يقبع لبنان في مراتب مخزية عالميًّا في مجال الرفق بالحيوان، حيث يحتل المرتبة 79 عالميًّا، وفقًا لتقرير حقوق الحيوان الصادر عن مؤسسة World Population Review، متذيّلًا القوائم الدولية، ومتقدّمًا بضع درجات ضئيلة فقط عن دول الإبادة البيئية التامة. هذا التصنيف المتدني للغاية لا يعكس مجرد غياب للثقافة البيئية، بل يعرّي البنية الأمنية والسياسية للطبقة الحاكمة في لبنان وأجهزتها، التي تبدي عداءً صريحًا وتواطؤًا ممنهجًا ضد الكائنات الضعيفة والناشطين على حدّ سواء. ليس هذا التصنيف المخزي مجرد رقم، بل هو انعكاس دقيق لمنظومة حكم ومجتمع معنَّف يتغذيان على سحق الآخر، ويجدان في تعذيب الحيوانات متنفسًا لسادية متجذّرة، تحت حماية السلاح والفساد المحصَّنين بالقانون والأمر الواقع. معركة نحفاوي تتجلّى خطوط المواجهة في هذا الملف الشائك عبر المعركة الشرسة التي تخوضها الناشطة البيئية غنى نحفاوي، التي أصبحت، بعنادها وصلابتها، نموذجًا صارخًا لكيفية تعامل الأجهزة الأمنية والمنظومة الحاكمة مع ملفات الرفق بالحيوان في لبنان. تقوم نحفاوي بمهمة شاقة تتلخّص في توثيق وبثّ عمليات تعذيب وحشية تتعرّض لها شتى أنواع الحيوانات على الأراضي اللبنانية، من تسميم جماعي للكلاب الشاردة، وضرب مبرح للقطط، وعرض كائنات برية مهددة بالانقراض في أقفاص بائسة. وبدلًا من أن تتحرك السلطة القضائية أو الأجهزة الأمنية لإلقاء القبض على المجرمين والساديين الذين يتباهون بجرائمهم على منصات التواصل الاجتماعي، تحرّكت آلة الترهيب الرسمية بكل ثقلها ضد الناشطة نفسها: استدعاءات متتالية من قِبل مكاتب مكافحة جرائم المعلوماتية، وتحقيقات أمنية تهدف إلى الضغط النفسي والمعنوي عليها لإسكاتها، وكأن توثيق الجريمة وصوت الحيوان المذبوح يمثلان تهديدًا أمنيًّا للنظام العام. يثبت هذا التواطؤ الأمني أن السلطة ترى في الدفاع عن الضعفاء فعلًا تخريبيًّا يهزّ هيبة «الزعران» والمحميّين من أتباع النافذين والأحزاب الطائفية. skip render: ucaddon_material_block_quote فوقية وهمية يُظهر التحليل النفسي لهذا العنف الممارَس ضد الحيوان في لبنان ارتباطًا عضويًّا بالشخصية اللبنانية الجاهلة القادرة على إلغاء الآخر، وهي تركيبة نفسية مشوّهة وُلدت من رحم الفساد والسرقة والعشوائية التي تُدار بها البلاد. يعاني الفرد المعنَّف في هذه البيئة من عقدة نقص وفوقية وهمية؛ فهو مسحوق سياسيًّا واقتصاديًّا أمام الزعيم الإقطاعي أو الحزبي الذي يسرق ودائعه ومستقبله، وبسبب عجزه التام عن مواجهة جلاده البشري، يبحث غريزيًّا عن كائن أضعف يمارس عليه سطوته الكاملة، لإعادة التوازن إلى نفسيته المهزومة. الحيوان هنا هو الضحية المثالية: كائن بلا صوت، وبلا فصيل طائفي يحميه، وبلا محامٍ يدافع عنه. إن ثقافة الإلغاء الشاملة، التي تبيح سحق الجار والمواطن المختلف طائفيًّا أو سياسيًّا، تصبح أكثر فجاجة وسادية عندما تسقط على الحيوان، حيث تتحول عملية الإعدام أو التعذيب إلى أداة للتسلية واستعراض القوة. الفساد البنيوي في الدولة نزع القيمة الأخلاقية والإنسانية عن المجتمع، وحوّل العلاقات إلى ممارسات نفعية استهلاكية. فإذا غابت المنفعة المادية من الكائن، يصبح قتله والتخلص منه بالرصاص أو السم تصرّفًا عشوائيًّا عاديًّا لا يستدعي أي شعور بالذنب أو الخجل الاجتماعي. مسلخ الطيور المفتوح هذه النزعة العدمية في التعامل مع الحياة لم ترحم حتى السماء، إذ تحوّلت الأجواء اللبنانية إلى مسلخ مفتوح للطيور المهاجرة التي تعبر البلاد سنويًّا، كون لبنان يقع على أحد أهم مسارات الهجرة العالمية. تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن منظمات دولية مهتمة بحماية الطيور إلى أن سماء لبنان تشهد مجازر يُقتل فيها أكثر من 2.6 مليون طائر مهاجر خارج إطار أي قانون أو تنظيم للصيد. طيور اللقالق والنسور والصقور والبجع، التي تقطع آلاف الكيلومترات، تُباد في لبنان برصاص البنادق الأوتوماتيكية والرشاشات الحربية، بدافع «التسلية» المحضة واستعراض الذكورة الزائفة. لا يمارس هؤلاء القتلة الصيد لتأمين القوت، بل يملأون حاويات النفايات بجثث الطيور النادرة بعد التقاط صور متباهية ونشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل غياب تام للقوى الأمنية وشرطة البيئة التي من المفترض أن تطبّق قانون الصيد البري، مما كرّس الانطباع الدولي بأن لبنان هو «الثقب الأسود» لرحلات الهجرة البيئية العالمية. رواية الفقمة الحزينة تكتمل مأساة الاستهتار بالحياة البرية في قصة «فقمة عمشيت» الشهيرة، وهي فقمة الراهب المتوسطية النادرة والمهددة بالانقراض عالميًّا، والتي قادتها الأقدار إلى اللجوء إلى الشاطئ اللبناني للاستراحة والتكاثر. وبدلًا من أن تتعامل السلطات المحلية ووزارة البيئة والأجهزة الأمنية مع هذا الحدث كإنجاز بيئي عالمي يفرض تطويق الشاطئ وحمايته، تُرك الكائن النادر لجهل الشارع ووحشيته. تعرّضت الفقمة للرشق الكثيف بالحجارة والعصي من قِبل حشود من المارة والفضوليين، بدافع الفكاهة ودفعها إلى التحرك لالتقاط مقاطع الفيديو. وطاردتها الزوارق البحرية، وأُطلقت المفرقعات النارية بجانبها لإخافتها، وسط تأخّر استمر لأيام من قِبل الأجهزة الأمنية في فرض أي طوق أمني حقيقي لحمايتها، مما أدى في النهاية إلى إصابة الفقمة بجروح بليغة ونفوقها، في طعنة نجلاء وُجّهت إلى التنوع البيولوجي وصورة لبنان أمام المجتمع الدولي. تعذيب الحيوان ليس تفصيلًا هامشيًا؛ إنه مرآة لمجتمع فقد حساسيته تجاه الألم التدمير هو الأصل إن هذا العداء الشامل للحيوانات مترسّخ في علاقة عدمية وتدميرية أسست لها الطبقة الحاكمة مع الطبيعة ككل، من خلال نهب ثروات الجبال والبحر عبر الكسارات والمقالع غير الشرعية، ومشاريع السدود الفاشلة، وتلويث الشواطئ بالصرف الصحي والنفايات السامة لجني الأرباح السريعة. عندما يرى المواطن اللبناني أن القانون يحمي أصحاب الكسارات النافذين الذين يجرفون جبالًا بأكملها، ويقضون على حياتها البرية، ويشوّهون جغرافيا الوطن دون حسيب أو رقيب، يترسّخ في وعيه الجماعي أن التدمير والقتل هما الأصل، وأن الحفاظ على البيئة والكائنات الحية هو الاستثناء الساذج. لقد نجحت المنظومة في تشريع الشذوذ الأخلاقي والبيئي وجعله أمرًا واقعًا محميًّا بسلطة السلاح والمال، فاختفى الخجل الاجتماعي المكتسب من ممارسة العنف، وأصبح تسميم الكلاب الأليفة في الشوارع أو إطلاق النار على الحيوانات الشاردة سلوكًا طبيعيًّا يُنظر إليه كإجراء تنظيمي أهلي، بدلًا من كونه جريمة يعاقب عليها القانون. مظلومية الاستباحة تتغذّى منظومة العنف هذه في لبنان على روافد الحروب والميليشيات والضغط الاقتصادي المنهار، والحيوان هو من يقبع دائمًا في أسفل هذه السلسلة ليدفع الثمن الأكبر نيابةً عن الجميع. لقد أورثت عقود الحروب الأهلية والنزاعات المستمرة تبلّدًا مرعبًا في المشاعر تجاه الدم والموت والدمار، وغذّت الأحزاب السياسية والطائفية ثقافة السلاح المتفلّت وفلسفة «البقاء للأقوى»، حيث تُعتبر مفاهيم مثل الرفق بالحيوان وحقوق الكائنات الحية نوعًا من «الترف الفكري البورجوازي» أو الأفكار الغربية المستوردة التي لا مكان لها في مجتمع السلاح والحروب والكانتونات المغلقة. skip render: ucaddon_box_testimonial
في عام 2002، أحيت الفنانة فيروز حفلًا غنائيًّا عظيمًا على مسرح الجامعة الأميركية في دبي. في ذلك الوقت، كان إلياس أبو صعب يشغل منصب نائب رئيس الجامعة للشؤون الإدارية والأكاديمية. لم يفهم الكثيرون ممن حضروا الحفل في تلك الليلة سبب انزعاج زياد الرحباني، الذي كان واضحًا للجميع على المسرح. استياءٌ وصل حدَّ تركه العزف على البيانو ومغادرة الحفل لفترة، قبل أن يعود إليه. ظنَّ الكثيرون أنها إحدى سمات زياد المزاجية. ما لم يعرفه إلا القلة القليلة أن زياد كان مستاءً من أمر عرفه في اللحظات الأخيرة قبل افتتاح العرض. لقد قام أبو صعب، الذي كان “العرّاب” الأول لتنظيم حفل فيروز حينها، بطباعة بعض أسماء الماركات والشركات على بطاقة دخول الحفل، أمر لم تكن “سفيرتنا إلى النجوم” على علم مسبق به، وهي قطعًا لم تكن لتقبل به. فلمواضيع الدعاية والإعلان حساسية مفرطة عند فيروز وولدها. لكنه، أبو صعب، نجح في “خمّ” الأسطورة وتقريشها دراهم معدودات، وباعها في سوق دبي حتى من دون أن تعلم، ونجح لاحقا في التملص من الموضوع. شخص باع فيروز برمزيتها، ماذا تظنه سيفعل بأحمد الأسير؟ عاش الأمير الروماني فلاد تيبيش المخوزق، المعروف بدراكولا، ردحًا طويلًا من الزمن في كنف الدولة العثمانية. تربّى في ربوعها، وأكل من موائدها، وشرب من مياهها، وغرف من علومها، وعايش الأمراء والسلاطين في قصورهم وتفاصيل حياتهم. ظلَّ لسنين يحمل حقدًا دفينًا في داخله على كل ما هو إسلامي ومسلم. يُظهر أمورًا ويُضمر نقيضها، حتى حانت له الفرصة ليثخن في جسد الأمة الإسلامية حروبًا ودمارًا وقتلًا ودماءً ووحشيةً، وصلت حدَّ وصفه بالأمير المخوزق، الذي يتلذذ بدق الأوتاد العملاقة في أجساد أعدائه، حتى ولو كانوا أطفالًا. بعد أن عمل لسنوات في مطاعم ماكدونالدز في بريطانيا لتكملة تحصيله العلمي، عاد أبو صعب إلى الخليج ليتدرج في سلّم الوظائف، حتى نجح في اقتناص منصب مرموق في الجامعة الأميركية في دبي، سمح له بالتقرب من الطغمة الحاكمة والاستفادة ماديًّا ومعنويًّا من سنوات ازدهار الإمارة. عاش أبو صعب تمامًا كما فلاد دراكولا، يمقت ما تراه عيناه من بذخ القصور وحكايات الشيوخ والأمراء وأثرياء الخليج. لم يتقبل الولد الذي تربّى في كنف عائلة متواضعة ذات ميول قومية سورية فكرة هضم المحيط الذي أُجبر مُرغمًا، لمصالح دنيوية، على العيش فيه والتعايش معه. ما إن سنحت له الفرصة في السياسة، كما في عالم المال والأعمال، حتى تموضع في الكنف “العوني”، مطلقًا لبواطنه العنان بعد طول كبت، منتقمًا من كل ما يمثله الإسلام في السياسة والدين والمجتمع، محكومًا بفكرة تحالف الأقليات في وجه مارد لا يجب أن يستيقظ يوماً. يستاء كثير من السُّنة في لبنان اليوم من تصرفات أبو صعب. لا يجدون، في كثير من الأحيان، تبريرًا لما يقوم به، لا سيما حين يتعلق الأمر بالتنكيل بموضوع قانون العفو العام، ومنع إطلاق سراح الشيخ أحمد الأسير على وجه الخصوص. لا يفهمون لِمَ يقوم الرجل بذلك. الإجابة بسيطة. يدرك أبو صعب أن الثلاثة آلاف صوت التي حاز عليها من جمهورية “ضهور الشوير” لا تؤهله لنيل منصب، ولو ضئيل، في الخارطة السياسية اللبنانية في قادم الأيام، خصوصًا بعدما انكشف أمره أمام جبران باسيل وفكَّ ارتباطه المصلحي مع “الجو” العوني. ولأن أبواب بعبدا موصدة في وجهه بسبب العداء المتأصل مع مستشار القصر جان عزيز، لم يعد هناك سوى وضع كل البيضات في سلة نبيه بري، باعتباره النموذج الذي يفضله أبو مصطفى نائبًا له. ولأن موضوع الجيش له حساسيته في البيئة المسيحية على وجه التحديد، كان لا بدَّ من اعتلاء هذا السلم، علَّه يؤمّن له بعضًا من أصوات مبعثرة في المتن قبيل انتخابات مرتقبة، وهو الذي ينحدر من فكر يعتبر المؤسسة العسكرية أقل شأنًا من عَظَمة “الهلال الخصيب”، وأن أحد أفرادها قتل متفاخرا رئيس وزراء لبنان في يوم من الأيام، غير معترف بنظام أو دولة أو مؤسسات أو جيش. لذا يحاول اليوم بيع الشيخ أحمد الأسير في بيروت كما باع فيروز في دبي. ما لم يفهمه أبو صعب، الذي تزيّن صورةٌ للرئيس الأميركي بيل كلينتون (مغتصب مونيكا لوينسكي) مكتبه في دبي، أن حساباته “الدقيقة”، مهما حاول التذاكي في تقريشها، ستفضي إلى المآل نفسه الذي آلت إليه حسابات دراكولا… على الخازوق. فمن عادى لي وليًّا… آذنته بالحرب. كلمات لن يفهمها حكماً، لكنه سيعيشها قريبًا… مهما طال ليل السنة السجنية وتعديلاتها.
في التاريخ الإنساني قاعدة تكاد لا تتغيّر: كلما ارتفع صوتٌ يدعو إلى الإصلاح، تحرّكت في مواجهته منظومةُ المصالح التي ترى في التغيير تهديدًا مباشرًا لنفوذها. لا يبدأ الصراع عادةً بمناقشة الفكرة، بل بمحاولة إسقاط حاملها. فالعاجز عن هدم الحُجّة يلجأ إلى هدم صاحب الحُجّة، وهذه ليست ظاهرةً معاصرة، بل سُنّة اجتماعية عرضها القرآن الكريم بوضوح في قصة نبي الله نوح عليه السلام في سورة المؤمنون، حيث تتكرر الأساليب نفسها بأسماء مختلفة وأدوات أكثر حداثة. وإذا كان التاريخ الإسلامي والعربي الحديث قد عرف شخصيات أثارت جدلًا واسعًا، فإن تجربة الشيخ أحمد الأسير الحسيني، سواء اتفق معه المرء أو اختلف، تمثل نموذجًا لكيفية انتقال المواجهة من مناقشة الخطاب إلى استهداف الشخص، وتحويله إلى عنوان لصراع سياسي وإعلامي وأمني تجاوز، في كثير من مراحله، حدود النقاش الفكري. الأسلوب الأول الذي يرسمه القرآن هو استنقاص ما ليس بنقص. قال تعالى: «مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ»، وكأن كون الإنسان بشرًا يُسقط رسالته. إنها محاولة لتقليل قيمة صاحب الدعوة عبر التركيز على صفات لا علاقة لها بصحة ما يقول. واليوم تتكرر الصورة بأشكال مختلفة؛ فهذا صغير السن، وذاك ليس من النخبة، وآخر لا ينتمي إلى المؤسسة الدينية التقليدية، ورابع لا يحظى باعتراف السلطة. وكأن الحق يحتاج إلى بطاقة اعتماد من أصحاب النفوذ حتى يصبح حقًّا. وفي الحالة اللبنانية، لم يكن الشيخ أحمد الأسير يُناقَش، في كثير من الأحيان، من زاوية أفكاره ومواقفه، بل من خلال صور نمطية سعت إلى نزع الشرعية عنه قبل الدخول في مضمون خطابه، ليصبح السؤال: «من هو؟» بدلًا من «ماذا يقول؟». أما الأسلوب الثاني فهو الطعن في النوايا. فالقرآن ينقل عن قوم نوح قولهم: «يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ»، أي إن الدافع ليس الإصلاح، بل حب الزعامة والسيطرة. وهذه واحدة من أكثر وسائل التشويه انتشارًا في عالم السياسة والإعلام. فكل من يرفع صوته ضد الفساد أو الظلم يُتَّهم بأنه يبحث عن الشهرة أو المال أو النفوذ أو تنفيذ أجندات خفية، من دون تقديم دليل واحد على تلك الادعاءات. وهنا تتحول النيات إلى ساحة معركة بديلة عن الحقائق، لأن النوايا لا يمكن إثباتها أو نفيها، فتُستخدم سلاحًا دائمًا لإسكات الخصوم. الأسلوب الثالث هو اشتراط ما ليس بشرط. فقد قالوا: «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً»، وكأن صدق الرسالة مرهون بمن يحملها، لا بمضمونها. واليوم يتكرر المشهد بصورة أخرى؛ فلا يُقبل الرأي إلا إذا صدر عن مؤسسة معينة، أو شخصية معروفة، أو جهة سياسية نافذة، أو إذا وافقت عليه جماعة بعينها. أما إذا خرج من خارج المنظومة، فيُرفض مهما حمل من أدلة وبراهين. skip render: ucaddon_material_block_quote فالحق لا يصبح حقًّا لأن الأكثرية قالته، ولا يبطل لأن صاحبه فرد أو أقلية. ولو كان معيار الحقيقة هو العدد أو السلطة، لما بقي في التاريخ مصلح واحد. وعندما تفشل تلك الوسائل، يأتي الافتراء والتوصيفات الجاهزة، وهو الأسلوب الرابع. قالوا عن نوح: «إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ»، أي مجنون. وفي عصرنا لا تُستخدم الكلمة ذاتها، لكنها تُستبدل بمصطلحات سياسية وإعلامية جاهزة: متطرف، شعبوي، مؤدلج، رجعي، عميل، إرهابي، أو خارج عن الإجماع. وهذه الأوصاف غالبًا لا تكون مدعومة بحوار علمي أو نقاش موضوعي، بل تؤدي وظيفة واحدة: إقناع الجمهور بأن الشخص لا يستحق حتى الاستماع إليه. إن إطلاق التوصيفات لا يُغني عن تقديم الأدلة، لكنه يبقى أداة فعالة في صناعة الرأي العام عندما تتحول وسائل الإعلام إلى منصات تعبئة، لا منصات نقاش. ويبقى الأسلوب الخامس، وهو الأخطر: إشاعة الشك وانتظار الزلة. قالوا: «فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ»، أي انتظروا سقوطه. وهي سياسة لا تزال حاضرة بقوة؛ يُقال للناس: انتظروا، ستنكشف حقيقته، الأيام ستثبت ما نقول، خلفه جهات خفية، تمويل مشبوه، مشروع غامض… من دون وثيقة أو برهان. ويصبح المطلوب من الجمهور أن يعيش على الشك، لا على الحقائق. وإذا وقع المصلح في خطأ بشري، وهو أمر لا يسلم منه أحد، يُقدَّم ذلك الخطأ بوصفه دليلًا على أن كل ما قاله باطل، وكأن العصمة شرط لكل من يدعو إلى الإصلاح. الفرق كبير بين نقد الفكرة واغتيال الشخصية، وبين محاكمة الوقائع ومحاكمة الصور المصنوعة ليست هذه القراءة دعوة إلى تقديس الأشخاص، ولا إلى إعفاء أي شخصية عامة من النقد أو المساءلة، فالاختلاف مع الشيخ أحمد الأسير أو مع غيره حق مشروع، بل ضرورة في الحياة العامة. لكن الفرق كبير بين نقد الفكرة واغتيال الشخصية، وبين المحاكمة القائمة على الوقائع والمحاكمة التي تُبنى على حملات التشويه وصناعة الصور الذهنية. لقد علّمنا القرآن أن هذه الأساليب ليست جديدة، بل صاحبت جميع الأنبياء والمصلحين عبر التاريخ. تتغير الأسماء، وتتبدل الوسائل، لكن المنهج يبقى واحدًا: إذا عجزت عن هدم الفكرة، فحاول إسقاط صاحبها. ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه على كل مجتمع يريد أن يكون حرًّا: هل نحاكم الرجال بما يقولون ويفعلون وفق الأدلة والوقائع، أم نكتفي بما تصنعه الحملات الإعلامية والانطباعات المسبقة؟ skip render: ucaddon_box_testimonial