في مشهد يختصر قسوة الحرب وفوضى إدارتها، تكشّفت فصول مأساوية جديدة في منطقة “مشاريع الهبة” في مدينة صيدا، بعد مرور 3 أيام على القصف الذي طال الحي السكني. فبينما اعتقد كثيرون أن عمليات الإنقاذ قد انتهت، كانت رائحة كريهة تتسلل إلى الأزقة الضيقة لتكشف حقيقة أشد إيلامًا: جثث لا تزال تحت الأنقاض، ولم تصل إليها فرق الإنقاذ. أهالي الحي الذين عادوا لتفقّد منازلهم المدمرة لاحظوا انتشار رائحة نفاذة في المكان، ما دفعهم إلى الاعتقاد بوجود ضحايا ما زالوا تحت الركام. ومع تصاعد الشكوك، بدأ السكان البحث بأنفسهم بين الأنقاض، في ظل غياب واضح للفرق المختصة التي يُفترض أن تستكمل عمليات المسح والإنقاذ بعد أي قصف. وبحسب روايات سكان المنطقة، فإن الغارة كانت عنيفة واستهدفت مبنى سكنيًا مأهولًا، ما أدى إلى انهيارات جزئية في الأبنية المحيطة. لكن بعد مرور الأيام الأولى، توقفت عمليات البحث تقريبًا، تاركة خلفها احتمالًا مرعبًا بوجود ضحايا لم يتم انتشالهم. من المقصّر؟ تطرح هذه الحادثة سؤالًا أساسيًا، من يتحمل مسؤولية ترك الجثث تحت الأنقاض؟ في مثل هذه الكوارث، تتوزع المسؤولية عادة بين أكثر من جهة، وفي مقدمتها الجهات المحلية المعنية بالطوارئ. فالبلديات، والسلطات المحلية، وأجهزة الدفاع المدني، تتحمل مسؤولية أساسية في استكمال عمليات البحث والإنقاذ، وعدم وقفها قبل التأكد الكامل من عدم وجود ضحايا تحت الركام. https://al-post.com/wp-content/uploads/2026/03/جثث-تحت-الركام-في-مشاريع-الهبة.mp4 نقص الإمكانات أم خلل في التنسيق؟ في كثير من الحالات، لا يكون التقصير متعمدًا، بل ناتجًا من نقص المعدات الثقيلة، وأجهزة الكشف، أو من غياب التنسيق بين الفرق المختصة، ما يؤدي إلى توقف عمليات الإنقاذ قبل الأوان. لكن مهما تكن الأسباب، فإن النتيجة واحدة: ضحايا يُتركون تحت الأنقاض، وعائلات تبقى معلقة بين الشك والصدمة والعجز. لا يمثل ترك الجثث تحت الأنقاض مأساة إنسانية لعائلات الضحايا فحسب، بل قد يتحول أيضًا إلى خطر صحي وبيئي، خصوصًا في المناطق السكنية الضيقة. فمع مرور الوقت، تنتشر الروائح وتزداد احتمالات التلوث، ما يضاعف من معاناة السكان الذين عادوا إلى بيوتهم المدمرة أو ما تبقى منها. كما أن لهذا المشهد بعدًا إنسانيًا عميقًا، إذ إن دفن الموتى بكرامة حق أساسي لا ينبغي أن يُحرم منه أي إنسان، حتى في أشد الظروف قسوة ووحشية. ليست حادثة “مشاريع الهبة” في صيدا مجرد خبر عابر، بل تذكير قاسٍ بمدى هشاشة المدنيين في زمن الحرب، وبحجم الفوضى التي قد ترافق إدارة الكوارث بعد القصف. فحين تتحول الرائحة إلى وسيلة لاكتشاف الضحايا، فهذا يعني أن المأساة لم تنتهِ بعد، وأن ما تحت الركام لا يزال يصرخ بصمت.
مع انبلاج فجر هذا اليوم، ومن قلب المدينة التي تحتضن الجميع بصمتٍ وقبول، أعلنت منطقة عائشة بكّار أنها تدفع، كما كلّ لبنان، ثمن الحرب الإسرائيلية المدمّرة على كامل مساحة الوطن. ففي الساعات الأولى من الصباح، دوّى انفجار عنيف في قلب العاصمة بيروت بعدما استهدفت غارة إسرائيلية منطقة عائشة بكّار، إحدى أكثر المناطق حيويةً وكثافةً سكنية في المدينة. لحظات قليلة كانت كفيلة بتحويل سكون الفجر إلى مشهد من الفوضى والهلع، حيث استيقظ السكان على صوت الانفجار الذي هزّ الأبنية وأوقع أضرارًا مادية كبيرة في الشقق والمحال والسيارات في محيط المكان المستهدف. غير أن ما حدث في عائشة بكّار لا يمكن قراءته كحادث عسكري معزول. فاختيار منطقة سكنية في قلب بيروت، بعيدة عن خطوط المواجهة التقليدية، يعكس اتساع رقعة الاستهداف الإسرائيلي وتصاعد منسوب المخاطر التي باتت تهدد المدن اللبنانية الكبرى وسكانها المدنيين. فليس في حسابات آلة الحرب الإسرائيلية خطوط حمراء أو محظورات. المدن والأحياء السكنية تتحول في لحظة إلى أهداف محتملة، والسكان المدنيون يجدون أنفسهم مرة جديدة في قلب المعادلة القاسية لحرب لا ترحم. هكذا، تنضم عائشة بكّار هذا الصباح إلى لائحة طويلة من المناطق اللبنانية التي دفعت ثمن هذه الحرب كرمى لحسابات عقائدية ومذهبية، ولتثبت مرة أخرى أن نارها لم تعد تقف عند حدود الجبهات، بل باتت تمتد إلى قلب المدن، حيث يعيش الناس حياتهم اليومية على وقع الخوف والترقب.