في الذكرى الأولى لسقوط نظام بشّار الأسد، يكشف تحقيقٌ استقصائي موسّع عن خيوط مؤامرة تُنسَج في موسكو على يد رجالٍ من الدائرة الأمنية والمالية المقرّبة من الرئيس المخلوع، بهدف إشعال انتفاضات مسلّحة لزعزعة استقرار الحكومة السورية الجديدة من موسكو إلى القرداحة بعد عامٍ على انهيار حكمٍ دام عقوداً، يبدو أن بشّار الأسد استسلم لمنفاه الرمادي في موسكو، غير أن دائرته الضيّقة لم تُعلن الهزيمة بعد. فوفق التحقيق، ينخرط اثنان من أبرز رجالات النظام السابق—اللواء كمال حسن ورجل الأعمال رامي مخلوف—في سباقٍ محموم لإنشاء ميليشيات موالية لهما، تمهيداً لإشعال انتفاضات مسلّحة في معاقل الطائفة العلوية على الساحل، في محاولة يائسة لإرباك الحكومة الجديدة بقيادة أحمد الشرع. الشبكة التي يكشفها التحقيق تجمع بين المال، الولاءات القديمة، وبنية عسكرية سرية تُعيد إلى الواجهة خطر انبعاث العنف الطائفي. صراعُ نفوذ فوق الأنقاض كمال حسن: رئيس المخابرات العسكرية السابق، وأحد أشرس وجوه النظام.يدّعي السيطرة على 12,000 مقاتل، وأنفق وفق التحقيق 1.5 مليون دولار منذ مارس 2025. يُخاطب قادته عبر رسائل صوتية حادّة، متعهداً باستعادة “الكرامة”. رامي مخلوف:الملياردير وابن خال الأسد، المموّل التاريخي للنظام. يقول إنه يُسيطر على 54,000 مقاتل على الأقل، وأنفق ما لا يقل عن 6 ملايين دولار. يقدّم نفسه بوصفه “مخلّصاً”، مستعيناً بخطاب ديني ونبوءات نهاية الزمان. ماهر الأسد: الشقيق النافذ للرئيس المخلوع، يقيم أيضاً في موسكو ويحتفظ بولاء آلاف الجنود السابقين، لكنه—وفق التحقيق—لم ينخرط بعد بشكل مباشر في هذه المخططا “كُن صبوراً يا شعبي ولا تُسَلِّم أسلحتك… أنا من سيُعيد لك كرامتك.” رسالة صوتية منسوبة لحسن تمرد تحت الأرض… حرفياً لا تقتصر خطط حسن ومخلوف على شراء الولاءات، بل تمتد إلى السيطرة على بنية عسكرية سرية شيّدها النظام في سنواته الأخيرة، أبرزها: 14 غرفة قيادة تحت الأرض ممتدة على طول الساحل السوري، مزودة بأجهزة اتصالات وحواسيب متطورة. مخابئ أسلحة تضم بنادق هجومية وذخائر وقنابل يدوية. وقد أكد وجود هذه المنشآت ضابطان ومحافظ إحدى المحافظات السورية، ما يعكس حجم التهديد الكامن داخل تلك الشبكات. مؤامرة محكومة بالفشل؟ على الرغم من ضخّ الأموال وأعداد المقاتلين المعلنة، تُجمع المصادر على أن فرص نجاح هذه الخطط ضئيلة لعدة أسباب: صراع النفوذ بين حسن ومخلوف. التنافس بين الرجلين يمنع أي جهد موحّد، فكلٌّ منهما يسعى إلى “سوريا مجزأة” تابعة له. الموقف الروسي: رغم استضافة موسكو لفلول النظام، لم تُظهر دعماً لمخططاتهما.روسيا تُفضّل الحفاظ على علاقاتها مع حكومة الشرع الجديدة لضمان مصالحها وقواعدها العسكرية في الساحل. فقدان الثقة داخل الطائفة العلوية: كثيرون يرون رموز النظام القديم مسؤولين عن الخراب. وتشير المصادر إلى أن عدداً من المقاتلين يتقاضون رواتب من الطرفين دون ولاء حقيقي. استراتيجية الحكومة الجديدة: حكومة الشرع تتحرك استباقياً عبر تعيين شخصيات علوية موثوقة، مثل خالد الأحمد، لطمأنة السكان ودمجهم في “سوريا الجديدة”. التوقيت… ومعركة تثبيت الشرعية تأتي هذه الكشوفات مع اقتراب الذكرى الأولى لسقوط النظام، وفي لحظة تعمل فيها الحكومة الجديدة على تثبيت حضورها محلياً ودولياً، تُوِّجت بزيارة وفد من مجلس الأمن إلى دمشق للمرة الأولى.أي نجاح—even محدود—لخطط فلول الأسد قد يُعيد البلاد إلى دوامة العنف الطائفي ويقوّض جهود الاستقرار. تبدو مخططات بقايا النظام أشبه بمحاولة إحياء عالمٍ انتهى. الواقع السوري تغيّر، والتحالفات تبدّلت، والشارع—حتى داخل الطائفة التي اعتمد عليها النظام لعقود—لم يعد يرى في تلك الوجوه القديمة سوى تذكير بماضٍ مكلف. وبينما يراهن هؤلاء على ميليشيات مشتتة وتمويل متقلّب، تتحرك الدولة الجديدة بثبات نسبي نحو مستقبل تحاول رسمه بعيداً عن ظلال الأسد.
في مُفارقةٍ لافتة، تتزيَّنُ شوارعُ لُبنان، لا سيّما العاصمةُ بيروت وعدد من المناطق، بحُلَّةِ الأعياد، وتصدحُ في أرجائِه أصواتُ التحضيراتِ لموسمِ الميلادِ ورأسِ السنة، في وقتٍ تُخيِّمُ على البلاد أجواءٌ من التوتّرِ السياسيِّ وترقّبٌ لما ستؤولُ إليهِ الأوضاعُ على حدودِه الجنوبية. على الرُّغمِ من القلقِ السائد، لم تَغِب مظاهرُ العيد عن المشهدِ اللبنانيّ. بدأت الأسواقُ والمراكزُ التجاريةُ بالتحضيرِ للمناسبة، حيثُ تزيَّنت بالزينةِ الميلادية، وبدأت بعضُ المحالّ بعرضِ بضائعِها الخاصةِ بالعيد، فيما أعلنت عدّةُ جهاتٍ عن إقامةِ أسواقٍ ميلاديةٍ وفعالياتٍ احتفالية. في مقابل هذه المشاهد الجميلة والحيوية، يعيشُ لُبنانَ على وقعِ توتّرٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ مُتصاعد. وتشهدُ الساحةُ السياسيةُ حراكًا دبلوماسيًّا مكثّفًا، في محاولةٍ لنزعِ فتيلِ التوتّر. هذا الوضعُ يجعلُ اللبنانيين يعيشونَ حالةً من عدمِ اليقين، بين أملٍ بالتوصّلِ إلى حلولٍ دبلوماسية، ومخاوفَ من تصعيدٍ عسكريٍّ قد يجرّ البلادَ إلى حربٍ جديدة. في خِضمِّ هذا التجاذبِ بين التحضيرِ للعيد وترقّبِ المجهول، يبرزُ تصميمُ اللبنانيينَ على التمسّكِ بالحياةِ والاحتفالِ بها. فإضاءةُ شجرةِ الميلادِ في ساحاتِ المدنِ والقرى، وشراءُ الهدايا والتحضيرُ للقاءاتِ العائلية، كلُّها رسائلُ أملٍ وإصرارٍ على أنَّ إرادةَ الحياةِ لدى هذا الشعبِ أقوى من أيِّ تهديد، وأنَّ فرحةَ الاستمتاعِ بالحياةِ ستبقى حاضرةً رغمَ كلِّ الظروفِ الصعبة.
باتَ المواطنُ الصيداويُّ يبتسمُ عند نهايةِ كلِّ شهر، إذ صار يشعرُ بشيءٍ من الأمانِ والتحرّرِ من سطوةِ أصحابِ المولّداتِ الخاصةِ في المدينة، عندما يسمعُ أنَّ جهازًا أمنيًّا كجهازِ “أمنِ الدولة” قد قام بتوقيفِ صاحبِ مولّدٍ لمخالفتهِ التسعيرةَ الرسميّة، حتى ولو كان سَجنُهُ لم يستمرَّ ليومين.المهمُّ أنَّ “المشهدَ” الذي كان سائدًا بقرف مميت ومفروضًا لسنواتٍ قد تغيّرَ إلى حدٍّ كبير مع تطبيقِ “الصرامةِ” في تنفيذِ القراراتِ الرسميّة. دليلٌ دامغٌ أنَّ المشكلةَ لم تكن يومًا في ضعفِ الأجهزةِ الأمنيّة، بل في القرارِ السياسيّ. أثبتَ جهازُ “أمنِ الدولة” – فرعُ الجنوب، والقائمونَ عليه من ضبّاطٍ جددٍ وقدامى وعناصر، أنَّهم قادرونَ وليسوا عاجزين. هذا هو المفهومُ المُبسَّط لفكرةِ النظامِ في المجتمع، التي تتطوّرُ مع التطوّر الحضاريّ لتشكّلَ ما يُسمّى “الدولة” التي يحملُ الجهازُ اسمَها ومهمّةَ أمنِها. منذ أيّامٍ تداولت صيدا خبرًا عن قيامِ هذا الجهازِ بمداهمةِ منزلٍ في منطقةِ تعميرِ عينِ الحلوة، وتوقيفِ شابٍّ من آل البتكجي عُثِرَ في منزله على أسلحةٍ وذخائر – بحسبِ ما قيل – والشابُّ لا يزالُ قيدَ التوقيفِ لمخالفتِه القوانينَ المرعيّةَ الإجراء على الأراضي اللبنانيّة. ما لم يذكرْهُ الخبرُ، ويعرفُه الكثيرُ من أهلِ صيدا، أنَّ المنزلَ المُداهم يقعُ أعلى بنايةٍ يسكنُها اثنانِ من المتَّهَمين” المباشرين بقتلِ شابينِ صيداويّين منذ سنين،” دون أن يُحرِّكَ أيُّ جهازٍ أمنيٍّ بحقّهم ساكنًا. هنا يحقُّ للمواطنِ الصيداويِّ نفسِه الذي صار يبتسمُ آخرَ كلِّ شهر، أن يسأل:ألم يكن عناصرُ “أمنِ الدولة” يعلمونَ بذلك وهم يعبرونَ السلالم للوصولِ إلى المنزلِ المقصود؟ تطبيقُ العدالةِ شرطٌ لقيامِ الدولِ واستمرارِها وتطوّرِها، أمّا العدالةُ المنقوصة، فلم تدلَّ حتّى من قبلِ قوانينِ حامورابي إلّا على أنّها كرةُ ثلجٍ ونار معا، تتراكمُ وتكبرُ لتنفجرَ في لحظة، طلبا للعدالة التي يشعر فيها الأنسان أنه مواطن بحق. في الحقوق والواجبات، لأنَّ العدلَ أساسُ الملك، مهما طال فإنه آت.