لم يبدأ حسام عرب بثروة عائلية ضخمة، ولا بإمبراطورية تجارية جاهزة تنتظر من يديرها. فلسطيني نشأ في السعودية، درس الهندسة، دخل عالم الاستثمار، ثم خاض تجربة مختلفة حين أسس عام 2011، مع شريكه، «نمشي» من مكتب صغير، قبل أن تتحول الشركة خلال سنوات إلى واحدة من أبرز منصات التجارة الإلكترونية في المنطقة، وتُستحوذ لاحقاً من “إعمار مولز”. كان يمكن أن تنتهي القصة هنا: شركة ناجحة، صفقة كبيرة، ومؤسس يستطيع أن يقول إن مهمته انتهت. لكن حسام عرب لم يتعامل مع النجاح باعتباره محطة للتقاعد، بل باعتباره فرصة للبحث عن مشكلة أخرى لم تُحل. في 2019 أسس، مع شريكه دانييل باركالوف، «تابي»، انطلاقاً من ملاحظة بسيطة لكنها عميقة: لماذا لا يزال الدفع الإلكتروني يواجه مقاومة في المنطقة؟ وكيف يمكن جعل الشراء والدفع أكثر مرونة؟ ومن هنا جاءت فكرة «اشتر الآن وادفع لاحقاً». اليوم أصبحت «تابي» شركة مالية وتقنية إقليمية ضخمة، بأكثر من 20 مليون مستخدم وفق موقعها، وشبكة تتجاوز 40 ألف علامة تجارية وشركة صغيرة، فيما بلغت قيمتها التقديرية 4.5 مليار دولار بعد صفقة بيع ثانوية للأسهم في 2025. كما حصلت في 2023 على تسهيل تمويلي يصل إلى 700 مليون دولار من «جيه بي مورغان»، وأغلقت في العام نفسه تمديداً لجولة تمويل من الفئة D بقيمة 250 مليون دولار. الأرقام ليست هي القصة القصة الحقيقية أن شخصاً رأى مشكلة، فحاول حلها. فشل ونجح وتعلم، ثم أخذ خبرته من مشروع إلى مشروع آخر. لم يكن السؤال: من أي عائلة أتى؟ وما الطائفة التي ينتمي إليها؟ وهل يحمل جواز السفر المناسب؟ وهل يسمح له القانون بأن يملك ويستثمر ويؤسس؟ كان السؤال ببساطة: هل لديه فكرة جيدة؟ وهل يستطيع تنفيذها؟ وهنا يصبح نجاح حسام عرب سؤالاً لبنانياً بامتياز. كم حسام عرب يوجد في لبنان؟ وكم شاباً لبنانياً يملك فكرة، لكنه لا يملك رأس المال؟ وكم شاباً فلسطينياً في المخيمات يملك موهبة أو شهادة أو مشروعاً يمكن أن يكبر، لكنه يصطدم منذ البداية بجدار من القيود القانونية والاجتماعية والاقتصادية؟ skip render: ucaddon_material_block_quote في لبنان، لا تكمن المشكلة دائماً في غياب الشباب الموهوب، بل في غياب البيئة التي تسمح للموهبة بأن تتحول إلى مشروع. الشاب اللبناني نفسه يواجه بطالة وهجرة وانكماشاً اقتصادياً وغياباً للتمويل وفرصاً محدودة أمام المبادرة الفردية. أما الشاب الفلسطيني، فتضاف إلى هذه الأزمات طبقة أخرى من القيود المرتبطة بوضعه القانوني كلاجئ، وبالقيود المفروضة تاريخياً على قطاعات من العمل والتملك وممارسة بعض المهن. والنتيجة أن المجتمع لا يخسر وظيفة واحدة، بل يخسر احتمالاً. احتمال طبيب كان يمكن أن يفتح عيادة. ومهندس كان يمكن أن يؤسس شركة. ومبرمج كان يمكن أن يبني منصة تقنية. وصاحب فكرة كان يمكن أن يوفر مئة فرصة عمل لغيره. أما المفارقة الأكثر قسوة فتكمن في أن نطلب من الشباب أن يكونوا رياديين، ثم نضع أمامهم نظاماً يجعل الريادة امتيازاً لا حقاً في المحاولة. نقول لهم: ابتكروا. لكننا لا نعطيهم التمويل. نقول: استثمروا. لكننا نغلق أمام بعضهم أبواب التملك. نقول: اعتمدوا على أنفسكم. ثم نضع أمامهم قيوداً تجعل الاعتماد على النفس أكثر صعوبة. الاستثمار الحقيقي ليس في الأبنية والعقارات وحدها، بل في الإنسان الذي يستطيع أن يبنيها السؤال التقليدي ثم نسأل باستغراب: لماذا يهاجر الشباب؟ الجواب ليس دائماً أن الشباب لا يحبون أوطانهم. أحياناً هم يحبونها، لكنهم لا يجدون فيها مساحة كافية ليكونوا أنفسهم. المطلوب ليس أن نصنع نسخة لبنانية من «تابي» غداً صباحاً، ولا أن نحول كل شاب إلى مؤسس شركة مليارية. هذا تبسيط ساذج لقضية معقدة. المطلوب هو أن نخلق البيئة التي تسمح بالمحاولة. أن يحصل الشاب على فرصة تدريب حقيقية، وتمويل صغير، وحاضنة أعمال، وإرشاد مهني، ومساحة للعمل، وقوانين لا تضع العراقيل أمامه لمجرد هويته أو وضعه القانوني. وبالنسبة إلى الفلسطيني في لبنان، فإن المسألة أكثر إلحاحاً: من حقه أن يحلم قبل أن نطالبه بالنجاح. لا يمكن أن نطالب شاباً فلسطينياً بأن يكون منتجاً ومبدعاً ومستقلاً، بينما نحرمه من بعض الأدوات القانونية والاقتصادية التي يحتاجها كي يحول قدرته إلى واقع. والأمر نفسه ينطبق على الشاب اللبناني. فالدولة التي تريد وقف الهجرة لا يكفيها أن تطلب من أبنائها البقاء. عليها أن تجعل البقاء خياراً قابلاً للحياة. الشباب لا يحتاجون دائماً إلى من يعطيهم المال؛ أحياناً يحتاجون فقط إلى من يزيل الحائط من أمامهم. حسام عرب لم يبدأ بمليارات الدولارات. بدأ بمشكلة، ثم بدأ بمحاولة حلها. ثم اكتشف مشكلة أخرى. وهكذا تتحول الأفكار الصغيرة إلى شركات، والشركات إلى اقتصاد، والاقتصاد إلى فرص للآخرين. هذه هي الفكرة التي يجب أن نفهمها في لبنان: الاستثمار الحقيقي ليس فقط في الأبنية والمصارف والعقارات، بل في الإنسان الذي يمكن أن يبنيها. skip render: ucaddon_box_testimonial
skip render: ucaddon_box_testimonial رحلة محمية المفارقة أن الرحلة الخاصة ستتحول إلى عملية أمنية تحمل بصمتها الرسمية. فدوجي، البالغة من العمر 29 عامًا، ستسافر إلى منطقتين تصنّفهما السلطات الأميركية ضمن الوجهات عالية الخطورة، وسترافقها وحدة حماية من شرطة نيويورك بناءً على توصية أمنية. وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية. ليس غريبًا أن تزور زوجة عمدة نيويورك عائلتها في سوريا أو لبنان، وليس غريبًا أن تطلب الحماية إذا كانت وجهتها تنطوي على مخاطر أمنية. لكن ما يلفت الانتباه هو أن رحلة شخصية تتحول، بسبب طبيعة الوجهة، إلى مهمة أمنية تتحمل شرطة نيويورك جزءًا من تبعاتها. والسؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: مَن يدفع كلفة الحماية؟ بل أيضًا: مَن ستزور دوجي في لبنان؟ هل ستقتصر الرحلة على أفراد العائلة والأصدقاء؟ هل ستكون هناك لقاءات مع شخصيات سياسية أو ثقافية أو دينية؟ هل ستزور مؤسسات أو مجموعات سبق أن ارتبطت بها؟ أم أن بيروت ستكون مجرد محطة عائلية في رحلة لا تحمل أي بُعد آخر؟ لا توجد، حتى الآن، تفاصيل معلنة تجيب عن هذه الأسئلة. وربما تكون الإجابة أبسط مما يتخيل البعض: زيارة عائلية لا أكثر. لكن غياب التفاصيل هو بالضبط ما يجعل الأسئلة مفتوحة، خصوصًا عندما تترافق الرحلة مع حماية شرطية أميركية. صلة ببيروت دوجي ليست غريبة عن لبنان، فقد أقامت في بيروت عام 2019 ضمن برنامج فني، وارتبط اسمها منذ ذلك الوقت بمشهد ثقافي ونسوي وسياسي ناشط في المدينة. كما شاركت لاحقًا في فعاليات نسوية وفلسطينية في أوروبا، الأمر الذي جعل نشاطها الثقافي يتقاطع بصورة واضحة مع مواقفها السياسية. وهي، مثل زوجها، معروفة بمواقفها المؤيدة للفلسطينيين والمنتقدة لإسرائيل، وهي مواقف جعلت اسمها عرضة لجدل سياسي وإعلامي متكرر منذ وصول ممداني إلى موقعه في نيويورك. وقد عادت إلى الواجهة منشورات قديمة لها على وسائل التواصل الاجتماعي، بعضها شديد اللهجة، واعتذرت لاحقًا عن الألم الذي تسببت به بعض منشوراتها السابقة، بينما ظل الجدل قائمًا حول مواقفها السياسية. كما كان لها حضور في نشاطات مرتبطة باليسار الأميركي وبالاشتراكيين الديمقراطيين في نيويورك، وشاركت، من خلال الفن، في حملات سياسية مؤيدة لمرشحين ينتقدون إسرائيل ويرفضون التمويل المرتبط بـ«أيباك»، إضافة إلى دعم مشروع قانون يستهدف جمعيات خيرية مرتبطة، بحسب مؤيديه، بدعم عنف المستوطنين الإسرائيليين. لبنان المعقّد كل ذلك يجعل لبنان في هذه الرحلة أكثر من مجرد اسم على خريطة. فالبلد الذي ستصل إليه دوجي ليس بلدًا عاديًا في الحسابات الأميركية، بل بلد شديد التعقيد سياسيًا وأمنيًا، تتداخل فيه الدولة مع الأحزاب والقوى السياسية والفصائل والمجتمع المدني والمؤسسات الثقافية، وتتقاطع فيه ملفات لبنان وسوريا وفلسطين وإسرائيل والولايات المتحدة، على نحو يصعب معه فصل الخاص عن العام بسهولة. ومع ذلك، ينبغي عدم القفز إلى الاستنتاجات. لا دليل معلنًا على أن دوجي ستجري لقاءات سياسية في لبنان، ولا ما يثبت أن رحلتها تحمل أجندة تتجاوز زيارة العائلة. لكن غياب المعلومات لا يعني أن الأسئلة غير مشروعة، خصوصًا عندما تترافق رحلة خاصة مع حماية أمنية أميركية، وعندما تكون صاحبتها زوجة أحد أكثر رؤساء بلديات نيويورك إثارةً للجدل السياسي في السنوات الأخيرة. الخاص والعام ممداني يقول إن زوجته شخصية غير عامة، وإن حياتها الخاصة يجب أن تبقى بعيدة عن الأضواء. وقد يكون محقًا في ذلك. لكن المشكلة أن صفة «غير عامة» تصبح أقل بساطة عندما تدخل شرطة نيويورك في تفاصيل حياتها الخاصة. فإذا كانت الرحلة شخصية بالكامل، فلماذا تتحمل موارد المدينة كلفة حماية صاحبتها في الخارج؟ وإذا كانت الحماية ضرورية بسبب المخاطر، فهل ستُعلن كلفتها؟ ومَن يتحملها؟ وهل توجد قواعد واضحة تنطبق على جميع المسؤولين وعائلاتهم، أم أن القرب من السلطة يمنح امتيازات لا يحصل عليها الآخرون؟ مَن ستلتقي؟ ثم هناك سؤال آخر أكثر إثارةً للفضول: ماذا ستفعل دوجي في لبنان؟ هل ستزور بيروت التي تعرفها منذ سنوات؟ هل ستعود إلى الأوساط الفنية التي احتضنت تجربتها؟ هل ستلتقي ناشطات وناشطين تعرفهم؟ هل ستزور شخصيات سياسية أو اجتماعية؟ أم أنها ستغلق أبواب الرحلة على دائرتها العائلية، ولن يكون في جدولها أي لقاء عام؟ حتى الآن، لا أحد يملك الإجابة الكاملة. لكن عندما تسافر زوجة عمدة نيويورك إلى لبنان وسوريا برفقة عناصر من شرطة المدينة، فإن السؤال عن برنامج الرحلة يصبح طبيعيًا، والسؤال عن كلفتها يصبح أكثر إلحاحًا، والسؤال عن الأشخاص الذين ستلتقيهم يصبح جزءًا من حق الجمهور في معرفة أين تنتهي الحياة الخاصة وأين تبدأ الوظيفة العامة. في السياسة، التفاصيل الصغيرة هي التي تكشف أحيانًا الصورة الكبيرة. وربما لا تكون قصة راما دوجي في لبنان قصة سياسية على الإطلاق، وربما تكون مجرد رحلة إلى العائلة. لكن إلى أن تتضح التفاصيل، يبقى السؤال الأكثر بساطة هو الأكثر إثارة: مَن ينتظرها في لبنان؟
أثارت زيارة المغني اللبناني راغب علامة الأخيرة إلى دمشق، قبل أيام، واستقباله الرسمي من قِبل وزير السياحة في الحكومة السورية بهدف “الترويج السياحي وإحياء الحفل الجماهيري المرتقب”، سخطًا واسعًا وعارمًا بين السوريين. هذا السخط لم يكن مجرد عتب عابر، بل صدمة حقيقية مشوبة بالمرارة تجاه فنان ارتضى، لسنوات طويلة، أن يدعم بفنه نظامًا ديكتاتوريًا قورنت فظائعه وجرائمه ضد شعبه بأبشع الأنظمة الشمولية، كالنازية والفاشية. هي قصة فنان يريد أن يغني مجددًا فوق الرماد، متناسيًا أن ذاكرة الشعوب الحية لا تموت برشة عطر أو نغمة “سوبر ستار”. الفن في محكمة الأخلاق التاريخ لا يرحم المتلونين، والتجارب الإنسانية تعيد إنتاج نفسها بوجوه مختلفة. وإذا تطلعنا إلى التاريخ الأوروبي عقب الحرب العالمية الثانية، نجد كيف تعاملت المجتمعات الديمقراطية الحرة مع الفنانين الذين اصطفوا في خندق الديكتاتور هتلر أو برروا فظائعه. أسماء أسطورية في عالم الغناء الأوبرالي والموسيقى، مثل السوبرانو “إليزابيث شوارزكوف” وقائد الأوركسترا “هيربرت فون كارايان”، واجهوا محاكمات قاسية وعزلًا ثقافيًا واجتماعيًا صارمًا ضمن ما عُرف بـ”إجراءات اجتثاث النازية”. في تلك المرحلة، لم تشفع لهؤلاء الفنانين عبقريتهم الموسيقية ولا جمال أصواتهم. لقد رأت الشعوب الأوروبية، وخاصة ضحايا النازية، أن اعتلاء هؤلاء المسارح مباشرة بعد الحرب يُعد إهانة صريحة ووقحة لمشاعر الثكالى والناجين من معسكرات الموت. كانت الرسالة الأخلاقية حينها واضحة وجلية: الفن لا ينفصل عن الإنسانية، ومن يمنح صوته لتمجيد القاتل، يفقد الحق في أن يستمع إليه الضحايا. بالمقارنة، نجد أن راغب علامة، الذي طالما هنأ بشار الأسد بـ”انتخاباته الصورية” ووصف البلاد بـ”سوريا الأسد”، بل وخرج في لقاءات تلفزيونية ليشيطن تطلعات الشعب السوري نحو الحرية، زاعمًا أنها لم تكن ثورة بل “مشروعًا”؛ يعود اليوم وكأن شيئًا لم يكن. يعود حاملًا شعار “سوريا تستحق الفرح”، متناسيًا أنه أسهم بصوته ومواقفه في تغييب الفرح عن ملايين السوريين الذين هُجّروا واعتُقلوا وقُتلوا. إن قفزة راغب الاستعراضية إلى دمشق، متسلحًا بدعوة رسمية، هي إعادة إنتاج فجّة لمحاولات تطبيع الدفاع عن الجلاد عبر الفن، وهو أسلوب طالما سقط في اختبارات التاريخ الأخلاقية. skip render: ucaddon_material_block_quote تلوّن “السوبر ستار” يُجسّد راغب علامة نموذج “الفنان البراغماتي” الذي يحب اللعب على الحبال السياسية المتقاطعة لضمان مصالحه الفنية والشخصية. لم تقتصر مواقفه على دعم النظام السوري فحسب، بل امتدت لتشمل مغازلة دوائر القوة والنفوذ في لبنان؛ إذ حرص لسنوات على إظهار قربه الشديد وتقديره للأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصر الله، والدوائر الشعبية التابعة له، طمعًا في كسب الغطاء السياسي والحماية الأمنية في بيئة لبنانية معقدة. لكن المثير للسخرية والنقد في آن معًا هو التلون السريع والتحول الجذري الذي يطبع سلوك علامة عند أي منعطف خطير. فحين تتبدل موازين القوى أو يواجه النظام وحلفاؤه تراجعات، يسارع راغب إلى ممارسة سياسة النعامة؛ فيهرب من أسئلة السياسة مدعيًا براءة الفن الخالص. وفي الكثير من اللقاءات، حين تضيق عليه مساحات المناورة، ينسحب ببرود قائلًا: “أنا فنان… ليس لي دخل بسياسة الدول الأخرى”. هذا التناقض الصارخ بين المديح الفج والتهنئة بالولايات الرئاسية الملطخة بالدماء، وبين الادعاء اللاحق بالحياد الثقافي، يعكس تناقضًا أخلاقيًا كاملًا. إنه التلون الذي يجعل من “الحب” مجرد سلعة تجارية، ومن “عشق الأوطان” مجرد تذكرة مرور لإقامة الحفلات على حساب مشاعر الناس المنتهكة. بين راغب وفضل لا يمكن قراءة المشهد الحالي لراغب علامة بمعزل عن عقدة التنافس التاريخي الكبرى التي جمعته بالفنان فضل شاكر. هذا التنافس لم يكن موسيقيًا بحتًا، بل تحول بمرور السنين إلى صراع أيديولوجي وسياسي عكس انقسام الشارع العربي والمحلي. فضل شاكر، الذي اعتزل الفن في مرحلة ما وانحاز بشكل مطلق وتام إلى قضايا المظلومين، تحول في وجدان قطاعات واسعة من السوريين المنادين بالحرية وثوار “سوريا الجديدة” إلى رمز فني فريد ومحبوب، رغم كل التعقيدات والملابسات القانونية والسياسية المحيطة بملفه في لبنان. لقد رأى فيه السوريون صوتًا تضامن مع ألمهم ودفع في سبيل ذلك ثمن مسيرته وثروته ونجوميته. على الضفة المقابلة، بدا راغب علامة وكأنه مدفوع بنوع من النكاية الفنية والسياسية؛ فكلما ازداد فضل شاكر قربًا من نبض الشارع الثائر ومن قيم العدالة لشعوب المنطقة، أمعن راغب في الارتماء بأحضان النظم القمعية والدوائر العسكرية التابعة لمحور “الممانعة”، وكأنه يسعى لإثبات ولائه كبديل فني وحيد وموثوق لدى السلطات المستبدة. إن هذا التنافس المحموم جعل من خيارات راغب السياسية أداة في معركة إثبات وجود وتصفية حسابات فنية قديمة، ما أفقده، بالتبعية، تلك الروح الإنسانية العفوية التي يجب أن تميز المبدع الحقيقي. المشكلة ليست أن راغب عاد ليغنّي في دمشق، بل أنه عاد وكأن السوريين نسوا لمن غنّى بالأمس صرخة الضحايا إن الدرس الأكبر الذي يتجاهله فنانون من عينة راغب علامة هو أن “العدالة الثقافية” لا تقل أهمية عن العدالة القضائية. ففي عالم ما بعد الفظائع، لا يمكن بناء “سوريا الجديدة”، أو أي مجتمع ديمقراطي وإنساني حقيقي، من خلال تبييض صفحة أولئك الذين صفقوا للقتلة. الحفاظ على مشاعر الناس، واحترام تضحيات مئات الآلاف من الشهداء والمعتقلين والمغيّبين قسرًا، يتطلب من المؤسسات الثقافية والمنظمات المدنية والجمهور السوري الواعي ممارسة نوع من المقاطعة الأخلاقية الواعية. لا يصح، ولا يجوز إنسانيًا، أن يُستقبل من أنكر عذابات السوريين بالورود والسجاد الأحمر في دمشق وكأن شيئًا لم يكن. أغنية “قلبي عشقها” التي دشّن بها راغب علامة مجده الفني، تكشف اليوم عن وجهها الآخر الأكثر قتامة؛ وجه “الحب” الزائف القاتل الذي يفضّل مصافحة المسؤولين وحصد أرباح السياحة على حساب كرامة شعب مكلوم. skip render: ucaddon_box_testimonial