في لحظات نادرة من التاريخ، تتوقف الحروب عن كونها أدوات ضغط سياسية، وتتحول إلى مسارات كسرٍ شامل لا يمكن التراجع عنها. ما يجري اليوم في الشرق الأوسط يقترب سريعاً من هذه اللحظة فالمواجهة المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة لم تعد مجرد جولة جديدة في لعبة الردع المتبادل، بل تبدو كأنها تنزلق إلى حربٍ تتبنى منطق اللاعودة. في هذا النوع من الصراعات، لا تُغلق الأبواب تدريجياً، بل تُحرق المفاتيح خلفها. منطق اللاعودة المؤشرات الميدانية والسياسية توحي بأن طهران تخوض المواجهة بعقلية مختلفة عن منطق إدارة الأزمات التقليدي. الحديث عن إغلاق مضيق هرمز، واستهداف منشآت الطاقة، وتوسيع بنك الأهداف ليشمل مصالح أمريكية مباشرة وغير مباشرة، لا يبدو كأدوات تفاوضية لرفع السقف قبل التسوية، بل كخطوات تصعيدية تضع المنطقة على مسار حرب تتدحرج خارج السيطرة. إيران لا تراهن على انتصار عسكري كلاسيكي، بل على معادلة أكثر قسوة: جعل الحرب مكلفة للجميع. فإذا كان ميزان القوة العسكرية يميل نظرياً إلى الولايات المتحدة وحلفائها، فإن ميزان كلفة الفوضى قد يميل في الاتجاه المعاكس. ضرب إمدادات الطاقة، رفع أسعار النفط، تعطيل سلاسل الإمداد العالمية، وإبقاء الأسواق في حالة قلق دائم؛ كلها أدوات يمكن أن تحول الاقتصاد العالمي إلى رهينة لحرب طويلة النفس. إنها صيغة ردع معكوسة: إذا لم أستطع أن أربح وحدي، يمكنني أن أجعل الجميع يخسرون. ما يجري اليوم ليس مجرد اشتباك قابل للاحتواء، بل حرب تتبنى منطق اللاعودة، حيث كل خطوة لا تُغلق باباً فحسب… بل تُحرق المفاتيح خلفه حسابات وإرادات صحيح أن إيران تلقت ضربات موجعة وخسرت موارد ومواقع حساسة، غير أن حساباتها لا تُبنى على الخسارة اليومية، بل على النتيجة النهائية للصراع. في هذا المنطق، كل يوم لا تُهزم فيه إيران هو يوم انتصار، وكل يوم لا تحقق فيه واشنطن نصراً حاسماً هو يوم تآكل إضافي في هيبتها الردعية. إنها حرب إرادات بقدر ما هي حرب أسلحة. أما الخليج، فيجد نفسه اليوم على مفترق تاريخي. استهداف منشآته النفطية وممراته البحرية الحيوية لا يهدد اقتصاده فقط، بل يطرح سؤالاً أعمق: إلى أي مدى ما زالت المظلة الأمريكية قادرة على ضمان الأمن؟ العلاقة الاستراتيجية التي قامت لعقود بين واشنطن وعواصم الخليج تدخل اختباراً غير مسبوق. فإما أن تعود الولايات المتحدة لتأكيد دورها كضامن أمني مطلق، أو أن تبدأ دول المنطقة تدريجياً في البحث عن توازنات جديدة، عبر تنويع تحالفاتها بين الشرق والغرب، أو حتى عبر تفاهمات إقليمية تعترف بأن إيران أصبحت جزءاً دائماً من معادلة القوة في المنطقة. لكن السيناريو الأكثر قتامة يبقى احتمال انزلاق المنطقة إلى حرب طويلة، تُدار فيها المواجهة عبر ساحات متعددة ووكلاء متعددي الجنسيات. الحديث عن تدمير شامل لقدرات إيران الصاروخية يواجه معضلة واقعية. فهذه القدرات ليست مجرد مخازن يمكن تدميرها بضربات جوية، بل منظومة إنتاج ومعرفة متجذرة في بنية عسكرية وصناعية معقدة. القضاء عليها بالكامل ليس عملية جراحية سريعة، بل مشروع حرب مفتوحة زمنياً ومكلفة استراتيجياً. وإذا كان التدخل البري الأمريكي داخل إيران خياراً شبه مستبعد في الحسابات العسكرية، فإن البديل المرجح سيكون تكثيف الحرب غير المباشرة: دعم قوى معارضة، تحريك أوراق إثنية، واستثمار التوترات الداخلية. غير أن تجارب العقود الماضية في المنطقة تُظهر أن هندسة الداخل الإيراني من الخارج قد تكون أكثر تعقيداً مما تبدو عليه على الورق. في الإقليم الأوسع، تبدو عدة ساحات مرشحة للانفجار. العراق يقف في موقع حساس بين موازين النفوذ المتشابكة، بينما يمكن أن يتحول لبنان واليمن إلى جبهتين إضافيتين إذا قررت قوى حليفة لطهران رفع مستوى الانخراط. عند تلك النقطة، لن تكون المنطقة أمام حرب محدودة، بل أمام صراع إقليمي طويل يعيد رسم خرائط النفوذ بالقوة. النجاة والبقاء داخل الولايات المتحدة نفسها، لا تبدو هذه الحرب محل إجماع. تقارير إعلامية أمريكية تتحدث عن غياب رؤية واضحة لليوم التالي، وعن انقسامات داخل النخب السياسية والشارع حول أهداف المواجهة وحدودها. مثل هذه الانقسامات ليست تفصيلاً ثانوياً؛ فهي قد تتحول إلى عنصر ضغط حقيقي على مسار الحرب ونتائجها. في المقابل، يبدو هدف إيران أكثر بساطة ووضوحاً: النجاة أولاً. البقاء، ثم إعادة التموضع. وبين استراتيجية أمريكية تبدو ملتبسة، وهدف إيراني وجودي واضح، تتشكل فجوة قد تطيل أمد الصراع إلى ما هو أبعد من حسابات البداية. الحروب الكبرى غالباً ما تبدأ بقرارات محسوبة، لكنها مع الوقت تتحول إلى كائنات مستقلة تتغذى من زخمها الذاتي. عند تلك اللحظة، يفقد اللاعبون قدرتهم على ضبط إيقاعها، وتصبح الحرب هي التي تفرض إيقاعها عليهم. حينها، لا يعود السؤال من بدأ. بل من يستطيع إيقاف الوحش الذي خرج من القفص. الشرق الأوسط يقف اليوم على أعتاب لحظة إعادة تعريف شاملة. والسؤال الذي سيلاحق الجميع ليس فقط من سينتصر، بل أي شرق أوسط سيولد من رحم حرب بلا سقف.
لم يعدِ الحديثُ عن اجتياحٍ برّيٍّ إسرائيليٍّ في جنوبِ لبنان مجرّد تسريباتٍ إعلاميةٍ أو تقديراتٍ نظرية. في تلّ أبيب، يسودُ بين عددٍ من المراسلين العسكريين الأجانب اعتقادٌ بأنّ الجيشَ الإسرائيليَّ بات مقتنعًا بقدرته على تنفيذ عمليةٍ سريعةٍ تفضي إلى السيطرةِ الكاملة على الشريطِ الحدوديِّ اللبناني وفقَ هذه القراءة، فإنّ الهدفَ لا يقتصرُ على توجيه ضربةٍ موضعية، بل قد يمتدّ إلى تدمير ما تبقّى من مراكزَ سكنيةٍ في قرى الحافةِ الأمامية، ومنعِ السكانِ من العودةِ إليها بشكلٍ نهائي، مع فرضِ انتشارٍ عسكريٍّ دائمٍ في تلك المنطقة. تعزّز هذه الفرضياتُ أوامرَ الإخلاءِ التي طالت 53 بلدةً جنوبية، في خطوةٍ تُقرأ كإجراءٍ احترازيٍّ يتجاوزُ الردَّ التقليديَّ إلى التحضيرِ لسيناريو أوسع. كما تشيرُ مصادرُ إسرائيليةٌ إلى أنّ المؤسسةَ العسكريةَ أبلغت الأميركيين قبل أشهرٍ بأنّها لم تعد ترَى جدوى من آلية «الميكانيزم»، معتبرةً أنّ الحكومةَ اللبنانيةَ والجيشَ اللبنانيَّ غيرُ قادرين على كبحِ جماحِ حزبِ الله أو دفعِه إلى ترتيباتٍ أمنيةٍ مباشرة. أهدافٌ معلنةٌ ومضمرة لا يقتصرُ الحديثُ عن الاجتياحِ البرّيِّ الإسرائيليِّ على مجردِ عمليةٍ عسكريةٍ تقليدية، بل يتجاوزُ ذلك إلى أبعادٍ استراتيجيةٍ وسياسيةٍ عميقة. فإسرائيل، التي تضعُ نصبَ عينيها «القضاءَ على حزبِ الله بشكلٍ كامل»، تسعى من خلال أيّ عمليةٍ بريةٍ إلى تحقيقِ أهدافٍ متعددة. قد تشملُ الأهدافُ إنشاءَ «منطقةٍ آمنة» داخل الأراضي اللبنانية، وهو طرحٌ تحوّل من إطارٍ اقتصاديٍّ سابقٍ إلى مقاربةٍ أمنيةٍ خطيرة، بالإضافة إلى تدميرِ البنى التحتية المتبقية للحزب. كما قد تسعى إسرائيل إلى فرضِ وقائعَ جديدةٍ على الأرض، قد تصل إلى حدّ اتفاقِ سلامٍ وتطبيع، أو على الأقل فرضِ وصايةٍ أمنيةٍ وعسكريةٍ على جنوبِ لبنان. أيُّ اجتياحٍ برّيٍّ لن يكون مجرّد تقدُّمٍ عسكريٍّ عبر الحدود، بل إعادةُ رسمٍ قسريٍّ لخرائط الجنوب، واختبارًا وجوديًّا لدولةٍ تقف أصلًا على حافة الانهيار تشيرُ المؤشراتُ الميدانية، مثل وجودِ الفرقةِ 91 الإسرائيليةِ على الحدود وتكثيفِ عملياتِ التجنيد، إلى استعداداتٍ متقدمةٍ لعمليةٍ قد تكونُ محدودةً في نطاقها الجغرافي، تستهدفُ التقدمَ جنوبَ نهرِ الليطاني، وتحديدًا من شريطِ كفركلا/المطلة ومنطقةِ المحامص في إصبعِ الجليل. سيفتحُ أيُّ اجتياحٍ برّيٍّ إسرائيليٍّ لجنوبِ لبنان البابَ أمام تداعياتٍ عسكريةٍ وسياسيةٍ خطيرة، ليس فقط على لبنان وإسرائيل، بل على المنطقة بأسرها. عسكريًا، قد تتحولُ المواجهةُ إلى حربٍ شاملة، مع احتمالاتٍ كبيرةٍ لتدخلِ قوى إقليميةٍ أخرى، ما يوسّعُ دائرةَ الصراع. وسيكونُ دورُ الجيشِ اللبنانيِّ حاسمًا في هذه المرحلة، إذ يواجهُ تحدّيًا كبيرًا في حمايةِ سيادةِ البلاد والحفاظِ على استقرارها. سياسيًا، يواجهُ لبنان منعطفًا تاريخيًا. ففي خطوةٍ غير مسبوقة، أعلن رئيسُ الحكومةِ اللبنانية نواف سلام في 2 مارس 2026 «الحظرَ الفوريَّ» لجميع أنشطةِ حزبِ الله العسكريةِ والأمنية، وألزمه بتسليمِ سلاحِه للدولة وحصرِ عملِه في المجالِ السياسي. هذا القرارُ، الذي جاء في ظلّ تصاعدِ التوترات، يعكسُ ضغوطًا دوليةً وإقليميةً كبيرةً على الحكومةِ اللبنانية، ويثيرُ تساؤلاتٍ حول مدى قدرةِ الدولةِ على فرضِ سيادتِها على السلاحِ غير الشرعي. كما أنّ هذا القرارَ قد يؤدي إلى انقساماتٍ داخليةٍ حادةٍ في لبنان، ويزيدُ من خطرِ اندلاعِ «فتنةٍ» داخليةٍ في ظلّ الظروفِ الراهنة. هلِ الاجتياحُ مرجّح؟ ولماذا؟ تتعددُ العواملُ التي تجعلُ من الاجتياحِ البرّيِّ الإسرائيليِّ لجنوبِ لبنان خيارًا مرجّحًا، بل و«حتميًا» في نظر البعض. ففشلُ الحلولِ الدبلوماسيةِ في إبعادِ حزبِ الله عن الحدودِ الإسرائيلية، والرغبةُ الإسرائيليةُ في استغلالِ «الزخم» بعد الاغتيالاتِ الكبرى (مثل اغتيالِ خامنئي)، والضغطُ الداخليُّ الإسرائيليُّ لإعادةِ سكانِ الشمال إلى منازلهم، كلُّها عواملُ تدفعُ باتجاهِ هذا السيناريو. كما أنّ التنسيقَ الأميركي – الإسرائيليَّ المفترضَ للقضاءِ على نفوذِ إيران في المنطقة قد يعطي إسرائيل الضوءَ الأخضرَ للمضيّ قدمًا في هذه العملية. يقفُ لبنان اليوم على مفترقِ طرقٍ تاريخيٍّ قد يغيّرُ وجهَه السياسيَّ والجغرافيَّ. فبين التهديداتِ الإسرائيليةِ المتصاعدة، والقرارِ الحكوميِّ الجريء بحظرِ نشاطِ حزبِ الله العسكري، والتداعياتِ الإقليميةِ والدولية، يبدو أنّ جنوبَ لبنان في عينِ العاصفة. إنّ فهمَ معاني وتداعياتِ أيِّ اجتياحٍ برّيٍّ إسرائيليٍّ، وتحليلَ مدى ترجيحِه، يتطلبُ نظرةً شاملةً للواقعِ العسكريِّ والسياسيِّ والإنسانيِّ المعقدِ في المنطقة. ويبقى السؤالُ الأهم: هل ستنجحُ الدبلوماسيةُ في نزعِ فتيلِ الأزمة، أم أنّ المنطقةَ على موعدٍ مع فصلٍ جديدٍ من الصراع؟
في ظلِّ التَّصعيدِ العسكريِّ المتواصلِ في المنطقةِ، والحربِ الدائرةِ حاليًّا بين إيران وخصومِها، عادَ إلى الواجهةِ سؤالٌ بالغُ الحساسيَّةِ في الأوساطِ السياسيَّةِ والاستراتيجيَّةِ: ماذا لو سقطَ النظامُ الإيرانيُّ تحت وطأةِ الضغوطِ العسكريَّةِ والاقتصاديَّةِ المتراكمة؟ فمع اتِّساعِ رقعةِ المواجهةِ وارتفاعِ منسوبِ التوتُّرِ الإقليميِّ، لم يعُدِ الحديثُ عن مستقبلِ النظامِ في طهران مجرَّدَ نقاشٍ نظريٍّ، بل سيناريو يُطرحُ بجدِّيَّةٍ في غرفِ القرارِ ومراكزِ الأبحاث. وإذ تُشكِّلُ إيران لاعبًا محوريًّا في معادلةِ الأمنِ والطاقةِ والصراعاتِ الممتدَّةِ من الخليجِ إلى شرقِ المتوسِّط، فإنَّ أيَّ اهتزازٍ كبيرٍ في بنيتِها السياسيَّةِ قد يُطلقُ سلسلةَ تحوُّلاتٍ دراماتيكيَّةٍ تُعيدُ رسمَ خريطةِ الشرقِ الأوسطِ بأكملِها. الداخلُ الإيراني سقوطُ أيِّ نظامٍ سياسيٍّ مركزيٍّ بحجمِ النظامِ الإيرانيِّ يفتحُ البابَ على عدَّةِ احتمالاتٍ داخليَّة، أبرزُها فراغُ السُّلطة. قد تشهدُ البلادُ مرحلةً انتقاليَّةً مضطربةً، خاصَّةً مع وجودِ مؤسَّساتٍ أمنيَّةٍ وعسكريَّةٍ قويَّةٍ مثل الحرسِ الثوريِّ. صراعُ أجنحةٍ، واحتمالُ تنافسٍ بين التياراتِ الإصلاحيَّةِ والمحافظة، وربَّما بين مراكزِ القوى داخل المؤسَّسةِ العسكريَّة. عودةُ التيارِ الملكيِّ أو المدنيِّ: بعضُ قوى المعارضةِ في الخارجِ تُراهنُ على انتقالٍ نحو نظامٍ مدنيٍّ أو حتّى إحياءٍ رمزيٍّ للتيارِ الملكيِّ، لكنَّ تحقيقَ ذلك على الأرضِ ليس مضمونًا. مخاطرُ التفكُّك: إيران دولةٌ متعدِّدةُ القوميَّات (فرس، أذريُّون، أكراد، عرب، بلوش)، وأيُّ ضعفٍ مركزيٍّ قد يُوقظُ نزعاتٍ انفصاليَّةً في الأطراف. السيناريو الأكثرُ ترجيحًا في المدى القصير ليس الاستقرارَ السريعَ، بل مرحلةُ سيولةٍ سياسيَّةٍ قد تطول. سقوطُ النظامِ الإيرانيِّ إن حدث لن يكونَ حدثًا داخليًّا عابرًا، بل زلزالًا جيوسياسيًّا يُعيدُ رسمَ ميزانِ القوى من مضيقِ هرمز إلى شرقِ المتوسِّط ماذا سيحدثُ للأذرع؟ تمتدُّ شبكةُ نفوذِ طهران عبر عدَّةِ ساحاتٍ، وسقوطُ النظامِ سيؤثِّرُ عليها بدرجاتٍ متفاوتة: لبنان: سيواجهُ حلفاءُ طهران، وعلى رأسِهم حزبُ الله، اختبارًا استراتيجيًّا صعبًا في التمويلِ والدعمِ السياسيِّ. سوريا: الوجودُ الإيرانيُّ العسكريُّ والاستشاريُّ تراجعُ حكمًا بسقوط النظام، ما يُغيِّرُ توازنَ القوى هناك. العراق: الفصائلُ المسلَّحةُ القريبةُ من طهران قد تدخلُ مرحلةَ إعادةِ تموضعٍ أو تنافسٍ داخليٍّ. اليمن: الدَّعمُ للحوثيِّين قد يتأثَّر، لكنَّ الجماعةَ طوَّرت قدراتٍ ذاتيَّةً تجعلُ تأثيرَ الانقطاعِ تدريجيًّا لا فوريًّا. نفوذُ إيران لن يختفي بين ليلةٍ وضُحاها، لكنَّه سيتعرَّضُ لاهتزازٍ عميق. الرابحُ الأكبر من منظورٍ استراتيجيٍّ، قد يُنظرُ في واشنطن وتل أبيب إلى سقوطِ النظامِ الإيرانيِّ كتحوُّلٍ تاريخيٍّ، لكنَّ الصورةَ ليست بهذه البساطة. تراجعُ البرنامجِ النوويِّ الإيرانيِّ أو إعادةُ التفاوضِ عليه، بالإضافةِ إلى إضعافِ شبكةِ الحلفاءِ المسلَّحينَ في المنطقة، وانخفاضُ مستوى التهديدِ الصاروخيِّ بعيدِ المدى. لكنَّ المخاطرَ أيضًا كبيرة: فوضى داخل إيران قد تُهدِّدُ أمنَ مضيقِ هرمز، وفقدانُ طرفٍ مركزيٍّ يمكنُ التفاوضُ معه، والأخطرُ احتمالُ صعودِ قوى أكثرَ تشدُّدًا بدلًا من النظامِ الحالي. المكسبُ ليس مضمونًا، وقد يتحوَّلُ إلى تحدٍّ أمنيٍّ معقَّد. أسواقُ النفطِ والطاقة إيران لاعبٌ مهمٌّ في سوقِ الطاقة، وأيُّ اضطرابٍ كبيرٍ فيها سينعكسُ فورًا على الأسعارِ العالميَّة. في سيناريوهاتِ الطاقةِ يمكنُ أن نشهدَ ارتفاعًا حادًّا في أسعارِ النفطِ إذا تعطَّل الإنتاجُ أو التصدير، واضطرابًا في الملاحةِ في مضيقِ هرمز الذي يمرُّ عبره نحو خُمسِ تجارةِ النفطِ العالميَّة. على المدى البعيد، قد تعودُ إيرانُ المنفتحةُ – إن ظهرت – بقوَّةٍ إلى السوقِ وتزيدُ المعروض. المدى القصير: صدمةٌ وارتفاعُ أسعار.المدى الطويل: يعتمدُ على شكلِ النظامِ الجديد. هل السقوطُ قريبٌ فعلًا؟ على الرغمِ من كثرةِ الحديث، يرى معظمُ الخبراءِ أنَّ النظامَ الإيرانيَّ ما زال يمتلكُ عناصرَ صمودٍ قويَّة، أبرزُها: جهازٌ أمنيٌّ وعسكريٌّ متماسك، خبرةٌ طويلةٌ في احتواءِ الاحتجاجات، شبكةُ تحالفاتٍ داخليَّة، واقتصادُ ظلٍّ يُخفِّفُ أثرَ العقوبات، ومعارضةٌ مشتَّتةٌ في الداخلِ والخارج. سقوطٌ مفاجئٌ وسريعٌ ليس السيناريو الأكثرَ ترجيحًا حاليًّا، لكنَّ الضغوطَ التراكميَّةَ تجعلُ سيناريو التغييرِ التدريجيِّ أو المفاجئِ مطروحًا على المدى الأبعد. سقوطُ النظامِ الإيرانيِّ، إن حدث، لن يكونَ مجرَّدَ تغييرٍ داخليٍّ، بل لحظةً مفصليَّةً قد تُعيدُ تشكيلَ ميزانِ القوى في الشرقِ الأوسطِ لعقودٍ. غيرَ أنَّ التاريخَ يُظهرُ أنَّ انهيارَ الأنظمةِ الكبرى نادرًا ما يُنتجُ انتقالًا سلسًا، وغالبًا ما يفتحُ أبوابَ مرحلةٍ ضبابيَّةٍ مليئةٍ بالمفاجآت. وبين مَن يُراهنُ على الانفراجِ ومَن يخشى الفوضى، يبقى السؤالُ مفتوحًا: هل يكونُ أيُّ تغييرٍ في طهران بدايةَ استقرارٍ جديد… أم شرارةً لمرحلةٍ أكثرَ اضطرابًا في الإقليم؟