ليس الأمر سرًّا، فقد صار يتردّد على كل شفة ولسان. الكلّ يتكلّم بالموضوع: الوضع في صيدا، جرّاء “النزوح”، لم يعد يُحتمل، وبات يُنذر بانفجارٍ قد يقع في أي لحظة. وحدها عاصمة الجنوب تشهد هذه المظاهر المقزّزة والاستفزازية من التفلّت والاستخفاف والاستباحة والفوضى، وهي مظاهر لم تشهدها أيٌّ من “البيئات المضيفة” التي فتحت أبوابها أمام النازحين. الأسباب عديدة، وهي بدورها لم تعد خافية على أحد. الكلّ متواطئ على ما يجري، من الصمت إلى اللامبالاة، إلى الضعف، إلى الحسابات السياسية الضيّقة… وبحسب مصادر مطّلعة ل”البوست”، فإنّ ما تشهده صيدا بات يُقلق الجميع، الفاعليات السياسية والاقتصادية والأمنية والدينية، كما الناس الذين ضاقوا ذرعًا، في فترة زمنية بسيطة، بما يشاهدونه من تجاوزات لا تشبه صيدا وأهلها المحافظين؛ من الأوشام على الأجسام، إلى ثقافة النراجيل والموتوسيكلات، والتفلّت الأخلاقي، بحيث باتت نساء المدينة محرومات من متنفسهنّ الوحيد على الكورنيش ومحيط الملعب البلدي. وكما تؤكّد المعطيات، فإنّ اجتماعًا أمنيًّا وتنسيقيًّا عُقد في سرايا صيدا، خلص فيه المجتمعون إلى الطلب من البلدية عدم المواجهة مع “الغرباء الوافدين”، باعتبار أنّ هناك معطيات عن وجود أسلحة بحوزتهم قد تؤدّي إلى تعقيد المشكلات بدل حلحلتها. وعُلم أنّ الأمر سيُناط بالأجهزة الأمنية المختصة، من “أمن الدولة” إلى “فرع المعلومات”، للبدء بإزالة المخالفات خلال يومين باعتبار أنها تزداد يوميًّا بوتيرة لم تشهدها أيٌّ من المناطق اللبنانية الأخرى. في هذا السياق، يسأل مرجع صيداوي عتيق سؤالًا بريئًا: لماذا لا نجد مثل هذه المظاهر في “حارة صيدا” مثلًا؟ لماذا نجح مصطفى الزين في منع فتح “إسبريس” واحد في الحارة، بينما مدينة بأمّها وأبيها مستباحة كليًّا، ولا من يحرّك ساكنًا، ما عدا الشكوى والتذمّر و”النقّ” الذي يشبه قرقعة الدجاج؟ كثرة الضغط تولّد الانفجار، وهو أمر لا يريده أحد خدمةً لعدوّ صهيوني غاشم، لكن ليس على حساب أهل المدينة وأرزاقهم وكراماتهم…
في لبنان، لا يموت الرجال حين يُغتالون. يموتون حين تُهزم أفكارهم. ولهذا، بعد أكثر من عقدين على اغتيال رفيق الحريري، يبدو السؤال اللبناني الكبير اليوم: هل سقط مشروع الحريري مع الانهيار، أم أنّ الانهيار نفسه هو الدليل على الحاجة إلى عودته؟ منذ اتفاق الطائف، لم يكن مشروع الرئيس الحريري مجرد خطة لإعادة إعمار وسط بيروت، ولا مجرد ورشة اقتصادية ضخمة. كان مشروعاً كاملاً لإعادة إنتاج الدولة اللبنانية بعد الحرب: دولة عربية، منفتحة، مؤسساتية، مرتبطة بالعالم، وقادرة على تحويل الجغرافيا اللبنانية الصغيرة إلى مركز مالي وتعليمي وخدماتي في الشرق الأوسط. لكن ما جرى بعد عام 2005 لم يكن فقط اغتيال رجل. كان اغتيال فكرة الدولة نفسها. التسوية التي أنقذت لبنان ولم تُطبّق حين دخل اتفاق الطائف حيّز التنفيذ، كان يفترض أن ينقل لبنان من منطق الميليشيا إلى منطق الدولة، ومن شرعية السلاح إلى شرعية المؤسسات. وقد تمسّك تيار “المستقبل” تاريخياً باعتبار الطائف مرجعية نهائية للنظام اللبناني، ورفض أي محاولة للانقلاب عليه. فهم الرئيس الشهيد رفيق الحريري باكراً أنّ إعادة بناء الحجر بلا إعادة بناء الشرعية السياسية لن تكفي. لذلك بنى مشروعه على ثلاثة أعمدة: تثبيت العيش المشترك. حماية الاقتصاد الحر. إعادة وصل لبنان بالعالم العربي والمجتمع الدولي. لم يكن الرجل زعيماً شعبوياً. كان رجل دولة يفكر بمنطق الاستثمارات، الجامعات، البنى التحتية، والمطار والمرفأ والاتصالات. كان يريد لبنان منصة لا ساحة، دولة لا صندوق بريد للحروب الإقليمية. skip render: ucaddon_material_block_quote بعد اغتياله والانسحاب السوري عام 2005، دخل لبنان مرحلة اختلال عميق في التوازن الوطني. الدولة بقيت نظرياً تحت سقف الطائف، لكن السلطة الفعلية انتقلت تدريجياً إلى منطق الدويلة والسلاح وتعطيل المؤسسات. ومع الوقت، صار هناك اقتصاد بلا دولة، ومصارف بلا سيادة، وحكومات بلا قرار. ثم جاءت التسويات المتتالية التي أرهقت جمهور الاعتدال. جمهورٌ كان يريد دولة طبيعية، فيما الواقع كان يدفع أكثر فأكثر نحو منطق المحاور. حتى داخل البيئة الحريرية نفسها، بدأت الأسئلة المؤلمة: هل خسر رفيق الحريري لأن مشروعه كان أكبر من لبنان؟ أم لأن لبنان محكوم بجغرافيا شديدة التعقيد؟ لكن الحقيقة الأوضح اليوم أنّ الانهيار أثبت شيئاً واحداً: كل البدائل التي قُدّمت عن مشروع الدولة سقطت. سقطت شعارات “الاقتصاد المقاوم”، وسقطت نظريات العزلة عن العرب، وسقطت فكرة أنّ لبنان يستطيع العيش خارج النظام المالي العالمي. والنتيجة كانت بلداً مفلساً، معزولاً، مدمّراً، يهاجر شبابه ويقف أهله على أبواب المصارف والأفران والسفارات. لبنان بعد الانهيار: هل تأخّرنا كثيرًا عن مشروع الحريري؟ لماذا يعود اسم الحريري اليوم؟ لأن اللبنانيين، بعد الجوع والانهيار، عادوا لاكتشاف الفرق بين دولة فيها مشاكل… ولا دولة على الإطلاق. في السنوات الأخيرة، عاد خطاب تيار “المستقبل” ليركّز على مفاهيم الدولة والاعتدال وإعادة الإعمار والهوية العربية للبنان. وقد أكّد الرئيس سعد الحريري في أكثر من مناسبة أنّ “تيار المستقبل” سيبقى “تيار الدولة والمؤسسات والاعتدال وإعادة الإعمار”. ولعل المفارقة أنّ المنطقة نفسها تغيّرت. فبعد سنوات من الحروب والانقسامات، عاد الشرق الأوسط إلى لغة الاقتصاد والاستقرار والاستثمارات. الخليج يبني مشاريع ما بعد النفط، فالسعودية تتحول إلى قوة اقتصادية عالمية، والإمارات تتحول لمركز (hub) مشاريع الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، وسوريا تدخل مرحلة إعادة ترتيب كبرى، فيما لبنان لا يزال غارقاً في حروب الماضي. هنا تحديداً يعود سؤال الحريرية السياسية: هل يستطيع لبنان أن يعيش خارج منطق الدولة الحديثة؟ skip render: ucaddon_box_testimonial
نعيش في عصر “المجاعة الفكرية المحاطة بالوفرة التكنولوجية”. ففي الوقت الذي تزدحم فيه شاشاتنا بآلاف المقاطع المرئية السريعة والسطحية، تشهد المجتمعات الإنسانية ظاهرة مرعبة: الموت السريري للقراءة. لقد تحوّل الكتاب من “غذاء للروح“ إلى قطعة ديكور منسيّة على الرفوف. وهذا ليس مجرد تراجع في الهوايات، بل تنازل طوعي عن العقل والبصيرة. وأصبحت عقولنا رهينة خوارزميات صُمّمت خصيصًا لتبقينا في حالة تشتّت دائم. وهنا يبرز سؤال مقلق: هل نحن جيل يقرأ، أم جيل يُلقَّن؟ الخوارزمية التي تختار لك ما تشاهده الآن لا تهتم بثقافتك، بل تهتم بوقتك. إنها تبيع انتباهك للمعلنين، بينما تقف “القراءة“ على الرصيف الآخر كفعل تمرّد حقيقي. فالقراءة اليوم ليست مجرد تسلية، بل هي خط الدفاع الأخير عن هويتك الفكرية، وقدرتك على الإبداع الحرّ من دون توجيه. التاريخ يُكتب بمداد الكتب لا بالنقرات إذا نظرنا إلى الوراء، نجد أن العظماء الذين غيّروا مجرى التاريخ لم يكونوا مستهلكين سلبيين للمعلومات، بل كانوا “مستكشفين“ بين السطور. ابن رشد، الفيلسوف والطبيب، يُروى في سيرته أنه لم يترك القراءة أو الكتابة في حياته إلا في ليلتين فقط: ليلة زواجه، وليلة وفاة أبيه. هذا الشغف هو ما جعل فكره يعبر القارات، ويسهم في تأسيس عصر النهضة الأوروبية. ألكسندر الأكبر، أو الإسكندر المقدوني، قيل إنه كان ينام ونسخة من ملحمة “الإلياذة“ لهوميروس تحت وسادته، إلى جانب خنجره. كان يرى في الكتاب سلاحًا لبناء العقل، لا يقل أهمية عن السلاح الذي يبني الإمبراطوريات. عباس محمود العقاد، المفكر العربي الكبير الذي لم يحصل سوى على الشهادة الابتدائية، أصبح بفضل القراءة والمطالعة الذاتية منارة فكرية يتتلمذ على يدها حملة الدكتوراه. وكان يقول: “الخوف من الموت خوف عارض لا مبرر له، لأننا نحن القرّاء نعيش حيوات كثيرة، فالقراءة تضيف إلى عمر الإنسان أعمارًا أخرى.” skip render: ucaddon_material_block_quote كيف تسرق الشاشات “عضلة الإبداع”؟ عندما تشاهد مقطعًا مصوّرًا مدته 15 ثانية، فإن عقلك يتلقّى الصور جاهزة، مما يضع خلايا التخيل في حالة “كسل تام“. أمّا عندما تقرأ جملة مثل: “وكانت المدينة تغرق في ضباب رمادي كئيب“، فإن دماغك يضطر فورًا إلى العمل؛ يركّب الألوان، ويبني الشوارع، ويتخيّل المارّة. هذا التمرين الذهني هو ما يُسمّى “تحفيز الفكر الإبداعي“. القراءة تبني الروابط العصبية، بينما الاستهلاك المفرط للشاشات يضعفها. أنت لا تقرأ لتملأ رأسك بمعلومات ميتة، بل تقرأ لتشحذ سكين فكرك. بوصلة للعقول التائهة لطالما كانت القراءة قارب النجاة للمفكرين عبر العصور. وإليك ما قاله بعضهم في هذا الوتر: قال المتنبي: أعزُّ مكانٍ في الدُنى سرجُ سابحٍوخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ وقال ديكارت: “قراءة الكتب الجيدة أشبه بمحادثة مع أفضل العقول في القرون الماضية.” وقال فولتير: “الكتب تحكم العالم، أو على الأقل تحكم تلك الأمم التي تمتلك القدرة على القراءة.” استعد عقلك أنت لست مجرد “مستخدِم” في قاعدة بيانات شركة تكنولوجية؛ أنت كائن مفكّر، وصاحب إرث ثقافي يمتد لآلاف السنين. الاستسلام لـ “التريند” اليومي هو تخلٍّ طوعي عن فرادتك وإبداعك. في المرة القادمة التي تشعر فيها بالملل، اترك الشاشة تنام قليلًا، وافتح كتابًا. واجه السطور، وتحدَّ فكرك، واصنع عالمك الخاص بدلًا من أن تدع غيرك يصنعه لك. الثقافة ليست رفاهية، بل هي السلاح الوحيد الذي يضمن ألّا تُساق وراء خوارزمية صمّاء.