هناك أصواتٌ قليلة تُثير الحنينَ والشوقَ إلى السفر، مثل صوتِ خَتمِ جوازِ السفر. تلك النَّقرةُ الحِبريّة التي تُعلن وصولَك، وتنقشُ ذِكرى لا تُمحى على صفحاتِ وثيقتِك الأكثرِ حميميّة. لكن هذا الصوت، الذي كان بمثابة الموسيقى التصويريّة لملايين الرحلات حول العالم، على وشك أن يصمتَ إلى الأبد مع بزوغ فجر عام 2026، يقفُ المسافرون على أعتابِ نهايةِ حقبة. بدأ الاتحادُ الأوروبي بالفعل تطبيقَ «نظام الدخول/الخروج» (EES)، وهو نظامٌ رقميٌّ متطوّر يعتمد على بصماتِ الأصابع وصورِ الوجه لتسجيل حركةِ المسافرين. وبحلول أبريل 2026، سيختفي الخَتمُ اليدوي من مطارات أوروبا، ليحلَّ محلَّه مسحٌ بيومتريٌّ صامت، فعّال، وآمن… لكنّه يفتقر إلى الروح. هذا التحوّل ليس مجرّد تغييرٍ إجرائي، بل هو لحظةٌ فارقة تُعلن، بهدوء، نهايةَ واحدٍ من أعرق تقاليد السفر وأكثرِها رومانسيّة: جمعَ أختامِ جوازاتِ السفر. خَتمِ الشَّمع والثورةٍ الرقميّة إنّ قصّةَ الخَتم هي قصّةُ السفرِ نفسها. «تعود جذورُ الفكرة إلى العصور الوسطى، حيث كان الحكّام يضعون خَتمًا شمعيًّا على رسائل المرور كدليلٍ على الإذنِ بالعبور». ومع أنّ وثائقَ السفر قديمةٌ قِدَمَ الحضارات، فإنّ جوازَ السفر الحديث لم يظهر بشكله الحالي إلّا بعد الحرب العالميّة الأولى، حين أصبحت الحدودُ أكثرَ صرامة، والنظامُ العالمي أكثرَ تشابكًا. ما يحدث في أوروبا ليس استثناءً، بل هو جزءٌ من موجةٍ عالميّة. فدولٌ مثل أستراليا واليابان وكندا سبقت في هذا المضمار، والولاياتُ المتحدة تلحق بالركب. العالم بأسره يتّجه نحو حدودٍ رقميّة غير مرئيّة، حيث تصبح بياناتُنا البيومتريّة هي جوازَ مرورِنا. وبينما نرحّب بالكفاءة والأمان اللذين يعدُ بهما هذا المستقبل، لا يسعُنا إلّا أن نشعر بلسعةٍ من الحنين. سنفتقد تلك اللحظة التي نتصفّح فيها جوازَ سفرِنا، ونتذكّر قصّةَ كل خَتم: تلك الرحلةَ غير المخطَّط لها إلى بانكوك، أو عطلةَ نهاية الأسبوع في روما، أو المغامرةَ التي غيّرت حياتَنا في بيرو. قد تكون الأختامُ مجرّد حبرٍ على ورق، لكنّها كانت شهادةً ملموسة على أنّنا كنّا هناك، وأنّنا عبرنا الحدود، وأنّ العالم ترك بصمتَه علينا، كما تركنا بصمتَنا عليه. ومع اختفائها، نفقد جزءًا من السردِ المادّي لقصصِ حياتِنا، ونودّع طقسًا جميلًا جعل من السفر فنًّا وتجربةً إنسانيّةً فريدة. حين نفتح جوازاتنا بعد سنوات، سنجدها نظيفة أكثر من اللازم، خالية من الفوضى الجميلة التي كانت تقول: «كنت هنا». صفحات بلا ندوب، بلا حبر، بلا اعترافٍ بأن العالم مرّ من هنا يومًا. لكن القيمةَ العاطفيّة الحقيقيّة لهذه الأختام لم تولد إلّا في «العصر الذهبي للسفر» بعد الحرب العالميّة الثانية. حينها، ومع تحوّل الطيران إلى وسيلةٍ متاحة، لم يعد جوازُ السفر مجرّد وثيقة، بل أصبح سجلًّا للمغامرات، ورمزًا للمكانة، ومجموعةَ تذكاراتٍ شخصيّة لا تُقدَّر بثمن. حين نفتح جوازاتنا بعد سنوات، سنجدها نظيفة أكثر من اللازم، خالية من الفوضى الجميلة التي كانت تقول: «كنت هنا». صفحات بلا ندوب، بلا حبر، بلا اعترافٍ بأن العالم مرّ من هنا يومًا. في ذلك الفراغ الأبيض، لن يضيع الخَتم وحده، بل يضيع شيء من علاقتنا بالسفر نفسه. فالسفر، قبل أن يكون حركةً بين نقطتين، كان طقسَ عبورٍ إنسانيًّا، يحتاج أثرًا ليكتمل. ومع صمت الخَتم الأخير، لا نودّع أداةً إداريّة، بل نودّع شاهدًا صغيرًا كان يُذكّرنا، في كل مرّة، بأن العبور ليس فعلًا تقنيًّا… بل تجربة حياة.
لم تكن زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى دار الفتوى اليوم زيارة بروتوكولية عادية، بل جاءت في توقيتٍ بالغ الحساسية، بعد تفجّر قضية “أبو عمر” وما خلّفته من ارتدادات ثقيلة على صورة دار الفتوى ودورها وموقعها في المشهد السنّي والوطني. دار الفتوى، التي وجدت نفسها فجأة في قلب فضيحة ذات أبعاد أمنية وسياسية وإعلامية، بدت في حاجة إلى مظلّة سياسية مباشرة من رأس الهرم التنفيذي السنّي في البلاد، في محاولة واضحة لاحتواء التداعيات ومنع تمدّد الضرر خارج الإطار القضائي. وفي هذا السياق، استقبل مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان في دار الفتوى رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، حيث عقدا خلوةً قبيل انضمام سلام إلى جلسة المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، وتداولا في مجموعة من الملفات الحساسة ذات الصلة بالمرحلة الراهنة. وبحسب معلومات “البوست”، فإن سلام بحث مع دريان بشكل صريح في قضية “أبو عمر”، والنتائج الأولية التي توصّلت إليها التحقيقات، إضافة إلى السبل الممكنة لاحتواء هذه القضية سياسيًا ومؤسساتيًا، بما يحدّ من انعكاساتها السلبية على موقع دار الفتوى ودورها الديني والوطني، في لحظة دقيقة تعيشها الساحة السنّية. كما وضع سلام المفتي دريان في صورة آخر ما توصّلت إليه المباحثات اللبنانية–السورية في ملف الموقوفين السوريين في السجون اللبنانية، لافتًا إلى الترابط القائم بين هذا الملف وملف الموقوفين الإسلاميين، ومطلعًا إياه على ما تقوم به حكومته في هذا الإطار، بهدف إقفال هذا الملف الشائك بسرعة، ولكن ضمن مسار يُقدَّم على أنه عادل وقانوني. تصوير : عباس سلمان
في بلدٍ يُفترض أنّه يعيش على السياسة، لم يعد هناك ما يُدار اسمه دولة. يقف لبنان عاريًا من القرار، معطّل الوظيفة، فيما أبناؤه، القادرون على الحكم والإدارة، يمارسون السلطة في دولٍ أخرى. ليس المشهد تفصيلاً عابرًا، ولا صدفةَ نجاح فردي. ستةُ أمريكيين من أصول لبنانية يتموضعون اليوم في قلب الحكم الأمريكي: في الدبلوماسية، في البلديات، وفي الدائرة الضيقة للرئيس. وفي المقابل، وطنهم الأم بلا حكم، بلا إدارة، وبلا أفق. الدولة تفشل… والأبناء ينجحون توماس براك، السفير الأمريكي لدى تركيا والمبعوث الأمريكي إلى سوريا (نيسان–أيار 2025)، يقف في قلب واحدٍ من أخطر ملفات الشرق الأوسط. رجلُ نفوذٍ، علاقات، وقرار. لبنانيّ الأصل، نعم. لكن الأهم، أنّه نتاجُ منظومةٍ أمريكية تعرف كيف تستخدم الكفاءة حين تعثر عليها، فيما لفظتها الدولة التي وُلد منها أصلًا. بيل بزي، السفير الأمريكي لدى تونس منذ تشرين الأول 2025، ابن بنت جبيل، يدير التوازنات السياسية والأمنية في بلدٍ عربيٍّ آخر، في وقتٍ لم يعد لبنان قادرًا على إدارة عاصمته بلا انهيار. أمّا ميشال عيسى، السفير الأمريكي لدى لبنان منذ تشرين الثاني 2025، من بلدة بسوس في قضاء عاليه، فهو المفارقة التي تختصر المأساة اللبنانية: دولةٌ أجنبية تُرسل دبلوماسيًا من أصولٍ لبنانية ليفهم لبنان، بينما الدولة اللبنانية نفسها عاجزة عن فهم شعبها. حين تصبح الكفاءة لعنة، والنجاح جريمة، والسلطة حلمًا لا يتحقق إلا في المنفى، لا يعود السؤال: لماذا غادر اللبناني؟ بل: لماذا بقي لبنان من البلديات إلى السلطة في ميشيغان، لا تُرفَع الشعارات، بل تُمارَس السلطة.عبدالله حمّود، رئيس بلدية ديربورن منذ تشرين الثاني 2025، ومو بيضون، رئيس بلدية ديربورن هايتس، يديران مدينتين تُعدّان مركزَ الثقل العربي–اللبناني في الولايات المتحدة. هناك، البلدية سلطةٌ فعلية: ميزانية، مساءلة، وتأثير في السياسة الفيدرالية. أمّا في لبنان، فالبلديات نفسها رهائنُ الإفلاس، والطائفية، والتعطيل. الفرق ليس في الأشخاص.الفرق في الدولة. من بيروت إلى المكتب البيضاوي يبقى مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والإفريقية منذ نيسان 2025، ابن الكورة، المثالَ الأوضح على انتقال اللبناني من الهامش إلى قلب السلطة الأمريكية. بولس جزءٌ من دائرة الحُكم، لا من هوامشها. يشارك في صياغة سياساتٍ تمسّ الشرق الأوسط وإفريقيا، بينما لبنان — بلدُه الأم — غائبٌ عن طاولة القرار، ومغيَّبٌ عن نفسه. وهنا تتجلّى الحقيقة العارية، اللبناني لا يُقصى بسبب نقص الكفاءة، بل لأن وطنه لا يريد دولة. الهجرة السياسية ما يحدث ليس هجرةَ عقول، بل هجرةَ سلطةٍ وشرعيةٍ وقدرةٍ على الحُكم. لبنان لا يخسر أبناءه لأنهم غادروا، بل لأنه لم يترك لهم خيارًا آخر. نظامه السياسي لا يُنتج قادة، بل يطردهم. لا يكافئ الكفاءة، بل يعاقبها. الدولة التي تفشل في الاحتفاظ بنُخبها السياسية، تتحوّل تلقائيًا إلى ملفٍّ يُدار من الخارج. النجاح جريمة وطنية نجاحُ هؤلاء الستة، «في نظر البعض»، ليس مدعاةَ فخرٍ وطني. إنه لائحةُ اتهامٍ مكتملةُ الأركان ضد نظامٍ لبنانيٍّ طائفيٍّ، معطِّل، وعديم الأهلية. لبنان لم يعد دولةً تصنع رجالها، بل أرضًا تُستخرَج منها الطاقات، ثم تُستعمَل في دولٍ أخرى. وحتى إشعارٍ آخر، سيبقى اللبناني ينجح حيث توجد دولة، ويبقى لبنان يفشل… لأنه اختار ألّا يكون دولة. لبنان اليوم ليس دولةً فاشلة فحسب، بل فكرةٌ مُنهَكة. أرضٌ تقف على حدود الجغرافيا، لكنها غائبة عن التاريخ. في هذا الظلام، لا يُهاجر الناس فقط، تُهاجر الدولة نفسها — قطعةً قطعة — إلى أن لا يبقى هنا سوى الاسم… والفراغ.