لم يعد الذكاء الاصطناعي ترفاً تقنياً يقتصر على مراكز الأبحاث أو شركات وادي السيليكون، بل تحوّل خلال فترة وجيزة إلى أحد أكثر العناصر حضوراً في تفاصيل الحياة اليومية. فمن كتابة الرسائل، وترجمة النصوص، وتوليد الصور، إلى تحليل البيانات والبرمجة وإدارة الأعمال، باتت تطبيقات الذكاء الاصطناعي ترافق مئات الملايين من المستخدمين حول العالم، لتفرض معها لغة جديدة لم تكن مألوفة قبل سنوات قليلة. ومع الانتشار السريع لمنصات مثل ChatGPT وGemini وClaude وCopilot، لم تعد مصطلحات من قبيل «نماذج اللغة الكبيرة» أو «التوكنات» أو «الهلوسة» أو «الوكلاء الأذكياء» حكراً على المهندسين والمطورين، بل أصبحت تتكرر يومياً في الأخبار والتقارير الاقتصادية والتقنية، حتى غدا فهمها ضرورة لكل من يتعامل مع هذه الأدوات أو يعتمد عليها في عمله ودراسته. فالمعرفة بهذه المفاهيم لم تعد مسألة ثقافة تقنية، بل أصبحت شرطاً لفهم حدود الذكاء الاصطناعي وإمكاناته، والتمييز بين ما يستطيع إنجازه فعلاً وما لا يزال خارج نطاق قدراته. المظلة التي تجمع كل شيء يمثّل الذكاء الاصطناعي الإطار الأشمل الذي تندرج تحته مجموعة واسعة من التقنيات الهادفة إلى محاكاة بعض القدرات البشرية، مثل التعلم، والاستنتاج، واتخاذ القرار، وفهم اللغة، وتحليل الصور، وحل المشكلات. ولا يشير المصطلح إلى تقنية واحدة بعينها، بل إلى منظومة متكاملة تضم التعلم الآلي، والتعلم العميق، والرؤية الحاسوبية، ومعالجة اللغة الطبيعية، وغيرها من الفروع التي تطورت بصورة متسارعة خلال العقد الأخير، لتصبح الأساس الذي تقوم عليه التطبيقات الذكية الحديثة. في قلب هذه المنظومة تقف الخوارزميات، وهي مجموعة من التعليمات الرياضية والمنطقية التي تحدد للآلة كيفية معالجة البيانات واتخاذ القرارات. ولا تقتصر وظيفة الخوارزمية على تنفيذ أوامر ثابتة، بل أصبحت قادرة، بفضل تطور تقنيات التعلم، على اكتشاف الأنماط داخل البيانات، والتنبؤ بالنتائج، وتحسين أدائها بصورة مستمرة دون الحاجة إلى إعادة برمجتها لكل حالة جديدة. يُعدّ التعلم الآلي أحد أهم فروع الذكاء الاصطناعي، ويقوم على فكرة بسيطة لكنها أحدثت ثورة في عالم الحوسبة، وهي أن النظام يستطيع التعلم من البيانات بدلاً من تلقي تعليمات تفصيلية لكل مهمة. ولهذا أصبحت هذه التقنية العمود الفقري لأنظمة التوصية التي تقترح الأفلام على منصات البث، أو تحدد المنتجات المناسبة للمستخدمين في المتاجر الإلكترونية، كما تُستخدم في اكتشاف عمليات الاحتيال المالي، وتحليل الأسواق، وحتى التنبؤ بالأعطال في المصانع. skip render: ucaddon_material_block_quote التعلم العميق إذا كان التعلم الآلي يمثّل نقطة الانطلاق، فإن التعلم العميق هو المحرك الحقيقي للثورة الحالية في الذكاء الاصطناعي. ويعتمد هذا النهج على شبكات عصبية اصطناعية متعددة الطبقات، تستطيع تحليل كميات هائلة من البيانات واستخراج العلاقات المعقدة بينها، وهو ما مكّن الأنظمة الحديثة من فهم الصور، والتعرف إلى الأصوات، وترجمة اللغات، وتوليد النصوص الطبيعية بدرجة غير مسبوقة من الدقة. استلهم العلماء تصميم الشبكات العصبية من طريقة ارتباط الخلايا العصبية في الدماغ البشري، حيث تتكون من طبقات متتابعة تستقبل البيانات وتعالجها تدريجياً قبل الوصول إلى النتيجة النهائية. وخلال عملية التدريب، تعدّل هذه الشبكات مليارات الأوزان الرياضية بصورة مستمرة، بحيث تصبح أكثر قدرة على تقديم إجابات دقيقة كلما زادت كمية البيانات التي تتعلم منها. المحرك الخفي تعتمد تطبيقات مثل ChatGPT وClaude وGemini على ما يُعرف بنماذج اللغة الكبيرة LLMs، وهي أنظمة جرى تدريبها على مليارات الكلمات المستمدة من الكتب والأبحاث والمواقع الإلكترونية والوثائق العامة، لتتعلم العلاقات الإحصائية بين الكلمات والجمل، وتتمكن من إنتاج نصوص تبدو أقرب إلى اللغة البشرية. ولا تقوم هذه النماذج بحفظ المعلومات بالطريقة التقليدية، وإنما تتنبأ بالكلمة أو العبارة الأكثر احتمالاً اعتماداً على السياق الذي يقدمه المستخدم. من أكثر المصطلحات تداولاً اليوم كلمة «توكن»، وهي أصغر وحدة نصية يعالجها النموذج أثناء القراءة أو الكتابة. وقد تمثّل الكلمة الواحدة توكناً واحداً، أو تنقسم إلى عدة توكنات إذا كانت طويلة أو غير شائعة، ويحدد عدد هذه الوحدات سرعة المعالجة، وحجم الذاكرة المطلوبة، وحتى تكلفة استخدام بعض خدمات الذكاء الاصطناعي التجارية. من التدريب إلى الاستدلال يمر أي نموذج ذكاء اصطناعي بمرحلتين أساسيتين. الأولى هي التدريب، حيث يتعلم النظام من كميات هائلة من البيانات عبر تعديل مليارات المعاملات الرياضية، وهي عملية قد تستغرق أسابيع أو أشهر وتتطلب آلاف وحدات معالجة الرسومات، فضلاً عن استهلاك ضخم للطاقة. أما الثانية فهي الاستدلال، أي المرحلة التي يبدأ خلالها النموذج في استخدام ما تعلمه للإجابة عن أسئلة المستخدمين أو تنفيذ المهام المطلوبة، وهي المرحلة التي تحدد سرعة التطبيقات وكفاءتها التشغيلية. من أبرز التطورات الحديثة تقنية الاسترجاع المعزز بالتوليد RAG، التي تسمح للنموذج بالرجوع إلى قواعد بيانات أو وثائق حديثة قبل صياغة الإجابة، بدلاً من الاعتماد فقط على المعلومات التي اكتسبها أثناء التدريب. وقد أصبحت هذه التقنية عنصراً أساسياً في الأنظمة المؤسسية، لأنها تقلل الأخطاء، وتوفر إجابات أكثر حداثة ودقة. الوكلاء الأذكياء يشهد القطاع حالياً انتقالاً من المساعدات الحوارية إلى ما يُعرف بالوكلاء الأذكياء AI Agents. فهذه الأنظمة لا تكتفي بالرد على الأسئلة، بل تستطيع التخطيط، وتنفيذ سلسلة من المهام، واستخدام التطبيقات المختلفة، وإدارة الملفات، والتفاعل مع الخدمات الرقمية بصورة شبه مستقلة، وهو ما يفتح الباب أمام جيل جديد من الأتمتة الذكية. بعد انتهاء التدريب الأساسي، تخضع النماذج لما يُعرف بالتعلم المعزز من التغذية الراجعة البشرية RLHF، حيث يقوم خبراء بتقييم إجابات النموذج وترتيبها، ثم تُستخدم هذه الملاحظات لتحسين جودة الردود وجعلها أكثر دقة وفائدة وأماناً. كما تعتمد الشركات على الضبط الدقيق Fine-tuning لتكييف النماذج العامة مع مجالات متخصصة مثل الطب أو القانون أو القطاع المالي، دون الحاجة إلى إعادة تدريبها بالكامل. ومع ازدياد أحجام النماذج، برزت تقنية التقطير Distillation التي تسمح بنقل المعرفة من نموذج ضخم إلى آخر أصغر وأكثر كفاءة، بما يتيح تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي على الهواتف الذكية والأجهزة المحمولة دون الحاجة إلى بنية حوسبة عملاقة. قاموس الذكاء الاصطناعي… مفاتيح السيطرة على الزمن الرقمي الهلوسة ورغم التقدم اللافت، لا تزال النماذج معرضة لما يُعرف بـ«الهلوسة»، وهي ظاهرة تُنتج فيها معلومات تبدو منطقية ومقنعة لكنها غير صحيحة أو لا تستند إلى مصادر حقيقية. ولهذا يؤكد الخبراء أن الذكاء الاصطناعي ينبغي التعامل معه بوصفه أداة مساعدة في التحليل والإنتاج، لا مصدراً نهائياً للحقيقة، خصوصاً في المجالات الحساسة مثل الطب والقانون والصحافة. ومن الابتكارات التي غيّرت تصميم النماذج الحديثة بنية مزيج الخبراء MoE، حيث لا يجري تشغيل جميع مكونات النموذج في كل مرة، وإنما يتم تنشيط مجموعة صغيرة من «الخبراء» المتخصصين بحسب طبيعة المهمة، وهو ما يقلل استهلاك الموارد ويرفع سرعة الاستجابة. كما برز خلال العام الأخير بروتوكول سياق النموذج MCP بوصفه معياراً مفتوحاً يهدف إلى توحيد طريقة اتصال نماذج الذكاء الاصطناعي بالملفات وقواعد البيانات والتطبيقات المختلفة، ليؤدي دوراً يشبه منفذ USB-C في عالم الحواسيب، ولكن على مستوى البرمجيات والأنظمة الذكية. ويبقى المفهوم الأكثر إثارة للجدل هو الذكاء الاصطناعي العام AGI، الذي يشير إلى أنظمة
دخلت العلاقات التركية ـ الإسرائيلية في الشرق الأوسط منعطفاً حاسماً، إثر الإعلان المفاجئ للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو» في أنقرة، عن نية إدارته رفع العقوبات عن تركيا، وإعادة النظر «بجدية» في تزويدها بمقاتلات الجيل الخامس الشبحية F-35. هذا التحول يمثّل انقلاباً جذرياً في السياسة الأمريكية، ويضع تل أبيب في مواجهة ما تعتبره «المهدِّد الاستراتيجي الأكبر» لتفوقها العسكري في المنطقة. زلزال في تل أبيب تنظر الدوائر الأمنية والسياسية في إسرائيل إلى احتمال امتلاك تركيا طائرات F-35 بكثير من القلق، وتصنّف هذا التحول كـ«تهديد وجودي» لكسره مبدأ التفوق العسكري النوعي QME، الذي تضمنه واشنطن لتل أبيب تاريخياً. وفي تصريحات حادة لوسائل إعلام أمريكية، شنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هجوماً لاذعاً على التوجهات الأمريكية الجديدة، واصفاً النظام التركي بأنه «موبوء بأيديولوجيا متطرفة تُضمر العداء لأمريكا وإسرائيل»، ومحذّراً من أن تسليم هذه المقاتلات، أو حتى محركاتها، لأنقرة «سيحطم توازن القوى بالكامل في الشرق الأوسط». skip render: ucaddon_material_block_quote وتكمن خطورة النفوذ التركي، وفق القراءة الإسرائيلية، في الآتي: تعدد الجبهات: بعد أن استقرت الحسابات الإسرائيلية على مواجهة «حزام النار» الممتد من إيران ولبنان وسوريا، دخل الثقل التركي كجبهة رابعة غير تقليدية، تمتلك عمقاً استراتيجياً، وتصنيعاً عسكرياً ذاتياً، وخطاباً سياسياً مناهضاً لتل أبيب بشكل غير مسبوق. شرق المتوسط: إن تعاظم القوة الجوية التركية سيهدد مباشرة تحالفات إسرائيل الغازية والأمنية مع اليونان وقبرص، ويعيد رسم خطوط النفوذ البحري لصالح أنقرة. موقف واشنطن تتحرك إدارة الرئيس ترامب مدفوعة برؤية براغماتية، ذرائعية، تهدف إلى إعادة ترتيب أوراق حلف الناتو، واستعادة تركيا كحليف محوري لمواجهة القوى الدولية الكبرى وروسيا. وقد عبّر ترامب عن هذا التوجه بوضوح قبيل لقائه الرئيس رجب طيب أردوغان، قائلاً إن تركيا كانت «في نواحٍ كثيرة أكثر ولاءً من دول أخرى كنا نعتقد أنها ستكون وفية»، مؤكداً أن حظر بيع المقاتلات وقطع الغيار لا يخدم المصالح الأمريكية الاقتصادية أو العسكرية. وترى الإدارة الحالية أن إدماج تركيا مجدداً في المنظومة التسليحية الأمريكية سيعزز مبيعات الدفاع، ويمنح واشنطن نفوذاً أكبر على تحركات أنقرة الإقليمية، لا سيما في ملفات الوساطة لإنهاء الصراعات. ل تنتهي أسطورة التفوق الجوي الإسرائيلي؟ عقبة الكابيتول رغم الإرادة السياسية القوية للبيت الأبيض، فإن الصفقة تصطدم بجدار تشريعي صلب في واشنطن. فالقانون الأمريكي الصادر عام 2020 يحظر صراحة عودة تركيا إلى برنامج الـ F-35، طالما أنها تحتفظ بمنظومة الدفاع الجوي الروسية S-400. ولن يمرّر الكونغرس هذه الصفقة بسهولة، بل يُتوقع أن تشهد مواجهة شرسة من معارضة الحزبين الديمقراطي والجمهوري؛ إذ سارعت مجموعات برلمانية من الحزبين، بقيادة نواب بارزين مثل مايك لولر وبراد شيرمان، إلى توجيه رسائل تحذيرية إلى البيت الأبيض، مؤكدين أن بيع الطائرات لتركيا، في ظل استمرار الخطاب المعادي لإسرائيل والعلاقات التركية مع إيران، يشكل انتهاكاً للقوانين الأمريكية الأمنية. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال مخاوف تسريب التكنولوجيا قائمة؛ إذ يخشى المشرعون والجنرالات في البنتاغون من أن تشغيل الـ F-35 بالتزامن مع وجود المنظومة الروسية S-400 على الأراضي التركية قد يتيح لموسكو فرصة كشف أسرار الرادار والتكنولوجيا الشبحية للمقاتلة الأمريكية الأحدث. skip render: ucaddon_box_testimonial
في الشرق الأوسط، لا تُكتب الكتب دائماً لتوثيق الماضي، ولا تصدر جميعها بدافع البحث الأكاديمي الخالص. فكثير منها يُكتب لاستشراف المستقبل، والتأثير في دوائر القرار، وتهيئة الرأي العام لتحولات لم تتبلور بعد. لذلك، فإن صدور كتاب إسرائيلي جديد بعنوان «الثورة في سوريا.. الحرب الأهلية وسقوط عائلة الأسد» لا يمكن التعامل معه بوصفه إصداراً فكرياً عابراً، بل باعتباره وثيقة سياسية تستحق أن تُقرأ بين السطور، خصوصاً أنه يأتي في لحظة إقليمية تُعاد فيها صياغة خرائط النفوذ، وتُطرح أسئلة جديدة حول موقع سوريا في الشرق الأوسط بعد انتهاء حقبة حكم عائلة الأسد. وتتضاعف أهمية الكتاب عندما تقع العين على غلافه قبل صفحاته. فصورة الرئيس أحمد الشرع تتصدر المشهد، فيما تبدو صورة بشار الأسد ممزقة في الخلفية، في مشهد بصري لا يبدو بريئاً أو اعتباطياً. ففي الأدبيات السياسية الإسرائيلية، لا يُعدّ الغلاف مجرد عنصر فني، بل جزءاً من الرسالة ذاتها. وكأن الناشر والمؤلفين يريدان القول إن إسرائيل لم تعد تنظر إلى سوريا بوصفها دولة يحكمها الأسد، بل بوصفها دولة جديدة ينبغي فهمها والتعامل مع قيادتها الجديدة. إنها ليست محاولة لتوثيق نهاية رجل، بقدر ما هي إعلان عن بداية مرحلة، وإعادة تعريف لسوريا في الوعي الاستراتيجي الإسرائيلي. من داخل التجربة ولا يقل اسم المؤلفين أهمية عن مضمون الكتاب. فالبروفيسور إيتمار رابينوفيتش ليس مجرد مؤرخ أو أستاذ جامعي، بل أحد أبرز مهندسي السياسة الإسرائيلية تجاه سوريا، ورئيس الوفد الإسرائيلي الذي خاض مفاوضات السلام مع دمشق خلال تسعينيات القرن الماضي. وهو رجل لا يكتب من خارج التجربة، بل من قلبها، بعدما كان شاهداً ومشاركاً في واحدة من أكثر مراحل الصراع العربي الإسرائيلي حساسية. أما كرميت فالنسي، فهي من أبرز الباحثين في معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، أحد أهم مراكز التفكير الاستراتيجي في إسرائيل، والذي يُنظر إليه باعتباره خزاناً للأفكار التي تجد طريقها لاحقاً إلى المؤسسة الأمنية والسياسية. ومن هنا، فإن الكتاب لا يمثّل مجرد اجتهاد فكري، بل يعكس بدرجة كبيرة اتجاهاً داخل النخبة الإسرائيلية يسعى إلى إعادة تعريف سوريا بعد التحول الكبير الذي شهدته. skip render: ucaddon_material_block_quote وإذا كان عنوان الكتاب يربط بين الحرب الأهلية وسقوط عائلة الأسد، فإن الرسالة الأعمق تكمن في أن المؤلفين يعتبران أن الحدث التاريخي الحقيقي لم يكن سنوات الحرب نفسها، بل انتهاء النظام الذي حكم سوريا لأكثر من نصف قرن. فالحرب، وفق هذه القراءة، ليست سوى مقدمة، أما الفصل الأهم فيبدأ بعد سقوط النظام، حين تصبح الأسئلة مرتبطة بطبيعة الدولة الجديدة، وهوية قيادتها، واتجاهاتها الإقليمية، وحدود براغماتيتها، وكيف ينبغي لإسرائيل أن تتعامل معها. أسئلة استراتيجية ومن هنا، يبدو واضحاً أن النقاش داخل النخبة الإسرائيلية انتقل من سؤال هيمن على سنوات الصراع: هل يسقط النظام؟ إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف ستكون سوريا بعد الأسد؟ وهذا التحول في طبيعة الأسئلة يعكس انتقالاً في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي من إدارة الفوضى إلى التفكير في الدولة التي قد تنهض من تحت أنقاض الحرب، بعدما كانت الأولوية طوال سنوات الصراع منع انتصار أي طرف بصورة حاسمة، وإبقاء سوريا في حالة إنهاك استراتيجي. ويمنح تاريخ رابينوفيتش هذا الكتاب بُعداً إضافياً. فقد سبق له أن أثار جدلاً واسعاً عندما اعتبر أن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد فوّت فرصة تاريخية لاستعادة الجولان، عندما رفض، بحسب روايته، التجاوب مع المبادرة التي طُرحت خلال قمة جنيف السورية الإسرائيلية عام 2000، بحضور الرئيس الأميركي بيل كلينتون، وبمشاركة رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك إيهود باراك. ورغم أن هذه الرواية بقيت موضع خلاف بين الباحثين والمؤرخين، الذين يشيرون إلى أن الخلافات حول حدود الانسحاب والترتيبات الأمنية كانت سبباً رئيسياً في انهيار المفاوضات، فإن استعادتها اليوم تحمل دلالة سياسية؛ إذ توحي بأن المؤلف يرى في القيادة السورية الجديدة نهجاً مختلفاً عن المدرسة التي حكمت دمشق لعقود، وربما أكثر استعداداً لاعتماد مقاربات سياسية أقل أيديولوجية وأكثر ارتباطاً بحسابات الدولة. كتاب لا يؤرّخ الماضي بل يمهّد للمستقبل أما كرميت فالنسي، فقد كرّست خلال السنوات الأخيرة معظم أبحاثها لمتابعة التحولات السورية واللبنانية، وكانت من أكثر الأصوات الإسرائيلية انتقاداً لسياسة حكومة بنيامين نتنياهو في سوريا. فهي ترى أن الإفراط في الضربات العسكرية قد يدفع دمشق إلى تجاوز ما تصفه بـ«نقطة اللاعودة»، بما يحول دون الاستفادة من أي توجهات براغماتية لدى القيادة السورية الجديدة. وفي أكثر من دراسة، دعت إلى قراءة سوريا بعقل استراتيجي لا بعقلية أمنية صرفة، معتبرة أن إسرائيل قد تفوّت فرصة تاريخية إذا بقيت أسيرة سياسة إدارة التهديدات بدل إدارة التحولات. تحديات الداخل ولا تعني هذه القراءات بالضرورة أن دمشق تتبنى الرؤية ذاتها. فالقيادة السورية الجديدة تواجه أولويات داخلية هائلة تتمثل في إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنعاش الاقتصاد، وإعادة اللاجئين، وترميم البنية التحتية، واستعادة وحدة الأراضي السورية. كما أن قضية الجولان المحتل تبقى جزءاً من الثوابت الوطنية السورية، بغض النظر عن تغير الأشخاص أو تبدل الخطاب السياسي. ولذلك، فإن الحديث الإسرائيلي عن «براغماتية دمشق» لا ينبغي تفسيره بوصفه استعداداً سورياً لتقديم تنازلات استراتيجية، بقدر ما يعكس قراءة إسرائيلية لترتيب مختلف للأولويات في مرحلة إعادة بناء الدولة. لكن اللافت في هذا الكتاب أنه يقول عن إسرائيل بقدر ما يقول عن سوريا. فهو يكشف أن المؤسسة الفكرية الإسرائيلية بدأت تتعامل مع سوريا باعتبارها مشروع دولة يُعاد بناؤه، لا مجرد ساحة حرب أو مساحة نفوذ إيراني أو روسي. وهذا التحول في الإدراك قد يكون أكثر أهمية من مضمون الكتاب نفسه، لأنه يعكس بداية مراجعة داخلية لطريقة النظر إلى الجار السوري، بعد سنوات من الاكتفاء بإدارة الصراع ومنع تشكّل واقع إقليمي جديد. ولعل الرسالة الأبرز التي يحملها الكتاب أن إسرائيل لم تعد تناقش مستقبل الحرب السورية، بل مستقبل الدولة السورية، وأنها تحاول استباق هذا المستقبل عبر إنتاج سردية جديدة تفسّر التحول وتحدد كيفية التعامل معه. فالكتب، في البيئة الإسرائيلية، كثيراً ما تسبق القرارات السياسية، وتبدأ الأفكار في مراكز الدراسات قبل أن تجد طريقها إلى مكاتب الوزراء وقاعات المجلس الوزاري الأمني المصغر. لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يفرضه هذا الإصدار لا يتعلق فقط بمحتواه، بل بما إذا كان يمثّل مقدمة لتحول أوسع داخل العقل الاستراتيجي الإسرائيلي. فهل بدأت تل أبيب تقتنع بأن سوريا الجديدة تستدعي أدوات سياسية مختلفة عن تلك التي حكمت العلاقة مع نظام الأسد؟ وهل تمهّد النخبة الأكاديمية والأمنية لنقاشات قد تفضي، في مرحلة لاحقة، إلى مقاربة جديدة تجاه دمشق؟ skip render: ucaddon_box_testimonial