الخيانةُ ليستْ حدثًا طارئًا يمرّ في هوامشِ الأيّام، بل جُرحٌ أسودُ يبقى مفتوحًا في جسدِ الأُمّة. قد يصرّ البعضُ على أنّ الزمنَ دواءٌ للجراح، لكنَّ خيانةَ الوطنِ لا تُشفى، لأنّها تعيشُ في ذاكرةِ الجماعةِ وتُورَّث كتحذيرٍ أبديّ.ومشهدُ مقتلِ العميل «ياسر أبو شباب» في غزّة أمس ليسَ مجرّدَ نهايةِ رجلٍ فقدَ بوصَلَتَه؛ إنّه جرسُ إنذارٍ جديدٌ يُذكّرُ بأنَّ مَن يسقطُ في يدِ الاحتلال يُمحى اسمُه قبل أن يُدفَن جسدُه. من لحد إلى غزّة تاريخُ العملاءِ في منطقتِنا يكتبُ فصولَه المريرةَ بوقائعَ لا تتغيّر. في جنوبِ لبنان، وقفَ أنطوانُ لحد على رأسِ جيشٍ خدمَ الاحتلال، وظنَّ أنَّ البندقيّةَ التي يسلّمُها العدوُّ لِمَن يَرتضيها ستصنعُ لهُ مجدًا. عاشَ سنواتِه الأخيرةَ في منفى قاحلٍ، لا وداعٌ في مطار، ولا قبرٌ في ترابِ الوطن. نامَ على أسرّةٍ غريبةٍ لا تتذكّره، وماتَ بلا يدٍ تُصافحُه للمرّةِ الأخيرة.وفي غزّة، ظنَّ «أبو شباب» أنَّ دَورَه مختلف، وأنّ العدوَّ الذي يقتحمُ البيوتَ ويقتلعُ الأشجار قادرٌ على منحِ مَن يخدمُه حصانةً من الحساب. نَسِيَ أنَّ خيانةَ الدمِّ لا تُحمى بدبّابة، وأنَّ مَن يرفعُ السلاحَ في وجهِ أبناءِ شعبِه، يكتبُ نهايتَه بيديه. فجاءَه الموتُ من نفسِ اليدِ التي دلّلَته وهندستْ انحرافَه. ماتَ قربَ عدوِّه لا قربَ أهلِه، على سريرٍ مُنفِّرٍ لا يُشبِهُ تاريخَه ولا يُشبِهُ المكانَ الذي خرجَ منه طفلًا فلسطينيًّا كباقي الأطفال. في غزّة، ظنَّ «أبو شباب» أنَّ دَورَه مختلف، وأنّ العدوَّ الذي يقتحمُ البيوتَ ويقتلعُ الأشجار قادرٌ على منحِ مَن يخدمُه حصانةً من الحساب. نَسِيَ أنَّ خيانةَ الدمِّ لا تُحمى بدبّابة كيفَ يولدُ الخائن؟ الخيانةُ ليستْ قرارًا عابرًا يُتّخذُ في ليلةِ غفلة. إنّها سلسلةُ تنازلاتٍ تبدأ حين يتزعزعُ الإيمانُ بالوطن، حين يتحوّلُ الانتماءُ إلى زائدةٍ يمكنُ استئصالُها دونَ ألم. وأحيانًا يُخدَعُ المالُ صاحبَه، فيُصدّقُ أنّه أصبحَ أعلى من الناس. وأحيانًا يضغطُ الخوفُ، فيتخيّلُ الخائنُ أنَّ النجاةَ لا تأتي إلّا من بوّابةِ العدوّ. لكنْ في الحالتين، ينسى أنَّ الاحتلالَ لا يبني صداقات، بل يصنعُ أدوات. يدفعُ العميلَ إلى الصدارةِ مؤقّتًا، لا حبًّا به، بل لاستخدامِه جسرًا لتصفيةِ حساباتٍ مع شعبِه.ثمّ، حين تنتهي الوظيفةُ، يُترَكُ الجسرُ وحدَه، يتآكلُه السقوط، ويُصبِحُ مجرّدَ خشبةٍ مكسورةٍ على طرفِ الحكاية. موتٌ بلا وداع الاختلافُ شأنٌ وطنيٌّ صحيّ، تصنعُهُ الحرّيةُ وتضبطُهُ المسؤولية. أمّا الخيانةُ، فهي القطيعةُ الكاملةُ مع ضميرِ الوطن. فالذي يخونُ لا يعودُ مُعارِضًا سياسيًّا، بل يتحوّلُ إلى رصاصةٍ في يدِ الغريب. لا يُطلِقُ النارَ في الهواء، بل يُصيبُ القلوبَ مباشرةً. في لحظةٍ واحدةٍ، يتحوّلُ من ابنٍ للبلد إلى غريبٍ منبوذٍ، مهما رفعَ من شعاراتٍ أو ادّعى نوايا.وحين تتلوّنُ أصابعُهُ بدماءِ الأبرياء، يصبحُ الوطنُ بالنسبةِ إليه مجرّدَ رقعةٍ جغرافيّةٍ لا تستحقُّ البقاءَ ولا تستحقُّ الدفاع.مات «أبو شباب» في غزّة ولم يقتربْ من جثمانِه صديقٌ ولا جار. لم يُبكَ في المخيّمات، ولم يُرفَعْ له علم. تحوّل موتُه إلى راحةٍ جماعيّة، كأنَّ الأرضَ تخلّصتْ من ثقلٍ كان يختنقُ على صدرِها. الصورةُ مؤلمةٌ لكنها عادلة: لا أحدَ يستطيعُ أن يطلبَ من الناسِ احترامَ مَن أهانَهم بالسلاح، وأجازَ دمَهُ بيعًا وشراءً تحت حراسةِ المحتلّ.لقد خرجَ من الجغرافيا الفلسطينيّة قبل أن يُغادِرَها فعليًّا. تخلّى عنه الوطنُ منذ اللحظةِ التي رفعَ فيها بندقيّتَه على صدورِ أبنائه. وما حدثَ اليوم ليسَ إلّا إسدالَ السّتارةِ على فصلٍ كان يجبُ أن يُطوى منذ زمن. حصانةُ المجتمعِ معالجةُ الخيانةِ لا تكونُ بالانتقامِ وحده، بل بالبحثِ في جذورِها. فالأرضُ التي تُهمَلُ تُنتجُ تشقّقات، والتشقّقاتُ تسمحُ للعدوّ بالتسرّب. حمايةُ المجتمعِ من خطرِ العمالةِ تبدأ بحياةٍ عادلةٍ تحفظُ الكرامة، بإعلامٍ يرفعُ الوعي، بتعليمٍ يجعلُ الانتماءَ قيمةً غيرَ قابلةٍ للمساومة، وبوطنٍ لا يتركُ أبناءَه فريسةً للخوفِ والجوعِ والوحدة.فالهدفُ ليسَ فقط معاقبةَ الخائنين، بل منعُ ولادتِهم من جديد. روائح كريهة رغم سعيه الدؤوب لاسترضاء أطراف سياسية وقوى فاعلة في المدينة، عبر باقة من الخدمات والأموال المصروفة تحت مسمّيات متعدّدة، إلا أنّ روائح كريهة فاحت من العديد من المشاريع التي كانت تنفّذها “جمعية حسونة”. وُجّهت له، ولجمعيته، العديد من التهم والمساءلات، جعلت السكوت عنها صعباً، بل مستحيلاً، حتى وصل الأمر إلى إخضاع الجمعية للتحقيق من قبل منظمة اليونيسف، التي وضعتها لاحقًا على “اللائحة السوداء”، وأوقفت التعامل معها. وقد انعكس ذلك تراجعًا ملحوظًا في نشاطه وحضوره، وأدّى إلى تقوقعه في مكتب منزوٍ في قرية لبعا شرق صيدا، معتمدًا على مشاريع صغيرة لتسيير الوقت، تحيّناً لفرصة جديدة للانقضاض على المدينة عبر مجلسها البلدي القادم. قد يرى فضل الله حسونة في نفسه أنه قدّم لصيدا، وأنّ ما يقوم به هو “جزء من حقه المكتسب”، نظراً لدوره في صفوف “الحركة الوطنية” إبان الاجتياح الإسرائيلي. لكن الهدف من هذا المقال، وما سيليه، ليس النيل من الرجل أو جمعيته أو عمله، بل هو دقّ ناقوس الخطر لتنبيه المدينة إلى مسارات شاذة ومؤذية، لا بد من تصحيحها. فالسكوت عنها… يصبح مشاركة في الإضرار بصيدا وأهلها. وهي من المهام التي أخذت “البوست” على عاتقها التصدي لها لمصالح المدينة وأهلها، مهما كانت الأثمان. مَن يختارُ أن يكونَ ابنًا للعدوّ، يفقدُ حقّه في أن يكونَ ابنًا للوطن. ومَن يموتُ على سريرِ قاتلِ أهلِه، لا يستحقُّ أن يحظى بمأتمٍ يليقُ بالبشر. سيظلُّ اسمُه عبرةً: مثالًا على أنّ الخيانةَ لا تجلبُ الأمن، بل تتركُ صاحبَها جثّةً باردةً في حضنٍ غريب. ما أبشعَ أن يموتَ الإنسانُ على سريرِ قاتلِ أهلِه، وما أرحمَ أن يرحلَ واقفًا على أرضِه، محمولًا على أكتافِ الذين يشبهونه ويحبّونه.
عندما يختارُ بابا الفاتيكان دولةً ما لتكون أوّلَ وجهةٍ خارجيةٍ له بعد اعتلائِه السدّةَ البابوية، فالأمر لا يُقرأ في سياقِ المجاملاتِ الدبلوماسية. فهذه الزياراتُ الأولى تحملُ عادةً “خارطةَ الطريق” التي يريدُ الفاتيكانُ رسمَها لعلاقاتِه مع العالم من هنا، تكتسبُ زيارةُ البابا لاون الرابع عشر إلى تركيا أهميّةً مضاعفة، سواءٌ من حيثُ رمزيتُها الدينيّة أو وزنُها السياسيّ أو رسائلُها المسكونيّة. تركيا… الذاكرة الأولى للمسيحية تركيا ليست مجرّدَ دولةٍ ذاتِ غالبيةٍ مسلمة؛ إنّها، وفقَ التعبيرِ الكنسي، “أرضُ المسيحيةِ الأولى”. على أراضيها وُلدت الكنائسُ الرسوليةُ الكبرى، وفي مدنِها نمت مراحلُ التأسيسِ اللاهوتي للمسيحية، من أنطاكيةَ إلى أفسس، وصولًا إلى نيقية، المدينةِ التي احتضنت أوّلَ مجمعٍ مسكونيّ عام 325م. هذه الخلفيةُ تمنحُ الزيارةَ بُعدًا روحيًّا خاصًّا، وكأنّ البابا يعودُ إلى جذورِ التاريخ، حيثُ تشكّلت العقيدةُ وتمايزت الكنائسُ وبدأت رحلتَها مع العالم. إنّ اختيارَ تركيا أوّلًا هو استعادةٌ لذاكرةٍ مشتركة، وإشارةٌ إلى أنّ الفاتيكانَ يريدُ إعادةَ بناءِ الجسورِ مع الشرق، ليس بوصفِه جغرافيّا بعيدة، بل باعتبارِه المكانَ الذي انطلقت منه المسيحيةُ إلى العالم. البعد السياسي الفاتيكان يُدرِك أنّ تركيا ليست دولةً عابرةً في خرائطِ المنطقة؛ فهي عضوٌ في حلفِ شمالِ الأطلسيّ (ناتو)، وقوّةٌ إقليميةٌ تمتدّ من المتوسّط إلى البحرِ الأسود، وتملكُ موقعًا مركزيًّا في ملفاتِ الهجرةِ والأمنِ وحدودِ أوروبا. لذلك، حملت الزيارةُ رسالةً واضحة: الفاتيكانُ يريدُ شراكةً مع أنقرة، ويبحثُ عن قنواتِ تواصُلٍ مع دولةٍ تؤثّر مباشرةً في استقرارِ الشرقِ الأوسطِ والبلقان. كما جاءت الزيارةُ في لحظةٍ كان فيها الحوارُ الإسلامي–المسيحي بحاجةٍ إلى تبريدِ التوترات، وإعادةِ فتحِ مساحةِ تفاهمٍ بعد سنواتٍ من سوءِ الفهمِ المتبادل. وبالنسبةِ للفاتيكان، فإنّ الوقوفَ في قلبِ إسطنبول، واللقاءَ مع دولةٍ مسلمةٍ ذاتِ هويةٍ علمانية، يشكّلُ رسالةَ انفتاحٍ أرادَ البابا أن يُطلِقَها منذ اليومِ الأوّل لولايتِه. لا يمكنُ فهمُ دلالاتِ الزيارةِ دون استحضارِ مجمعِ نيقية، الحدثِ المفصليّ الذي انعقدَ عام 325م في مدينةِ نيقية (İznik اليوم) رسائل مسكونية إلى الكنائس الشرقية ليست الزيارةُ محصورةً بالبعدِ السياسيّ أو الدينيّ العامّ، بل تحملُ دلالةً دقيقةً تتعلّقُ بالعلاقةِ مع الكنائسِ الأرثوذكسية. فمقرُّ بطريركيةِ القسطنطينيةِ المسكونية، التي تُعَدّ المرجعيةَ الروحيةَ الأولى للأرثوذكس، يقعُ في إسطنبول. ومنذ الانشقاقِ الكبير عام 1054، بقيت العلاقةُ بين روما والقسطنطينية إحدى عُقَدِ التاريخِ الكنسيّ. زيارةُ البابا إلى تركيا تعني ضمنًا “خطوةً نحو الشرقِ المسيحيّ”، وتأكيدًا على رغبةِ الفاتيكان في ترميمِ العلاقاتِ التي تكسّرت عبر القرون. هي محاولةٌ لإعادةِ صياغةِ روحِ الوحدة، ولو عبرَ خطواتٍ بطيئة، ولكن محسوبة. العالَم يعودُ إلى لحظة التأسيس لا يمكنُ فهمُ دلالاتِ الزيارةِ دون استحضارِ مجمعِ نيقية، الحدثِ المفصليّ الذي انعقدَ عام 325م في مدينةِ نيقية (İznik اليوم). هناك اجتمعَ أكثرُ من 300 أسقفٍ بدعوةٍ من الإمبراطورِ قسطنطين، ليضعوا أوّلَ صيغةٍ جامعةٍ لقانونِ الإيمانِ المسيحيّ، وليحسموا الخلافَ اللاهوتيَّ حول طبيعةِ المسيح في مواجهةِ تعاليمِ آريوس. العودةُ إلى تركيا هي عودةٌ رمزيةٌ إلى موقعِ الحدثِ الذي وحّد العقيدةَ المسيحية، ورسمَ ملامحَ الكنيسةِ المُوحَّدة قبل أن تتشظّى في لاحقِ القرون. وكأنّ الفاتيكان يقولُ عبر هذه الزيارة: “لن نفهمَ الحاضرَ دون أن نُصغيَ إلى صوتِ نيقية”. البابا يرسمُ اتجاهَ الريح تحملُ الزيارةُ في جوهرِها رؤيةً أعمق… الفاتيكانُ يتجهُ نحو الشرق، ليس جغرافيًّا فقط، بل فكريًّا ودينيًّا وسياسيًّا. فتركيا تجمعُ تناقضاتِ الشرقِ والغرب، الدينِ والدولة، القداسةِ والتاريخ، وتشكّلُ مساحةً مثاليةً لخطابٍ بابويٍّ يريدُ الحوارَ بدلَ الصدام، والانفتاحَ بدلَ الانغلاق. من هنا، تبدو الزيارةُ الأولى ليست مجردَ خطوةٍ بروتوكولية، بل إعلانًا صريحًا لطبيعةِ المرحلةِ البابوية المقبلة: مرحلةِ تقارُبٍ مع الكنائسِ الشرقية، وفتحِ صفحاتٍ جديدةٍ مع العالمِ الإسلاميّ، واستعادةِ الجذورِ الأولى للمسيحية على أرضٍ لا تزالُ تحفظُ آثارَ المجامعِ الكبرى وبداياتِ الرسالة.
“الحقّ لا يُفهمُ إلّا بالعقل، ولا يُفرَض إلّا بالمعرفة.” — ابن رشد تخيّلوا للحظة أن ابن رشد، الفيلسوف الإسلامي والمفكّر الذي تحدّى الجهل ورفع لواء العقل، ظهر فجأةً في صيدا، وجلس على منبر المسجد العمري الكبير. ليست زيارة عابرة، بل اختبار مباشر للعقل، درس حيّ في الفلسفة، ومواجهة صريحة مع السياسة اللبنانية بكل عبثيّتها المعاصرة جلس المواطنون حول المنبر، بعضهم حائر، وبعضهم متعطّش للحقيقة. رفع شابٌ يده بتردّد، سائلاً عن الانتخابات النيابية المقبلة. ابتسم ابن رشد وقال:“لا تجعلوا التقليدَ أعظمَ من الفهم، ولا الطائفةَ أعمى من العقل. مَن يبيع عقلَه للجاهل، لا يملك الحقّ في الحديث باسم الأمّة.” رسالة الفيلسوف كانت واضحة: صوت الناخب مسؤولية ثقيلة، وما لم يُمارَس بالوعي، سيظلّ المجتمع رهينة الفوضى والوعود الزائفة. السلطة والحكمة… والاستغلال التفت ابن رشد إلى المفتي وبعض رجال الدين وخاطبهم بصراحة:“لقد منحكم الدينُ نفوذًا عظيمًا، فلا تُفسدوه بحماية الفساد أو تسييس الطائفة. الحكمة لا تُشترى بالمال، والعقل لا يُخضع للسلطة.” ساد الصمت، وهمس البعض: “كيف يجرؤ على قول هذا؟” لكن ابن رشد أكمل “الصمتُ عن الظلم أو الرضا به خيانةٌ للعقل والحق. الدِّين ليس أداة للسياسة، بل منهج للفهم والحكمة.” الفكرُ الحرُّ حِصنُ الأمّة. والسكوتُ عن الخطأ مشاركة في الظلم. مَن يلتزم بالواقع كما هو بلا نقد… شريكٌ في الفساد الانتخابات… رومانسية عبثية حاول رئيس البلدية وبعض السياسيين تسويق مشاريع وهمية ووعود تنموية. نظر إليهم ابن رشد بقسوة “مَن يسعى للمجد الشخصي على حساب المصلحة العامة فقد خان نفسه والناس. السُّلطة بلا عقل، والحكم بلا معرفة… فساد ودمار.” ضحك البعض بسخرية، لكن ابن رشد رفع حاجبه وقال “الضحكُ على العقل… لا يغيّر الحقيقة.” كانت الانتخابات أمامه مسرحية عبثية: مال سياسي، ولاءات طائفية، شعب يُستدرج بوعودٍ لا أساس لها من الواقع. صرخة الفكر الحر إلى المثقفين، وجّه ابن رشد نظرةً حادّة “الفكرُ الحرُّ حِصنُ الأمّة. والسكوتُ عن الخطأ مشاركة في الظلم. مَن يلتزم بالواقع كما هو بلا نقد… شريكٌ في الفساد.” تغيّرت وجوه الحاضرين: بعضهم شعر بالإلهام، وبعضهم بالحرج. فمسؤوليّة المثقف، كما قال، لا تنتهي عند التحليل بل تمتدّ إلى المواجهة والشجاعة ورفض الطائفية. لحظة المواجهة: حوارات متخيّلة سياسي: “يا ابن رشد، كيف نحكم مجتمعًا متشابكًا وطائفيًا بهذا التعقيد؟”ابن رشد: “بالعقل… لا بالخوف أو الولاء الأعمى.” المفتي: “الدّين يجب أن يحمي الاستقرار…”ابن رشد: “الدين يحمي العقل والحقيقة… لا الطائفية ولا الجهل.” شاب: “كيف نبدأ التغيير؟”ابن رشد: “بالوعي… بالمساءلة… وبالفكر الحر. من يرفع صوته ضد الفساد يزرع بذور النهضة.” العقلانية ليست رفاهية لم يغادر ابن رشد المنبر قبل أن يرفع صوته برسالته الأخيرة “الناس لا يُرشَدون إلا بالعلم، ولا يُحكَم عليهم إلا بالعقل.” زيارته الافتراضية لصيدا كانت صرخةَ عقلٍ في وجه الفوضى اللبنانية، وتذكيرًا بأن النهضة تبدأ من: حرية التفكير المحاسبة الفردية والجماعية رفض المصالح الضيّقة كسر الطائفية والسياسة القائمة على الخوف وفي صيدا، كما في كل لبنان، يبقى العقل الحرّ الدرع الوحيد ضد العبث والطائفية والفساد. من يختار الصمت، يشارك في الجريمة. ومن يرفع صوته بالعقل والمعرفة، يزرع بذور النهضة الحقيقية. ابن رشد لم يأتِ ليحكي تاريخًا أو فلسفة، بل ليذكّرنا أن الحرية تبدأ من الفكر، والعدل من الشجاعة، والمستقبل من مواجهة الحقيقة بلا خوف. فهل سنستمع؟ أم ستظل صيدا مرآةً للفساد والعبث، حتى يثور العقل فيها؟