من إقليمِ دارفور المُضطرب غربَ السودان، برزت قوّةٌ مسلّحة غيّرت وجهَ الصراعِ وموازينَ القوى في البلاد بشكلٍ جذري. هذه القوّة، التي بدأت كميليشيا محليّة عُرفت باسم “الجنجويد”، تحوّلت خلال سنوات قليلة إلى “قوّات الدعم السريع”، إحدى أبرز وأقوى الجماعات المسلّحة في السودان، لتتصدر اليوم عناوينَ الأخبار مع اتّساع نطاق الحرب الأهلية، وورود تقارير عن انتهاكات واسعة النطاق، واتّهامات بمحاولة فرضِ سلطةٍ موازيةٍ للدولة. يثير الدورُ المتنامي لقوّاتِ الدعم السريع ونفوذُها جدلًا واسعًا، ويطرح تساؤلات جوهرية حول موقعِها في المشهدِ السياسي والاقتصادي والعسكري، ومستقبلِ السودان في ظلّ صراعٍ يهدّد بتمزيق نسيجه الاجتماعي وتقويضِ مؤسساته. النشأةُ والصعود قوّاتُ الدعمِ السريع هي قوّة شبهُ عسكرية يقودها الفريقُ أوّل محمد حمدان دقلو، المعروف بلقب “حُمَيدتي”، ويُقدّر عددُ أفرادها بعشرات الآلاف، حيث وصل تعدادُها قبل اندلاعِ الحرب في 2023 إلى نحو 100 ألف مقاتل ينتشرون في دارفور والعاصمة الخرطوم ومناطق أخرى. شكّل عامُ 2015 محطةً مفصلية في مسارِ صعودها؛ فإلى جانب انتشارها في دارفور وجنوب كردفان، شاركت وحداتٌ منها في التحالف العسكريّ الذي تقوده السعودية في اليمن. ووفقًا لتقارير دولية، تلقّت القوات دعمًا وتمويلًا سخيًا من السعودية والإمارات مقابل مشاركتها في العمليات القتالية، ما منحها موارد مالية هائلة وعزّز مكانتها السياسية والعسكرية داخل السودان. بالتوازي، وسّع قادتُها نفوذَهم الاقتصادي عبر السيطرة على مناجم الذهب في دارفور، وبناء شبكات تجارية تمتدّ عبر الحدود مع ليبيا وتشاد، مما أدّى إلى تعزيز مكانتِها كقوة موازية لمؤسسات الدولة، وأثار مخاوفَ متزايدة داخل الجيش السوداني. صدامُ الجنرالات بعد الإطاحة بالبشير في أبريل 2019، صعد حُمَيدتي إلى قلبِ السلطة، متولّيًا منصب نائبِ رئيس المجلس السيادي الانتقالي إلى جانب قائد الجيش الفريق أوّل عبد الفتّاح البرهان.ورغم أن الجنرالين ظهرا كحليفين يسعيان للحفاظ على استقرار الحكم بعد الثورة، إلا أن مصادر القوة والامتيازات التي تمتعت بها قوّات الدعم السريع أثارت قلقًا عميقًا داخل المؤسسة العسكرية. تفاقم التوتر مع بدء مفاوضات الانتقال إلى حكمٍ مدني، وطرح ملف دمج قوات الدعم السريع في الجيش. وقد تمحور الخلافُ الجوهري حول نقطتين أساسيتين: الجدول الزمني للدمج، دفعٌ نحو دمجٍ سريعٍ وفوري لإنهاء الازدواجية العسكرية. طلبُ فترةٍ انتقالية طويلة للحفاظ على الهيكلية والنفوذ.القيادة الموحّدة، الإصرار على أن تكون القيادة العسكرية خاضعة بالكامل للجيش. السعي لدور قياديّ يضمن استقلالية نسبية. ومع تصاعد الاتهامات المتبادلة والتحشيد العسكري في العاصمة، انفجرت المواجهة في 15 أبريل 2023، لتتحوّل الشراكة الهشّة إلى حربٍ أهلية مدمّرة، أدخلت السودان في أخطر منعطف في تاريخه الحديث. طموحاتُ الحكم وخريطةُ النفوذ المتغيّرة فيما تعرّف قوّاتُ الدعم السريع نفسها رسميًا بأنها قوةٌ مُساندة للمؤسسات الأمنية، تعكس تحركاتُها على الأرض طموحاتٍ سياسيةً متزايدة. ففي 15 أبريل 2025، أعلنت القوات تشكيل ما أسمته “حكومة السلام والوحدة” لإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها، وهي خطوة اعتبرها مراقبون مؤشرًا واضحًا على سعيها لبناء سلطة موازية. تتركّز سيطرةُ قوات الدعم السريع بشكلٍ أساسي في غربِ السودان، خاصةً في ولايات دارفور التي تُعدّ معقلها الرئيسي وقاعدة إمدادها المتقدمة. كما تسيطر على مناطق واسعة في ولايتي غرب وجنوب كردفان، وتنتشر في طرقٍ ريفية وحدودية تتيح لها حرية الحركة والوصول إلى خطوط الإمداد من دول الجوار. وفي الأشهر الأخيرة، وسّعت نفوذها ليشمل أجزاءً واسعة من العاصمة الخرطوم ومحيطها، إضافةً إلى أجزاء من ولاية الجزيرة الحيوية. في المقابل، تواجه القوات ضغوطًا متزايدة في الولايات الشمالية والشرقية، وفي المناطق القريبة من القواعد العسكرية الرئيسية للجيش السوداني، مما يحدّ من قدرتها على التوسع في تلك المحاور. ويرى محللون أنها تسعى إلى ترسيخ موقعها في معادلة الحكم المستقبلية، إمّا عبر المشاركة في سلطةٍ مركزية تفاوضية، أو من خلال إدارة مناطق نفوذها بشكلٍ مباشر ككيان شبه مستقل، وهو ما يفتح الباب أمام سيناريوهاتٍ معقدة لمستقبل وحدة الدولة السودانية. الأصول والنشأة تعودُ أصولُ هذه القوّة إلى ميليشيات “الجنجويد” القبلية التي استعان بها نظامُ الرئيس السابق عمر البشير لقمعِ التمرد في إقليم دارفور مطلعَ الألفية. وفي عام 2013، أُعيد تنظيمُها رسميًا لتصبح قوّة تابعة لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، تحت ذريعة مكافحة التمرد وحماية الحدود. إلّا أن نفوذَها سرعان ما تعاظم بشكل لافت، حيث حصلت على تسليحٍ ثقيل وموارد مالية ضخمة، وتحولت إلى لاعبٍ عسكري لا يمكن تجاهله.
يشهدُ اتفاقُ وقفِ إطلاقِ النار في غزّة، الذي يستندُ إلى مبادرةٍ أمريكيةٍ، حالةً من الغموضِ والتعقيدِ، في ظلِّ تبايُنِ وجهاتِ النظر بين الأطرافِ المعنيّةِ حول آليّاتِ التنفيذِ ومستقبلِ القطاع، وتزايدِ القلقِ الأمريكي من أنَّ رئيسَ الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد يعملُ على تقويضِ الجهودِ الراميةِ إلى إنهاءِ الصراع وتتجلّى هذه التعقيداتُ في الزياراتِ المكوكيّة التي يقومُ بها كبارُ المسؤولين الأمريكيين إلى تل أبيب، في محاولةٍ للحفاظ على مسارِ الاتفاقِ الهشّ والدفعِ نحو تطبيقِ الخطةِ المقترحة. وفي هذا السياق، نقلت صحيفةُ “نيويورك تايمز” عن مصادرَ أمريكيةٍ وجودَ قلقٍ حقيقي داخل الإدارة الأمريكية من احتمالِ انسحابِ نتنياهو من الاتفاق، مشيرةً إلى أنَّ الاستراتيجيةَ الحاليةَ ترتكزُ على منعهِ من استئنافِ العملياتِ العسكرية واسعةِ النطاق. ورغم أنَّ المرحلةَ الأولى من الخطةِ، المتعلّقة بتبادلِ الأسرى، تسيرُ ببطءٍ وحذرٍ، إلّا أنها لم تكن بمنأى عن الانتهاكاتِ الإسرائيلية، فيما تبرزُ عقباتٌ جديدةٌ تعترضُ الانتقالَ إلى المراحلِ التالية، خاصةً في ظلِّ غيابِ رؤيةٍ موحّدةٍ لـ “اليوم التالي” للحرب؛ ليس فقط بين حماس وإسرائيل، بل أيضاً بين الشركاءِ الدوليين والعرب الذين يُنتظرُ منهم تولّي ملفِّ إعادةِ الإعمار. تقفُ الخطةُ أمام تحدّي إقناعِ الدولِ المانحة بتمويلِ مشاريعِ بناءٍ في منطقةٍ خاضعةٍ للسيطرةِ العسكرية الإسرائيلية، وسطَ مخاوفَ من تحوّلِ هذا الوضعِ “المؤقت” إلى وضعٍ “دائم” مَن يحكم؟ ومَن يمول؟ تلقي صحيفةُ “هآرتس” الضوء على ما تصفُه بـ “تقاعس” واشنطن عن وضعِ تصوّرٍ عمليٍّ لمستقبلِ غزّة، حيث بدأت الإدارةُ الأمريكية الآن فقط في محاولةِ تشكيلِ رؤيةٍ واضحة، وسطَ يقينٍ بأنَّ القطاعَ سيظلُّ بلا أفقٍ سياسي في المدى المنظور. وتضيفُ الصحيفةُ أنَّ الهدفَ الأمريكيَّ الأوحدَ حتى الآن كان محصوراً في إنهاءِ القتالِ وإعادةِ الأسرى الإسرائيليين، مع تأجيلِ مناقشةِ الملفاتِ الشائكةِ الأخرى.وعلى الرغم من تسارعِ المحادثات، فإنها لا تزالُ بعيدةً كلَّ البعد عن بلورةِ خطةِ عملٍ متكاملة تُجيب عن التساؤلاتِ الأساسية:“من سيتولّى الإدارة؟ ومن سيموّل إعادة الإعمار؟ ومن سيؤمّن الأمن؟” وتزيدُ الشروطُ الإسرائيليةُ من تعقيدِ المشهد، حيث نشرت صحيفةُ “معاريف”، نقلاً عن مصدرٍ دبلوماسي، أنَّ إسرائيلَ أبلغت واشنطن بإصرارِها على نزعِ سلاحِ حركةِ حماس كشرطٍ لا غنى عنه لبدءِ أي عمليةِ إعمارٍ في القطاع. كما تشترطُ تل أبيب أن تُنفَّذَ مشاريعُ إعادةِ البناء عبرَ جهاتٍ “غيرِ معاديةٍ” لها. في المقابل، يتمسّكُ الشركاءُ العرب بمواقفِهم. فقد نقلت القناةُ 12 العبرية عن مصادرٍ قولها إنَّ الولاياتِ المتحدة حاولت إقناعَ السعوديةِ والإمارات بالمشاركةِ في إعادةِ إعمارِ غزّة والإشرافِ على إدارتها، لكنّ الدولتين رفضتا العرض ما لم تكن السلطةُ الفلسطينية جزءاً أساسياً من الترتيباتِ المستقبلية.وأكد المصدرُ أنَّه “من دونِ السلطة الفلسطينية، لن تتدخّل السعودية لا بشكلٍ مباشرٍ ولا غير مباشر”. تقسيم غزة في ظلِّ هذه التجاذبات، كشفت صحيفةُ “وول ستريت جورنال” عن خطةٍ بديلةٍ تبحثُها الولاياتُ المتحدةُ مع إسرائيل، تقومُ على تقسيمِ قطاعِ غزّة إلى منطقتين منفصلتين.تقضي الخطةُ، التي يدفع بها جاريد كوشنر، صهرُ الرئيسِ الأمريكي السابق ترامب، بأن تخضعَ المنطقةُ الأولى لسيطرةِ الجيش الإسرائيلي وتستفيدَ من مشاريع الإعمار والدعم الدولي، بينما تبقى المنطقةُ الثانية تحت حكمِ حركةِ حماس معزولةً اقتصاديّاً، حتى “نزعِ سلاحها”. وينسجمُ هذا المخططُ مع دعواتٍ سابقةٍ داخل المؤسسةِ الأمنيةِ الإسرائيلية لتحويلِ أجزاءٍ من غزّة إلى ما يشبه “المنطقة ب” في الضفةِ الغربية؛ أي مناطقَ خاضعةٍ لسيطرةٍ مدنيةٍ فلسطينيةٍ شكلية، ولكن تحت إدارةٍ عسكريّةٍ إسرائيليةٍ كاملة.إلا أنَّ هذه الخطة تصطدمُ بعقباتٍ كبرى: القبول الدولي والعربي تواجهُ الخطةُ معضلةً حقيقيةً في الحصولِ على تأييدٍ عربيٍّ ودوليٍّ لفكرةِ ترسيخِ الاحتلالِ الإسرائيليِّ لأكثر من نصفِ مساحةِ القطاع. المخاوف الأمنية الإسرائيلية:بحسب “هآرتس”، يخشى الجيشُ الإسرائيليُّ من الاحتكاكِ المباشر مع السكّان الفلسطينيين، وقد أوصى بعدمِ السماحِ بعودتِهم إلى المناطق الخاضعةِ لسيطرته. كما يعتقدُ الجيشُ أنَّ أيَّ قوةٍ دوليةٍ لن تكونَ قادرةً على تدميرِ شبكةِ الأنفاق المتبقية، مما يشكّلُ تهديداً عملياتياً مستقبلياً. تمويل الإعمار:تقفُ الخطةُ أمام تحدّي إقناعِ الدولِ المانحة بتمويلِ مشاريعِ بناءٍ في منطقةٍ خاضعةٍ للسيطرةِ العسكرية الإسرائيلية، وسطَ مخاوفَ من تحوّلِ هذا الوضعِ “المؤقت” إلى وضعٍ “دائم”. سيناريو إسرائيليٌّ… وانتظارٌ لا ينتهي من جهته، يرى تقريرٌ لمعهدِ دراساتِ الأمنِ القوميِّ الإسرائيلي أن على إسرائيل التعاملَ مع الخطةِ الإطاريةِ بمرونة، مع ضمانِ الحفاظِ على نفوذِها الأمني وحريةِ عملِها العسكري، والسيطرةِ على مسارِ إعادةِ الإعمار.ويقترحُ التقريرُ أن تعملَ إسرائيل على تهيئةِ الظروف لتشكيلِ حكومةِ تكنوقراطٍ وقوةِ استقرارٍ دولية، على أن يقتصرَ عملُها على المناطقِ التي لا وجودَ لحماسَ فيها، معتبراً أن نجاحَ هذا الطرح يعتمدُ على استعدادِ تل أبيب للتواصلِ مع السلطةِ الفلسطينية والمشاركةِ في تهيئةِ الظروفِ لإقامةِ دولةٍ فلسطينية. في نهايةِ المطاف، يسودُ التشاؤمُ أوساطَ المحللين. فالقناةُ 12 العبريةُ تتوقعُ أن يدركَ العالمُ سريعاً أنَّ الحكومةَ الإسرائيليةَ الحالية “متطرفةٌ وغيرُ عقلانية، ولا تسعى إلا للحرب وضمِّ الأراضي وتدميرِ السلطة الفلسطينية”. وهكذا، بينما تتحدثُ واشنطن عن "غزّة الجديدة"، يواصلُ الواقعُ إنتاجَ "غزّة القديمة"، ولكن — كما تصفها "هآرتس" — "مع قدرٍ أقلّ من الأملِ ومزيدٍ من التعب"، في ظلِّ روتينٍ جديدٍ من المساعداتِ الإنسانية التي تُبقي القطاعَ على قيدِ الحياة، ولكن بلا أفقٍ سياسيٍّ أو سيادةٍ حقيقية.
كنتُ أشاهد أحد البرامج المشهورة على وسائل التواصل، من النوع الذي يقدّم محتوى علميًّا في قضايا الدين والتراث والفلسفة وعلم الاجتماع. المقدم معروف بحواراته الجريئة وضيوفه من أصحاب الأفكار المختلفة، وهذا في حد ذاته أمرٌ محمود. لكن في إحدى الحلقات، استضافَ شخصًا قدّمه بعبارةٍ لافتة «يبدو أنك مُتَّهَمٌ بتهمةِ التنوير».ابتسمَ الضيف، وقال: «نعم، فقد أصبح التنويرُ تهمةً هذه الأيام». توقّفتُ عند عبارة «هذه الأيام»؛ فهي تحمل في طيّاتها مفارقةً لاذعة، إذ عندما نقول «هذه الأيام» فإننا نعني عادةً أن أيامنا صارت أسوأ مما كانت عليه في الماضي.فهل كان التنوير في الماضي مقبولًا أكثر مما هو اليوم؟ وإذا كان كذلك، فهل يبقى اسمه تنويرًا؟ زلزلة المسلّمات أليس من طبيعةِ التنوير أن يصطدمَ بالراهن، ويهزَّ المسلّماتِ، ويزعجَ المألوف؟أليس من الطبيعي أن يكون التنويريُّ في مجتمعه موضعَ اتّهامٍ ومقاومة، لأنه يقدّم أفكارًا تتجاوز سكونَ الواقع؟ إذن، إن لم يكنِ التنويرُ اليومَ تهمةً، فهو إمّا فقدَ معناهُ أو صار مُجرّدَ شعار.وإذا صار مقبولًا تمامًا من الجميع، فربما دخلنا مرحلة “ما بعد التنوير” دون أن نشعر. غير أنّ مشكلتَنا مع مَن يُسمَّون اليوم «تنويريين» لا تكمن في جرأتهم، بل في سطحيّة تلك الجرأة.فالكثيرُ منهم لا يرى في التنوير إلّا الاعتراضَ الدائمَ والنسخَ الأعمى لإنجازاتِ غيره.يتوهّمون أنهم إن اقتبسوا بعضَ الشعارات الغربية وكرّروها في سياقنا العربيّ صاروا بذلك روّادًا للفكر الحديث. قربان للتجربة حتى لو سلّمنا ـ جدلًا ـ بأن الحضارةَ الغربية تمثّل ذروةَ التطور الإنساني اليوم، فهل يكون الطريقُ إليها بنسخِ النتائجِ لا ببناءِ الأسباب؟أليس الأجدرُ بالتنويري أن يقدّم نفسَه قربانًا للتجربة قبل أن يرفعَ شعارَ التحرر؟أم أنّه يريد أن يقطف الثمار بينما يجلس في مقهى فرنسيٍّ أنيق، يدخّن السيجار، ويكتب منشوراتٍ تُمجّد الغربَ وتزدري بيئته وتاريخه؟ لقد كان للتنوير الأوروبيّ جذورٌ متينة في العلوم والفنون والاكتشافات.لم تُخلّد الإنسانيةُ أسماءَ نيوتن وغاليليو ودا فنشي ولوك ومونتسكيو لأنهم كتبوا على «فايسبوك» منشوراتٍ تسخر من جهل مجتمعاتهم، بل لأنهم أنجزوا شيئًا حقيقيًا نقل الفكر الإنسانيّ خطوةً إلى الأمام. ماذا قدّمتم أنتم؟ فماذا قدّم لنا «تنويريو» اليوم؟زار بعضُهم الغربَ ثم عادوا إلينا ببوستات «فايسبوكيّة» تحاربُ الحجابَ وتحلّلُ الخمر، بعد أن انبهروا ببريق الحياة هناك. فهل المطلوبُ أن ننبهرَ بهم نحن الذين لم نسافر إلى الغرب لأن هذا الغرب ذاته، بما فيه من «قيم الحرية»، ما زال يُغلِق في وجوهنا التأشيرات وينظر إلينا نظرةً عنصرية؟! علّمونا إذن مما علّمكم الغربُ، لا ما التقطتموه في الحاناتِ والمقاهي! يُخاطِبون الناسَ من علٍ، كأنهم «كَهَنةُ الحداثة»، ينظرون إلى مجتمعهم بوصفه «مجموعةً من الجهلة والبسطاء»، متأثّرين بمقولةٍ سخيفة عن «القطيع» وتميّزِ النخبة، فيشعرون بأنهم نخبيّون لأنهم حققوا بعض النجاح الماديّ وأصبح لديهم وقت فراغ يقضونه على وسائل التواصل الاجتماعي. فهل يتوقّعون حقًا أن نتأثر ونتبعهم؟وإن تبعناهم، ما هي الأفكار التي سيقدّمونها لنا؟هل درسوا التاريخ العربيَّ وسياقاته الفكريةَ وصولًا إلى يومنا هذا؟دعْنا من التاريخ العربيّ، هل قرأوا حتى التاريخ الغربيَّ وسياقاته؟هل اطّلعوا على العلاقاتِ الشائكة بين الشرق والغرب، أو بين الشمال والجنوب ـ بلغةِ هذه الأيام؟ ليس هناك شكٌّ في أن الغرب يمتلك ثقافةً متقدّمة، وهو الذي يقود حضارةَ العالم اليوم، ولا بدّ أن نتعلّم منه الكثير، لكن برويّةٍ ووعيٍ لا بتقليدٍ أعمى. مشكلتَنا مع مَن يُسمَّون اليوم «تنويريين» لا تكمن في جرأتهم، بل في سطحيّة تلك الجرأة، فالكثيرُ منهم لا يرى في التنوير إلّا الاعتراضَ الدائمَ والنسخَ الأعمى لإنجازاتِ غيره. مراهقة وبلادة علينا أن نتعلّم أولًا، لا أن نبنيَ مواقفَ هزيلةً قائمةً على ردود أفعالٍ شخصية؛ فهذه حركاتٌ صبيانية تشبه سلوكَ المراهق الذي يثور على أهله طلبًا للحرية، ثم لا يلبث أن يدرك أن الحريةَ مسؤولية، وأن والده قد تعب وضحّى وعانى حتى وصل هو إلى ما وصل إليه. ذلك المراهق، حين يقلّد أولادَ الجيرانِ الأغنياء دون وعيٍ بالماضي والحاضر والمستقبل، يدفع الثمن وحده.وكذلك حالُنا اليوم.إنّ «المتنورين»، أبناءَ هذه العائلةِ الكبيرة، كسالى لا يريدون العملَ ولا التضحيةَ ولا حتى التعلّم، لكنهم يريدون نتائجَ سريعةً تشبهُ وجباتِ «ماكدونالدز» أو «اللايك» الذي يحصل عليه منشورُهم من متنورٍ آخر. التنويرُ لا يكون بالاستعراض، بل بالإنجاز. لا بالصراخ في وجه المجتمع، بل بإشعالِ شمعةٍ في عتمته. أرونا إنجازاتِكم، أبهرونا بعلمِكم، بفنّكم، بفكرِكم الفلسفيّ والاجتماعيّ… وصدقوني، عندها سنتبعكم، لا لأنكم تصرخون، بل لأنكم تُضيئون… أستاذٌ في "جامعةِ جورجتاون"- قطر باحثٌ في الدراساتِ الإسلاميةِ والتاريخِ الإسلاميّ