيب البلدية عن الشارع، لا تملأ الفراغ القوانين… بل يملؤه المعتدون على المدينة من يجيب؟ من يحمي المدينة وأهلها من “الشبيحة” الذين لا يقيمون وزنًا لا لبلدية، ولا لرئيسها، ولا لأعضائها، ولا لشرطتها؟ وأين أولئك الذين ملأوا الدنيا سابقًا صراخًا واعتراضًا من قوى سياسية ومالية على مخالفات كانت البلديات المتعاقبة تعمل على إزالتها تدريجيًا؟ لماذا خرست الألسن اليوم؟ وهل كان كل ذلك الاعتراض مجرد تصفية حسابات وتشخيص لا أكثر؟ المشهد محزن ومهين في آن. مدينة يضغطها الخارج بصمت، ويعبث بها الداخل بجهل. كيف عادت المقاهي التي أزيلت من الواجهة البحرية للبلدة القديمة إلى الظهور مجددًا؟ من سمح بإعادة نصب الخيم في الشوارع العامة وعلى أملاك الدولة؟ كيف جرى احتلال الأرصفة وتحويلها إلى بؤر قبيحة للبيع والشراء بمختلف أنواع البضائع؟ كيف عاد سوق الخضار قرب فلافل أبو رامي فجأة، بعدما احتاجت إزالته سابقًا إلى جهد طويل؟ من منح صاحب مقهى حق تحويل طريق داخلي إلى مساحة خاصة تفترشها الطاولات والكراسي، وتتمدّد ليلًا لتبتلع الرصيف الاستراتيجي الذي سبق أن أزيلت التعديات عنه؟ وأين ذهبت كل المعارك التي خيضت لمنع باعة السمك المثلّج من افتراش الأرصفة؟ ها هم اليوم يعودون من جديد، بسمكهم المأنتن، ومعهم بسطات الخضار، في مشهد لا ينقصه إلا إعلان رسمي بسقوط كل المعايير. ولا تقف المظاهر المقززة عند ساحة الشهداء، التي حوّلها الباعة إلى سوق خضار وفواكه، ولا عند البسطات التي تزاحم السيارات من دوار فرن العربي حتى مدرسة “الأميركان”، بل تمتد أيضًا إلى الفوضى البصرية الخانقة: لافتات وأعلام على كل عامود، بلا رخصة، بلا ضوابط، بلا أي اعتبار لمدينة تُنهش يوميًا باسم المزاج والاستباحة. أما مبدأ “موقف لحظة” الذي اعتمدته البلدية سابقًا أمام عدد كبير من السوبرماركت والصيدليات والمحلات الكبرى مقابل رسم مقطوع، فقد أطاحت به حروب المواقف، وجذوع الأشجار، وقضبان الحديد، ومعه ضاعت فكرة التنظيم كما ضاع كثير غيرها. المشكلة لم تعد في مخالفة هنا أو تعدّ هناك، بل في سقوط الردع نفسه. في مدينة يُفترض أنها تُدار، فإذا بها تُترك نهبًا لمن يفرض أمره، ويمد يده، ويحتل، ويبيع، ويشوّه، من دون أن يخشى أحدًا.