في لحظةٍ يتقدّم فيها الذكاء الاصطناعي من كونه مجرّد أداةٍ تقنيّة إلى كونه ركيزةً من ركائز القوّة، أعادت شركة Palantir Technologies فتح ملفٍّ لم يُغلَق أصلًا: مَن يملك القرار الأخلاقي عندما تتحوّل الخوارزميّات إلى أدوات حرب، الدولة أم الشركات أم السوق؟ البيان الذي نشرته الشركة في اثنتين وعشرين نقطة، مقتبسة من كتاب The Technological Republic، لم يكن مجرّد تذكير بكتابٍ صدر العام الماضي، بل بدا كأنّه إعلان موقفٍ حادّ، أقرب إلى بيانٍ عقائديّ منه إلى ملخّصٍ فكريّ. وأكثر من واحدٍ وعشرين مليون مشاهدة تعني أنّ الأمر لم يعُد نقاشًا بين خبراء، بل أصبح مادّةَ جدلٍ عام، تتقاطع فيها التكنولوجيا مع السياسة والأمن والهوية. نهاية العصر النووي الرئيس التنفيذي Alex Karp لا يتحدّث بلغةٍ حياديّة، بل يذهب مباشرةً إلى صلب المسألة حين يقول في البيان: “السؤال ليس ما إذا كانت أسلحة الذكاء الاصطناعي ستُبنى، بل مَن سيبنيها ولأيّ غرض”. عبارةٌ تبدو بسيطة، لكنها تحمل في طيّاتها انقلابًا كاملًا في طريقة التفكير: لم يعُد النقاش أخلاقيًّا حول “هل ينبغي”، بل أصبح عمليًّا حول “مَن يسبق”. ويمضي البيان أبعد من ذلك، ليؤكّد أنّ “خصومنا لن يتوقّفوا عند نقاشاتٍ نظريّة، بل سيواصلون التقدّم”، في تبريرٍ واضح لفكرة السباق المفتوح. هنا يتحوّل الذكاء الاصطناعي من تقنيةٍ إلى منطق ردعٍ جديد، حتى إنّ الشركة تلمّح إلى أنّ “العصر النووي يقترب من نهايته”، ليحلّ محلّه عصرُ ردعٍ قائم على البرمجيات. لكنّ البيان لا يقف عند حدود الأمن، بل يدخل منطقةً أكثر حساسيّة حين ينتقد ما يسمّيه “السطحيّة في التعدديّة”، معتبرًا أنّ الولاء الأعمى لفكرة الشموليّة يتجاهل الفروقات بين الثقافات، بل ويذهب إلى حدّ القول إنّ بعض الثقافات “أبدعت وأنتجت العجائب”، فيما أخرى “أثبتت أنّها ضارّة ومتخلّفة”. هنا، لا يعود الحديث تقنيًّا، بل يصبح خطابًا مشحونًا برؤيةٍ قيميّةٍ خطيرة، خصوصًا عندما يصدر عن شركةٍ تبني أنظمةً تُستخدم في اتّخاذ قراراتٍ أمنيّة. كما يخصّص البيان مساحةً لانتقاد ما يراه “ضعفًا استراتيجيًّا” في التاريخ الحديث، مشيرًا إلى أنّ تجريد ألمانيا من قوّتها بعد الحرب العالميّة الثانية كان “مبالغةً دفعت أوروبا ثمنها”، وأنّ الالتزام السلمي لليابان قد يغيّر ميزان القوى في آسيا. هذه القراءة لا تنظر إلى الماضي بقدر ما تحاول إعادة صياغة الحاضر: القوّة، لا التقييد، هي الضامن للاستقرار. من وادي السيليكون إلى خرائط الحرب، لم تعد البرمجيات تصنع المستقبل فقط، بل تعيد تشكيل موازين القوة في العالم. الخطر لم يعد في الآلة وحدها، بل في العقيدة التي تديرها، وفي الشركات التي تكتب منطقها المهام الكبرى في المقابل، يهاجم كارب، بشكلٍ غير مباشر، شركاتٍ مثل Google وMeta Platforms، متّهمًا إيّاها بالانشغال بتطبيقاتٍ استهلاكيّة، والإعلانات، وتوصيل الطعام، بدل الانخراط في “المهام الكبرى” كالدفاع والأمن. بالنسبة إليه، التقنية ليست للراحة، بل للسيادة. لكنّ هذه الرؤية تفتح بابًا لأسئلةٍ لا يمكن تجاهلها. فالشركة نفسها متّهمة باستخدام تقنياتها في أنظمة مراقبة المهاجرين، والتعاون مع عمليّاتٍ عسكريّةٍ مثيرة للجدل. كما أنّ عددًا من موظّفيها السابقين اتّهموا إدارتها بالتخلّي عن قيمها، بل واعتبروا أنّها تساهم في “تطبيع الاستبداد” تحت غطاء الابتكار. وهنا تكمن المفارقة: الشركة التي تدعو إلى بناء القوّة الصلبة عبر البرمجيات هي نفسها التي تضع الإطار الفكري الذي يبرّر هذه القوّة، ثم تبيع الأدوات التي تنفّذها. وكما أشار Eliot Higgins، فإنّ هذه ليست أفكارًا مجرّدة، بل “أيديولوجيا شركة تعتمد أرباحها على السياسات التي تروّج لها”. هذيانٌ مظلم الأسلوب الذي كُتب به البيان يزيد من حدّة الجدل. فقد وصفه بعض المراقبين بأنّه أقرب إلى “نصٍّ مضطرب” أو حتى “هذيانٍ مظلم”، لا لشيءٍ إلّا لأنّه يخلط بين الفلسفة والتسويق، وبين التحليل والدعاية. فهو، من جهة، يطرح أسئلةً حقيقيّة حول مستقبل الذكاء الاصطناعي، ومن جهةٍ أخرى، يبدو كأنّه يهيّئ الأرضيّة لتوسيع دور الشركة في هذا المستقبل. وربّما هذا هو لبّ القضيّة. لم تعُد الشركات التقنيّة مجرّد منتِجٍ للبرمجيات، بل أصبحت لاعبًا سياسيًّا يكتب روايته الخاصّة للعالم. والانتقال الذي قامت به “بالانتير” من وادي السيليكون إلى دنفر لم يكن جغرافيًّا فقط، بل يعكس تحوّلًا أعمق: من ثقافة الابتكار المفتوح إلى ثقافة الأمن والانضباط. الذكاء الاصطناعي لم يعُد رفاهيةً رقمية، بل مشروعَ قوةٍ وهيمنةٍ وحرب لا يدور النقاش حول كتابٍ أو بيان، بل حول سؤالٍ أكبر: إذا كانت الحروب القادمة ستُدار بالخوارزميات، فمَن يضع قواعد هذه الخوارزميات؟ ومَن يراقبها؟ والأخطر من كلّ ذلك: عندما تتحوّل البرمجيات إلى أدوات ردع، مَن يردع مَن؟
لم يكن مجرّد خبرٍ عادي أن يمكث المعاون السياسي لنبيه بري، الوزير السابق علي حسن خليل، أيامًا في السعودية، باحثًا مع مسؤوليها، على مختلف المستويات، شؤونًا لبنانية تفصيلية، وأخرى إقليمية وعربية عامة، في وقتٍ تتقاطر فيه الصواريخ في سماءات دول الخليج، ويبلغ ضغط الحروب أشدّه. قد تكون مواقف رئيس مجلس النواب اللبناني وحدها، هذه الأيام، هي التي تتقدّم على مواقف دونالد ترامب من حيث الضبابية والغموض، والشدّ والرخي، والشيء ونقيضه في آنٍ واحد. في الرياض، حمل خليل معه تفاصيل شيعية لبنانية متشعّبة، كما أكدت مصادر سياسية مطّلعة لصحيفة “البوست”. ولم يكن النقاش بين المسؤولين السعوديين والموفد اللبناني بالنيابة عن حركة أمل فحسب، بل عن أفكار جرى تنسيقها بشكلٍ وافٍ بين بري وحزب الله، ما يعني أنها تعكس حقيقة “جو” الثنائي الشيعي. من المواضيع التي طُرحت، بحسب المصادر، جسّ النبض السعودي حيال فكرة “التغيير الحكومي”. فقد حاول بري استمزاج رأي السعوديين حول إجراء تغيير حكومي يطيح بنواف سلام وفريقه الحالي، بحجّة تنفيس الاحتقان الداخلي (الذي لا يشعر به إلا فريقٌ محدد من اللبنانيين) بعد تداعيات العدوان الإسرائيلي، والبحث في إمكانية طرح أسماء سنية جديدة لتولّي رئاسة الحكومة العتيدة. الرياض استمعت إلى طرح عودة الحريري، لكنها لم تمنحه ضوءًا أخضر: لا إسقاط لنواف سلام الآن، ولا فتح جدّيًا لباب تبديل المشهد قبل نضوج التسويات الكبرى وفي هذا الإطار، جرى التطرّق إلى موضوع عودة سعد الحريري، وما قد تشكّله هذه الخطوة من إيجابيات على صعيد البلد ككل، والاحتقان السني – الشيعي الداخلي، وإطلاق عجلة إعادة الإعمار عربيًا ودوليًا بعد انتهاء الاتفاق بين أميركا وإيران. وفي هذا السياق، يقول عارفون إن الرد السعودي على ما بدا وكأنه “رغبة شيعية” بعودة الحريري إلى موقعه السياسي، لم يحمل جديدًا في هذا المجال، بل جرى الاستماع إلى وجهة النظر هذه، التي كانت جزءًا من نقاشاتٍ أكبر، بكل رحابة صدر. لكن الرأي السعودي تمسّك بنواف سلام وحكومته، التي تقوم بعملٍ تؤيده السياسة العامة للمملكة تجاه لبنان والمنطقة، وأن الحديث عن شخصية سنية جديدة تملأ فراغًا مفترضًا ليس أوانه بعد. وهكذا، فُهم أن الباب لم يُفتح أمام عودة الحريري، لكنه لم يُوصَد بوجهه تمامًا، ليبقى الوضع على ما هو عليه، بانتظار تبلورٍ أكبر في المعطيات، قد تنتج عنه ظروفٌ أكثر ملاءمة لساكن “بيت الوسط”.
في القراءة السطحية لسياسات دونالد ترامب، تبدو تحرّكاته في نظر كثيرين متقلّبة أو اندفاعية. لكن هذا الانطباع يُخفي تصورًا أكثر ترابطًا، يقوم على التعامل مع الطاقة بوصفها أداة جيوسياسية، وعلى تحويل بؤر التوتر إلى أوراق ضغط في المواجهة مع الصين ما يُساء فهمه ليس فقط طبيعة التصعيد مع إيران، بل أيضًا كيفية إدراج ملفات بعيدة جغرافيًا، مثل فنزويلا، ضمن المعادلة نفسها. فهذه الملفات لا تتحرك، في هذا المنظور، كأزمات منفصلة، بل كعناصر متكاملة داخل استراتيجية واحدة، هدفها النهائي إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي عبر التأثير في شرايين الطاقة ومساراتها. رافعة النفوذ منذ البداية، تعامل ترامب مع ملف الطاقة باعتباره رافعة نفوذ عالمي، لا مجرد قطاع اقتصادي. وهذا ينسجم مع نزعة أميركية قديمة سعت إلى الحد من قدرة تحالفات المنتجين، وفي مقدمها OPEC+، على التأثير المنفرد في أسعار النفط العالمية. فاستقلال القرار النفطي للدول المنتجة، وتنسيقها فيما بينها، شكّلا تاريخيًا تحدّيًا لواشنطن، التي حاولت دائمًا كسر هذا الاحتكار أو على الأقل تحييده. من هنا، يمكن قراءة استراتيجية ترامب على أنها محاولة لإعادة توزيع أدوات التأثير في السوق، بحيث لا تبقى الأسعار رهينة تكتلات المنتجين وحدها، بل تصبح خاضعة لتوازنات أوسع تمتلك الولايات المتحدة قدرة أكبر على إدارتها أو التأثير فيها. في هذا السياق، يبرز مضيق هرمز بوصفه نقطة اختناق مركزية في النظام الطاقوي العالمي. فالمضيق ما يزال معبرًا حاسمًا للتجارة النفطية والغازية، وتذهب النسبة الأكبر من تدفقاته إلى الأسواق الآسيوية، فيما تُعدّ الصين، إلى جانب الهند واليابان وكوريا الجنوبية، من أبرز المتلقين لهذه الإمدادات. لذلك، فإن أي تهديد مستدام لحركة العبور فيه ينعكس مباشرة على الاقتصادات الآسيوية أكثر مما ينعكس على الولايات المتحدة نفسها. من مضيق هرمز إلى نفط فنزويلا، لم تكن أزمات ترامب متناثرة، بل أجزاءً من استراتيجية واحدة: نقل التحكم بشرايين الطاقة من المنتجين إلى واشنطن، ووضع الصين تحت ضغط سوقٍ لا تملك مفاتيحه الضغط الأقصى ضمن هذا الإطار، يصبح التصعيد مع إيران جزءًا من استراتيجية أوسع. فسياسة “الضغط الأقصى” لا تُفهم فقط باعتبارها محاولة لتعديل سلوك طهران، بل أيضًا كوسيلة لإبقاء سوق الطاقة في حالة توتر محسوب، بما يرفع الكلفة على الخصوم الكبار ويزيد هشاشة استقرارهم الاقتصادي. وتكتسب هذه المقاربة وزنًا إضافيًا حين تُقرَن بملفات أخرى، مثل فنزويلا، حيث سعت إدارة ترامب إلى توسيع نفوذها على مسارات بيع النفط وعائداته، في خطوة لها بُعدٌ طاقوي وجيوسياسي معًا. أما فنزويلا، فلا تظهر هنا كملف لاتيني معزول، بل كجزء من الخريطة نفسها. فالصين كانت المشتري الأكبر أو الأهم للنفط الفنزويلي، كما راكمت هناك انكشافًا ماليًا كبيرًا عبر القروض المرتبطة بالنفط. ولذلك، فإن أي انتقال في السيطرة على عائدات هذا القطاع، أو في وجهة صادراته، لا يطال كاراكاس وحدها، بل يطال أيضًا إحدى نقاط الارتكاز الصينية في نصف الكرة الغربي. غير أن هذه الاستراتيجية لا تقوم على التصعيد وحده. فوجهها الآخر هو القدرة على عقد تفاهمات تعيد ضبط التوتر عند الحاجة. وهنا تكمن ميزة الجمع بين الضغط والاحتواء: رفع منسوب التوتر عندما تقتضي المصلحة، وخفضه عندما يحين وقت جني المكاسب السياسية أو الاقتصادية. بهذا المعنى، لا تكون واشنطن معنية فقط بإشعال الأزمات، بل أيضًا بإدارة إيقاعها. من هرمز إلى كاراكاس.. كيف يوظّف ترامب النفط في تطويق الصين وفي هذا السياق، يكتسب البعد الرمزي أهمية خاصة. ففي 5 سبتمبر 2025، وقّع ترامب أمرًا تنفيذيًا أعاد فيه استخدام “Department of War” و“Secretary of War” كألقاب ثانوية بديلة داخل المراسلات والسياقات غير التشريعية، مع بقاء الاسم القانوني الرسمي “Department of Defense”. هذا لا يغيّر البنية القانونية للمؤسسة، لكنه يكشف تحوّلًا في الخطاب، من منطق الدفاع إلى منطق إبراز الجهوزية للمبادرة وفرض الإرادة. وهكذا، لا تبدو هذه السياسات متناقضة بقدر ما هي متعددة الأدوات ضمن هدف واحد. عبر إيران ومضيق هرمز، وعبر فنزويلا واحتياطياتها، وعبر السعي إلى تقليص قدرة تحالفات المنتجين على الإمساك بالسوق، تتشكّل مقاربة تحاول نقل مركز التأثير في سوق الطاقة من توازنات المنتجين وحدها إلى شبكة أوسع تتحرك فيها الولايات المتحدة من موقع القيادة والضغط. وفي عالم يتوقف فيه صعود القوى الكبرى على استقرار مواردها وممرّاتها، يصبح التحكم بهذا الاستقرار، أو القدرة على زعزعته عند الضرورة، أحد أبرز مفاتيح القوة في القرن الحادي والعشرين * الأمين العام ل"تيّار المستقبل"