عندما أُقفِلَت مهلةُ تسجيل اللبنانيّين غير المقيمين للاقتراع في انتخابات 2026 عند منتصف ليل 20 تشرين الثاني 2025، بدا الأمر، للوهلة الأولى، إجراءً إداريًّا روتينيًّا: منصّة، طلبات، تدقيق، ثم قوائم أوليّة. لكن الرقم النهائي، وهو 151,985 ناخبًا مسجَّلًا، حوَّل التسجيل نفسه إلى «بروفة سياسيّة» لما هو أكبر: معركة على طبيعة الصوت الاغترابي، ومن يحقّ له أن ينتخبه هذا الصوت. في قلب الاشتباك، سؤالٌ واحد يختصر كلّ شيء. هل يقترع المغتربون لانتخاب نوّاب لبنان كلّهم (128 نائبًا) في دوائر قيدهم، كما حصل في 2018 و2022؟ أم يُحصَر اقتراعهم بستّة مقاعد مخصّصة للانتشار (ما يُعرَف بـ«الدائرة 16»)؟ لماذا رقم 151 ألفًا مهمّ؟ لم يكتفِ البيان الرسمي المشترك لوزارتي الداخليّة والخارجيّة، بعد انتهاء المهلة، بإعلان الرقم، بل أشار أيضًا إلى أنّ الوزارة ستُصدِر القوائم الانتخابيّة الأوّليّة بعد التدقيق، لتعميمها عبر البعثات، كي يتأكّد المغتربون من صحّة قيودهم وبياناتهم.هذا المسار الإداريّ الطبيعي تحوّل سريعًا إلى مادّة سياسيّة. بعض القوى قرأ انخفاض التسجيل، مقارنةً بدورات سابقة، على أنّه «فتور»، فيما اعتبرته قوى أخرى دليلًا على أنّ أيّ تغيير في طريقة اقتراع المنتشرين سيترك أثرًا مباشرًا على النتائج. الأهمّ أنّ الدولة نفسها كانت قد حدّدت، وفقًا للمهل القانونيّة، تاريخ 2 تشرين الأوّل 2025 لبدء التسجيل، على أن تنتهي المهلة في 20 تشرين الثاني 2025، ما يعني أنّ كلّ النقاش السياسي كان يجري فوق «ساعة قانونيّة» تجعل أيّ تعديل في قواعد الاقتراع خارج هذه المهل بابًا مفتوحًا للطُّعون، وأيّ تباطؤ في الحسم ضغطًا لوجستيًّا على التحضير. إذا نُزِعَت اللغة القانونيّة، يبقى جوهر الصراع سياسيًّا بامتياز: من يملك «وزن الحسم»؟ التصويت للـ128 يجعل المغترب جزءًا من معركة الأحجام داخل الدوائر اللبنانيّة «الدائرة 16» وتفجّر الخلاف يتضمّن القانون النافذ موادّ تُفضي إلى تخصيص ستّة نوّاب للانتشار، موزَّعين على القارّات/الانتشار، وهي الفكرة التي تُختصَر بـ«الدائرة 16». أنصار هذا الخيار يقدّمونه كخطوة «تمثيليّة» تجعل للمغتربين نوّابًا «خاصّين بهم». لكنّ خصومه يرونه عكس ذلك تمامًا: عزلًا للصوت الاغترابي عن الدوائر الداخليّة، وتقليصًا لنفوذه من المشاركة في صناعة الأكثريّة النيابيّة إلى «ملحق» بستّة مقاعد. دخل الرئيس جوزيف عون على الخط من زاوية مزدوجة: تثبيت إجراء الانتخابات في موعدها، وتأكيد حقّ المنتشرين في المشاركة، لكنّه أقرّ بوجود معوّقات وصعوبات تقنيّة وتنفيذيّة مرتبطة تحديدًا بفكرة انتخاب ممثّلين عن القارّات الستّ، أي بالصيغة التي تقوم عليها «الدائرة 16».هذه الإشارة ليست تفصيلًا. فعندما يقول رأس الدولة إنّ «المسألة صعبة التنفيذ»، فهو عمليًّا يضع عبئًا إضافيًّا على البرلمان: إمّا تعديل يبسّط الاقتراع، وإمّا الإصرار على صيغة قد تُستَخدَم لاحقًا لتبرير التعثّر. جبهة «128 نائبًا» المعسكر الدافع باتّجاه السماح للمغتربين بالتصويت للـ128 نائبًا يقول ببساطة: المغترب مواطن كامل الحقوق، يدفع ثمن الانهيار كما يدفعه المقيم (عائلة، تحويلات، ملكيّات، ضرائب ورسوم)، ومن غير المنطقي أن يُطلَب منه تمويل وطنه ثم يُحاصَر سياسيًّا بستّة مقاعد.لهذا، تقدّم نوّاب باقتراح قانون «معجّل مكرّر» لتصحيح ما يعتبرونه خللًا، وحظي بتأييد 67 نائبًا، وفق ما ذُكِر، إلّا أنّه بقي خارج جدول أعمال الهيئة العامّة لفترة، ما جعل إدراجه بحدّ ذاته معركةً ثانية داخل المعركة. في الجهة المقابلة، تتمسّك قوى أساسيّة بتطبيق القانون كما هو، أو على الأقلّ تمنع «فتح الباب» أمام تعديل واسع قبل الاستحقاق. في هذا الإطار، يُذكَر أنّ رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي وحلفاءه يفضّلون إبقاء الأمور ضمن النصّ الحالي الذي يخصّص للمغتربين ستّة مقاعد فقط. ويُطرَح في خلفيّة هذا الموقف أكثر من عامل، من «توازنات» داخليّة، إلى هواجس تتعلّق ببيئة الاقتراع في الخارج، وصولًا إلى اعتبارات مرتبطة بإمكانات الحملات والتمويل والضغط السياسي في دول الانتشار. وهنا تظهر كلمة تتكرّر في الكواليس: «تكافؤ الفرص». ففي مادّة منشورة على موقع وزارة الإعلام اللبنانيّة، ورد أنّ مجلس الوزراء، حين أقرّ مشروع التعديل، استعرض «هواجس الثنائي» حول المساواة وتكافؤ الفرص في الخارج، وربط ذلك أيضًا بموضوع العقوبات، في إشارة إلى أنّ بعض القوى تعتبر أنّ بيئة الخارج ليست «ملعبًا متكافئًا» للجميع. جوهر المعركة إذا نُزِعَت اللغة القانونيّة، يبقى جوهر الصراع سياسيًّا بامتياز: من يملك «وزن الحسم»؟التصويت للـ128 يجعل المغترب جزءًا من معركة الأحجام داخل الدوائر اللبنانيّة، وقد يقلب نتائج في دوائر متقاربة. أمّا حصره بستّة نوّاب، فيُخفّف تأثيره على الأكثريّة الوطنيّة، ويحوّله إلى «كتلة رمزيّة» أو محدودة التأثير. من يحدّد جدول أعمال المجلس؟ حتّى الاقتراحات المعجّلة تحتاج إلى إدراج ومناقشة ونصاب. لذلك تتحوّل المعركة إلى معركة «إدارة وقت» داخل البرلمان: تأخير الإدراج قد يعني دفن التعديل عمليًّا، لأنّ المهل اللوجستيّة تضيق. سيناريوهات ما بعد «معركة النصّ» من الآن حتّى ربيع 2026، هناك ثلاث نهايات محتملة للملف، وكلّ واحدة تحمل أثمانها السياسيّة: السيناريو الأوّل: إقرار تعديل واضح يسمح باقتراع المغتربين للـ128. وهذا ينسجم مع مشروع الحكومة/الخارجيّة ومع مطلب الـ67 نائبًا، لكنّه يحتاج إلى قرار برلمانيّ سريع وحاسم. السيناريو الثاني: الإبقاء على القانون كما هو (6 مقاعد) وتنفيذ «الدائرة 16». وهنا سيعود سؤال «القدرة التنفيذيّة» بقوّة، كما سيعود سؤال الشرعيّة السياسيّة: هل يقبل جزء واسع من الرأي العام أن يُقصَّ دور الانتشار في لحظة يعتبر فيها كثيرون أنّ الاغتراب صار شريانًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا للبنان؟ السيناريو الثالث: تسوية «تعليق المواد» لدورة 2026 فقط، أي اعتماد التعليق الاستثنائي لمواد «الدائرة 16» كما ورد في مشروع مجلس الوزراء، مع وعد بإعادة درس قانون أشمل لاحقًا. هذا السيناريو قد يكون الأكثر واقعيّة، لأنّه يُخرِج الدولة من مأزق التنفيذ ويُبقي للمجلس هامش المناورة، لكنّه قد يفتح أيضًا باب اتّهامات «ترحيل الأزمة» من دورة إلى أخرى. في النهاية، معركة المغتربين ليست تقنيّة ولا «مادّة قانونيّة» فقط، بل اختبار لسؤال أكبر: هل تُعامِل الدولة اللبنانيّين في الخارج كمواطنين كاملين، أم كجالية يُستفاد منها اقتصاديًّا وتُحاصَر سياسيًّا؟ وبين 151 ألف مسجَّل هذا العام، ومسارات تعديل تتنازعها الحكومة والمجلس، يبقى الاحتمال الأخطر أن تتحوّل «الدائرة 16» إلى ذريعة إضافيّة للتعطيل، أو أن يتحوّل تعديلها إلى سلاح ضغط في بازار داخليّ طويل. وفي الحالتين، لن تكون خسارة الصوت الاغترابي وحده هي المشكلة، بل خسارة فكرة أنّ الانتخابات تُدار كاستحقاق دستوريّ، لا كموسم صراع على قواعد اللعبة.
يثير التباينُ الصارخ بين ما جرى في كراكاس وما عجزت عنه القوّةُ ذاتُها في غزّة سؤالًا مركزيًّا في فهم الحروب المعاصرة. كيف يمكن لقوّاتٍ نخبويةٍ أميركية أن تُنفّذ عمليّةً خاطفةً في قلب عاصمة دولةٍ ذات سيادة، وأن تعجز، في المقابل، عن تحقيق هدفٍ مشابه في مساحةٍ جغرافيّةٍ صغيرةٍ ومُحاصَرة، رغم مرور عامين على حربٍ مدمّرة لم تشهدها المنطقة من قبل؟ هذه المقارنة لا تنطلق من المفارقة الإعلاميّة، بل من جوهر التحليل العسكري. فالقوّة التي استطاعت اختراق مركز الحكم في كراكاس وتنفيذ عمليّة دقيقة خلال دقائق، اصطدمت في غزّة بواقعٍ مختلفٍ تمامًا، واقعٍ حوّل القطاع إلى لغزٍ عمليّاتي استعصى على أكثر وحدات النخبة تطوّرًا. الاستخبارات… الخيانة والصمت الكامل في فنزويلا، كان العاملُ الاستخباراتيّ حاسمًا. الأنظمة السياسيّة التقليديّة، ولا سيّما تلك الواقعة تحت ضغطٍ اقتصاديّ وعقوباتٍ خانقة، غالبًا ما تعاني من تآكل الولاءات داخل مؤسّساتها. هذا النوع من البيئات يسمح للاستخبارات الخارجيّة باختراق الدوائر الضيّقة، وتحويل الحراسة من خطّ دفاعٍ إلى نقطة ضعف. حين تتوافر معلومات دقيقة عن تحرّكات الرئيس، ومكان إقامته، وسلوكه اليومي، تصبح العمليّة مسألةً تقنيّةً بحتة، مهما بدا الموقع مُحصّنًا. في المقابل، تمثّل غزّة نموذجًا معاكسًا تمامًا. فالمقاومة هناك لا تعمل وفق هرمٍ قياديٍّ كلاسيكي، بل ضمن بنيةٍ لا مركزيّة، لا تعرف وحداتها بعضها بعضًا إلّا بالحدّ الأدنى الضروري. قنوات الاتصال لا تعتمد على الوسائل الرقميّة القابلة للاختراق، بل على شبكاتٍ بدائيّةٍ وسُعاةٍ بشريّين، ما يُحوّل القطاع إلى بيئةٍ «صمّاء» استخباراتيًّا، حيث لا مركزَ ثِقَلٍ واحد يمكن اختراقه أو تعطيله. من القصر الرئاسي إلى الأزقّة المغلقة العامل الجغرافي يُوسّع الفجوة بين التجربتين. فمهما بلغت تحصيناتُ القصور الرئاسيّة، تبقى منشآتٍ فوق الأرض، قابلةً للرصد الحراريّ، والتصوير الفضائيّ، والتحليل الزمنيّ. العمليّات في مثل هذه البيئات، حتّى وإن جرت في مدنٍ كبرى، تبقى محكومةً بقواعد الحرب الحضريّة التقليديّة، حيث يلعب التفوّق التكنولوجي الدور الحاسم. أمّا في غزّة، فالمعركة تجري في بُعدٍ ثالث، تحت سطح الأرض. شبكة الأنفاق الواسعة، المعروفة بـ«مترو غزّة»، لا تُحيّد التفوّق الجويّ فحسب، بل تقلب ميزان القوّة رأسًا على عقب. الدخول إلى هذا العالم السفليّ لا يخضع لمنطق الاشتباك المعروف، بل يضع القوّات المهاجِمة أمام مساحاتٍ مُغلَقة صُمّمت للاستنزاف والكمائن، حيث تتحوّل أفضليّة التدريب إلى عبء، والمناورة إلى مخاطرةٍ قاتلة. في هذا السياق، تفقد الطائراتُ المُسيَّرة والأقمارُ الصناعيّة قيمتَها العمليّاتيّة، وتصبح القوّةُ الناريّة عاجزةً عن إنتاج حسم. النفق الواحد قد يُلغي كتيبةً كاملة، لا بسبب السلاح، بل بسبب القواعد المختلفة التي تحكم القتال فيه. لذلك، تُدرِك قوّات النخبة أن الدخول العميق إلى هذه الشبكات ليس مغامرةً محسوبة، بل مقامرةً استراتيجيّة قد تنتهي بخسائر غير قابلة للتبرير سياسيًّا أو عسكريًّا. منطق الدولة ومنطق الفداء لكنّ الفارق لا يقتصر على التكنولوجيا والجغرافيا، بل يمتدّ إلى البنية النفسيّة والعقائديّة للمقاتلين. في الدول، حتّى أكثر الوحدات تدريبًا تبقى جزءًا من مؤسّسةٍ وظيفيّة، محكومةً بسلسلة أوامر وبحسابات النجاة والانضباط. في لحظات الحسم، يظلّ خيارُ الانسحاب أو الاستسلام واردًا. في غزّة، تُحيط بقادة المقاومة مجموعات ترى القتال خيارًا وجوديًّا، لا مهمّةً عسكريّة قابلةً للتفاوض. هذا الفارق يجعل سيناريو «الاختطاف والعودة الآمنة» شبهَ مستحيل، لأن الطرف المدافع لا يسعى إلى كسب الوقت أو تقليل الخسائر، بل إلى منع الهدف من المغادرة مهما كان الثمن. الفرق الأعمق يتجلّى في طبيعة الخصم نفسه. الولايات المتّحدة بارعة تاريخيًّا في استهداف الدول، لأن الدولة كيانٌ هرميّ: إذا سقط الرأس، اهتزّ الجسد بأكمله. أمّا في غزّة، فالخصم ليس دولةً بالمعنى التقليدي، بل حالةٌ نضاليّة لا مركزيّة. تغييبُ قائد، أو حتّى تصفيته، لا يؤدّي إلى نهاية الصراع، بل قد يُشعل مرحلةً جديدةً منه. هذا العجز البنيويّ عن تحديد «الهدف القاتل» هو ما حوّل غزّة إلى مساحة استنزافٍ مفتوحة، تُنفَق فيها مليارات الدولارات دون إنتاج صورة نصرٍ حاسمة قابلة للتسويق السياسي أو الإعلامي. نجاح وفشل نجحت واشنطن في كراكاس لأنها واجهت نظامًا يمكن تفكيكه من الأعلى، وفشلت في غزّة لأنها تواجه مجتمع مقاومةٍ متجذّرًا في الأرض والوعي معًا. ما بدا استعراضًا للقوّة في الحالة الأولى، تحوّل في الحالة الثانية إلى شهادةٍ على حدود تلك القوّة. غزّة لا تهزم الجيوش بالتقنيّة، بل بتجريدها من معناها. إنّها تذكيرٌ قاسٍ بأن التفوّق العسكري، مهما بلغ، يظلّ عاجزًا حين يواجه تنظيمًا لا مركزيًّا، وعقيدةً غير قابلة للكسر، وإنسانًا قرّر أن يجعل من الأرض نفسها سلاحًا.
في عالمٍ يلهثُ خلفَ الأرقام، مهووسٍ بالأداء ومؤشّراته القياسيّة التعجيزيّة والباعثة على الإحباط أحياناً، يعودُ البعضُ إلى الفلسفات القديمة لتصويب الحاضر ومنحه بعضَ المعنى. هكذا حضرت الـ«وابي-سابي» — وهي فلسفة يابانيّة قديمة لا طبقَ سوشي — لتتعاطف مع الهشاشة، وترى في الكسور حِكمةً وجمالاً قد يَخفيان على الكثيرين. وقد جسّد «الكينتسوجي» هذه الفلسفة خيرَ تجسيد. والكينتسوجي فنٌّ يابانيّ تقليديّ عريق يعود إلى القرن الخامس عشر. تقول الأسطورة إنّ أحد حكّام اليابان أرسل وعاءً مكسوراً إلى الصين لإصلاحه، لكنّ الوعاء عاد مشوّهاً، وقد شُدَّت أوصالُه بدبابيسَ معدنيّةٍ خشنة. لم يُرضِ هذا الشكلُ الحرفيّين اليابانيّين، فبحثوا عن طريقة ترميم تحفظ القطعة وتصون روحها، وتوصّلوا إلى حلٍّ عمليّ وفلسفيّ في آنٍ معاً: ترميمٌ يعترف بالكسر ويمنحه قيمةً جماليّة. جمال الترميم قام الحرفيّون اليابانيّون بترميم الأواني الفخّاريّة المكسورة باستخدام طلاءٍ ممزوجٍ بمسحوق الذهب أو الفضّة أو البلاتين. وبدلاً من إخفاء الشقوق أو الكسور ومحاولة طمسها، أبرزوا جمالها وحوّلوها إلى خطوطٍ متلألئةٍ متفرّعةٍ ومتشابكة، أشبهَ بأوردةٍ حيّة، أو خريطةٍ تتتبّع تاريخ تلك الأشياء.بهذه الطريقة، لم تكتسب تلك القطعة حياةً جديدة فحسب، بل تحوّلت إلى تحفةٍ فنيّةٍ فريدةٍ وثمينة. هنا، لا توجد قطعتان متطابقتان، لأنّ كلَّ قطعةٍ مُرمَّمة تحمل بصمة الحياة التي عاشتها، والأيدي التي اعتنت بها أو قست عليها. هكذا تقاطع فنّ الكينتسوجي مع فلسفة الوابي-سابي، التي تحتفي بالأشياء وكسورها. وعلى عكس طرائق فنيّةٍ تمجّد الكمال وتستنسخ الأشياء وتكرّرها، يرى الكينتسوجي أنّ الأصالة تنبع من الاعتراف بالزمن ومآلاته وجروحه، بحيث لا يعود الكسرُ عاراً أو شائبةً نُحارُ كيف نُخفيها، بل قصّةً نرويها ونتعلّم منها.تحوّل هذا الفنّ، مع الوقت، إلى استعارةٍ للتجربة الإنسانيّة نفسها. فالإنسان، شأنه شأن الآنيّة، يتعرّض للكسر. وفي حين ينتظر العالم منه أن يُعالج جراحه ويتعافى بسرعة، أو يتظاهرَ بذلك، وأن يبدو «سليماً» مهما كان الثمن، يأتي الكينتسوجي ليقدّم رؤيةً مغايرة تؤكّد أنّ الندوب جزءٌ أصيلٌ في تكويننا، وتستحضر مقولة إرنست همنغواي في روايته الشهيرة «وداعاً للسلاح»: «ليس هناك من لا تكسره الدنيا، لكنّ كثيرين يصبحون أقوياء في مواضع الكسر ذاتها»، وهي مقولة تُسلّم بهشاشة الإنسان وتُبشّر بالقوّة التي تولد من رحم المعاناة. تناقض مع ثقافة الاستهلاك يتناقض هذا المنظور تناقضاً واضحاً مع ثقافة الاستهلاك السائدة، التي تحتفي بالصورة المُفلترة من كلّ الشوائب، حيث تُصمَّم الأشياء لتُرمى وتُستبدَل بسرعة، وتُقاس القيمة بالجِدّة والحداثة لا بالمعنى. يقاوم الكينتسوجي هذا المنطق، مؤكّداً في الوقت نفسه أهميّة التعافي المتأنّي والمتريّث، وعلى الاحترام والصبر اللذين يستحقّهما الشيءُ الذي انكسر. فترميم أيّ قطعةٍ يتطلّب عنايةً ومهارةً وبالاً طويلاً، في عمليّةٍ دقيقةٍ تُقرّ بالهشاشة وتتصالح معها. وإذا ما أسقطنا هذا المفهوم على عالمٍ مطحونٍ بالأزمات، ننكسر فيه كلَّ يوم، سواء بفعل الإرهاق العاطفي، أو الإخفاقات وخيبات الأمل الشخصيّة أو المهنيّة، أو الحيرة، أو الشعور بعدم الكفاية، أو كلّها معاً، يصبح الكينتسوجي دعوةً إلى تعاملٍ أكثر رفقاً مع الذات ومع الآخرين، وإلى النظر إلى الضعف لا بوصفه عيباً، بل حقيقةً أصيلة جُبلت عليها النفس البشريّة، التي منحها الله أيضاً القدرة على المقاومة، والقيام بعد التعثّر والزلل، والتعلّم من التجارب. يحضر فنّ الكينتسوجي في مجالات علم النفس والقيادة والفن. يستخدمه المعالجون النفسيّون كتعبيرٍ بصريّ عن التشافي، ويستلهمه الفنّانون لاستكشاف الذاكرة والهوية، ويستحضره المفكّرون والقادة كنموذجٍ بديلٍ لبناء القوّة والمرونة والقدرة على الصمود، والاعتراف بالأخطاء واستخلاص الدروس منها.وعلى الرغم من خطر الوقوع في فخّ التبسيط والتسطيح، الذي بات اليوم يهدّد أيّ مفهوم ويحوّله إلى «تريند» وموجةٍ يركبها البعض بحثاً عن الظهور والانتشار السهل، فيفضحون أسرارهم على الملأ بحجّة التصالح مع الماضي وجروحه، إلّا أنّ الكينتسوجي والوابي-سابي يستحقّان منّا التأمّل الواعي والهادئ، فلربّما استطاع البشر من خلالهما رؤية الجمال الكامن في الكسور، وفي الطريقة التي نختار أن نُرمّمها بها. هل يمكن مقاربة العلاقات الإنسانيّة بهذه الطريقة؟ ليس دائماً. فأحياناً يكون الإصلاح أو الترميم مستحيلاً، من وجهة نظر فاتن حمامة، وهي تقول بمرارةٍ لزوجها السابق الذي أتى إليها مبرّراً خيانته، وطالباً منها أن تسامحه — يؤدّي دوره أحمد رمزي في إحدى قصص «حكاية وراء كلّ باب» الجميلة —: «اللّي اتكسَر عمره ما حيتصلّح».