شهد مسرح العمليات في الصراع بين حزب الله وإسرائيل تطوراً نوعياً مع استهداف منشأة اتصالات فضائية حساسة تقع قرب مدينة بيت شيمش في وادي إيلا، على مسافة تقارب 25 كيلومتراً غرب القدس المحتلة الضربة، التي نُفذت بصاروخ دقيق من طراز «نصر-2»، حملت دلالات تتجاوز الأثر المادي المباشر للعملية، لتدخل في إطار الحرب على البنى التحتية الاستراتيجية التي تشكّل العمود الفقري لمنظومات القيادة والسيطرة والاتصالات العسكرية. يشكّل الموقع المستهدف إحدى أبرز محطات الربط الأرضية للأقمار الصناعية في إسرائيل، وتديره شركة الاتصالات الفضائية الأوروبية «إس إي إس». وتضم المنشأة شبكة واسعة من الهوائيات الأرضية، يبلغ عددها نحو 95 هوائياً بأحجام مختلفة، تُستخدم لربط الأقمار الصناعية بشبكات الاتصالات الأرضية المدنية والعسكرية. لم تعد الحرب على المواقع فقط، بل على الأعصاب التي تُدير الدولة وتُشغّل جبهتها العسكرية مستوى جديد وتكتسب هذه المنشأة أهميتها من دورها في إدارة تدفق البيانات عبر منظومة أقمار الاتصالات الإسرائيلية، بما فيها أقمار «عاموس» التي توفر خدمات الاتصالات الاستراتيجية والتجارية على حد سواء، إضافة إلى دورها في دعم منظومات الاتصالات العسكرية عبر الأقمار الصناعية المرتبطة بشعبة الاتصالات في الجيش الإسرائيلي. إن استهداف هذه العقدة الاتصالية لا يمكن قراءته بوصفه ضربة تكتيكية محدودة، بل هو مؤشر على انتقال الصراع إلى مستوى استهداف البنى التحتية المعلوماتية التي تعتمد عليها العمليات العسكرية الحديثة. فشبكات الاتصالات الفضائية تشكّل، في العقيدة العسكرية المعاصرة، جزءاً أساسياً من منظومة القيادة والسيطرة والاستطلاع، كما تمثل قناة رئيسية لتمرير المعلومات العملياتية والاستخبارية بين الوحدات المنتشرة في الميدان ومراكز القيادة. وتزداد أهمية هذه الضربة إذا ما أُخذ في الاعتبار البعد الجغرافي للعملية. فالموقع يقع على مسافة تقارب 155 كيلومتراً من الشريط الحدودي مع لبنان، وهذه المسافة تضع الهدف خارج نطاق الاشتباك التقليدي لراجمات الصواريخ غير الموجهة، ما يعني أن إصابته تتطلب منظومة نارية قادرة على العمل في عمق جغرافي كبير، مع مستوى مقبول من الدقة. تطور القدرات الصاروخية الصاروخ الذي أعلن حزب الله استخدامه في هذه العملية هو «نصر-2»، وهو تطوير لصاروخ «إم-302» المعروف باسم «خيبر». وقد ظهر هذا الصاروخ في بدايته عام 2004 كسلاح راجمي غير موجه، بمدى يقارب 100 كيلومتر، وكان يعتمد على نمط القصف المساحي مع هامش خطأ مرتفع نسبياً، ما يجعله أقرب إلى سلاح إشباع ناري منه إلى وسيلة استهداف دقيقة. غير أن برامج التطوير التي قادتها مؤسسات البحث العسكري في سوريا أدخلت تعديلات جوهرية على هذا الصاروخ خلال السنوات اللاحقة. فقد جرى العمل على تحسين خصائص الطيران والاستقرار الديناميكي، كما أضيفت منظومة توجيه تعتمد على الملاحة بالقصور الذاتي، بما يسمح ببرمجة إحداثيات الهدف قبل الإطلاق وتصحيح المسار أثناء الطيران. هذه التحسينات التقنية رفعت مدى الصاروخ إلى أكثر من 160 كيلومتراً، كما خفّضت هامش الخطأ بشكل ملحوظ مقارنة بالنسخ الأولى. وبذلك انتقل السلاح من فئة الصواريخ غير الموجهة إلى فئة الصواريخ شبه الدقيقة، وهو تحول يفتح المجال أمام استهداف منشآت حساسة في العمق الاستراتيجي، بدلاً من الاكتفاء بالقصف المساحي. البعد الصناعي والتكنولوجي يرتبط تطوير هذا الصاروخ ببرامج المجمع الصناعي العسكري السوري، ولا سيما مراكز الأبحاث التابعة لمؤسسة البحوث العلمية العسكرية. وقد جرى تصنيع النسخ الأولى في منشآت تقع في منطقة السفيرة قرب مدينة حلب، ضمن ما عُرف بـ«المشروع 702»، الذي تولى تطوير عدد من أنظمة الصواريخ التكتيكية. غير أن هذا البرنامج تعرض لضربات إسرائيلية متكررة خلال السنوات الماضية، كان أبرزها عملية إنزال عسكرية استهدفت منشأة تحت الأرض في مصياف، بهدف تعطيل خطوط الإنتاج الخاصة بالصواريخ الدقيقة. وقد أظهرت الصور التي التُقطت داخل الموقع مكونات صناعية مرتبطة بمحركات الصواريخ، إضافة إلى معدات خلط الوقود الصلب المستخدمة في تصنيع محركات الدفع. الحرب الخفية على العقول العلمية ضمن هذا السياق، برز اسم العالم السوري الدكتور المهندس عزيز إسبر، الذي اغتيل عام 2018 في عملية نُسبت إلى جهاز الاستخبارات الإسرائيلي. وكان إسبر أحد أبرز العقول العلمية في برنامج تطوير الصواريخ السورية، وقد تلقى تعليمه في المدرسة العليا للطيران والفضاء في مدينة تولوز الفرنسية، حيث حصل على درجة الماجستير في الميكانيك، ثم الدكتوراه في ميكانيكا الموائع. وبعد عودته إلى سوريا، تولى مواقع علمية متقدمة داخل مراكز الأبحاث الدفاعية، إلى أن أصبح مديراً لمركز الأبحاث في مصياف، حيث ارتبط اسمه ببرامج تطوير الصواريخ التكتيكية وتحسين دقتها. وقد اعتُبر اغتياله جزءاً من حرب الظل التي هدفت إلى إبطاء أو تعطيل نقل التكنولوجيا الصاروخية المتقدمة إلى حلفاء سوريا في المنطقة. قراءة في الدلالات الاستراتيجية من منظور عسكري تحليلي، تعكس هذه العملية انتقال الصراع تدريجياً من نمط القصف الكثيف إلى نمط الاستهداف النوعي للبنى التحتية الحساسة. فإصابة عقدة اتصالات فضائية في عمق إسرائيل تعني أن معادلة الردع لم تعد محصورة في استهداف القواعد العسكرية القريبة من الحدود، بل باتت تشمل البنية التحتية التكنولوجية التي تعتمد عليها الدولة في إدارة عملياتها العسكرية والاقتصادية. كما تكشف العملية عن تطور في مفهوم استخدام القوة الصاروخية لدى الفاعلين غير الدولتيين، حيث يجري توظيف الصواريخ بعيدة المدى في إطار عمليات دقيقة نسبياً تستهدف نقاطاً ذات قيمة استراتيجية عالية. وهذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لأهمية الحرب على البنية التحتية المعلوماتية في الصراعات الحديثة، حيث يمكن لتعطيل شبكات الاتصالات والبيانات أن يؤثر في فعالية القيادة والسيطرة بقدر ما تفعله الضربات المباشرة ضد الوحدات العسكرية. وفي ضوء هذه المعطيات، يمكن القول إن استهداف محطة الاتصالات الفضائية قرب بيت شيمش يمثل نموذجاً لما قد يشهده الصراع في المنطقة خلال السنوات المقبلة، حيث تتحول البنى التحتية التكنولوجية إلى ساحات مواجهة مركزية في حرب تتزايد فيها أهمية الدقة والقدرة على إصابة العقد الاستراتيجية في العمق الجغرافي للخصم.
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) كان جهاز الموساد الإسرائيلي هو مَن يستهدف دول الخليج؟ في اللحظات التي تتسارع فيها الأحداث، يصبح السؤال أكثر خطورةً من الجواب. ومع اندلاع المواجهة الأخيرة بين إسرائيل وإيران، واتساع رقعة الاشتباك لتطال بيئاتٍ خليجيةً حساسةً، عاد إلى الواجهة خطابٌ قديمٌ بلباسٍ جديد: «إسرائيل الكبرى»…لكن هل نحن أمام مشروعٍ جيوسياسيٍّ فعليّ، أم أمام توظيفٍ تعبويٍّ لأسطورةٍ سياسيةٍ تتغذّى على الفوضى؟ بين العقيدة والواقعية السياسية مفهوم «إسرائيل الكبرى» لم يكن يومًا برنامجًا رسميًّا مُعلَنًا لدولة إسرائيل الحديثة، بل ظلّ تعبيرًا أيديولوجيًّا حاضرًا في بعض التيارات الدينية والقومية المتشددة داخل المشهد الإسرائيلي.تحرّكت الدولة العبرية، منذ تأسيسها، في فضاءٍ براغماتيٍّ تحكمه موازين القوة والاعتراف الدولي، لا خرائط توراتية. ومع ذلك، فإن تمدّد النفوذ لا يشترط دائمًا احتلال الأرض؛ فقد يتحقق عبر إعادة هندسة البيئة الإقليمية. لا تُخاض الحروب الكبرى فقط لتوسيع الحدود، بل لإعادة رسم قواعد اللعبة. وإذا كانت المواجهة مع إيران قد فتحت الباب أمام احتمال إعادة تشكيل الشرق الأوسط، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل تريد إسرائيل التوسع؟ بل: كيف يمكن أن تستثمر الفوضى لصالح أمنها الاستراتيجي طويل الأمد؟ مَن هو الفاعل؟ مع تعرّض منشآت طاقة وبنى تحتية في بعض دول الخليج لهجماتٍ غامضة، تصاعدت تكهّنات حول الجهات المنفذة. والاتهام الفوري يتجه عادةً نحو أذرعٍ إيرانية، في إطار الرد غير المباشر. لكن في بيئة حربٍ متعددة الطبقات، تبرز فرضيات أكثر تعقيدًا، منها احتمال عمليات «الطرف الثالث»، أو ما يُعرف باستراتيجية الراية الزائفة. هنا يُطرح اسم الموساد بوصفه جهازًا يمتلك تاريخًا طويلًا من العمليات الخارجية المعقّدة. فهل يمكن، نظريًّا، أن يسعى فاعلٌ استخباراتيٌّ إلى ضرب منشآتٍ غير أميركية، كحقول النفط والغاز الخليجية، بهدف استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية لدول المنطقة، ودفعها إلى تموضعٍ أمنيٍّ أعمق تحت المظلة الإسرائيلية – الأميركية؟ هذا السيناريو، رغم جاذبيته التحليلية، يصطدم بعدة معوّقات. أولها أن ضرب البنية التحتية الخليجية يهدد مباشرةً استقرار أسواق الطاقة العالمية، ما يستفز قوى كبرى لا مصلحة لها في الفوضى الممتدة. وثانيها أن دول الخليج، رغم تحالفاتها المتنوعة، ليست خصمًا مباشرًا لإسرائيل، بل إن بعضها نسج علاقاتٍ علنيةً معها خلال السنوات الأخيرة. وثالثها أن أي انكشافٍ لعمليةٍ من هذا النوع سيؤدي إلى كلفةٍ استراتيجيةٍ هائلةٍ على إسرائيل، قد تتجاوز بكثير أي مكسبٍ تكتيكي. منطق الاستنزاف أم الردع؟ النظرية القائلة إن استنزاف الخليج يسهّل قيام «إسرائيل الكبرى» تفترض أن إضعاف المحيط العربي شرطٌ ضروريٌّ لتفوّقٍ إسرائيليٍّ دائم. غير أن القراءة الواقعية تشير إلى أن إسرائيل، منذ عقود، بنت تفوقها النوعي عبر التكنولوجيا، والاستخبارات، والتحالفات الدولية، لا عبر إنهاك جيرانها اقتصاديًّا. بل إن استقرار الخليج، بما يمثله من ثقلٍ اقتصاديٍّ وسياسيٍّ، يخدم توازنًا إقليميًّا يحدّ من اندفاعات القوى الراديكالية. أما انهيار هذا الاستقرار، فسيخلق فراغًا قد تستفيد منه أطرافٌ معاديةٌ لإسرائيل أكثر مما تستفيد هي منه. إذا كان هناك مشروعٌ يتشكل اليوم، فهو أقرب إلى إعادة توزيع موازين الردع، لا إلى توسيع خرائط جغرافية. إسرائيل تسعى، بوضوح، إلى تحييد التهديد الإيراني المباشر وتقليص أذرعه في الإقليم. وإيران، بالمقابل، تعمل على توسيع دائرة الضغط لرفع كلفة المواجهة. أما الخليج، فيجد نفسه بين معادلتين: حماية أمنه الوطني، وتجنّب الانجرار إلى حرب استنزافٍ طويلة. الحديث عن «إسرائيل الكبرى» قد يكون، في جانبٍ منه، انعكاسًا لمخاوف حقيقية من تحولاتٍ عميقة، لكنه لا يكفي وحده لتفسير التعقيد الجاري. ففي الحروب الحديثة، لا تتغير الحدود فقط، بل تتغير شبكات النفوذ، وسلاسل الطاقة، ومسارات التحالفات. في الشرق الأوسط، تكون الحقيقة غالبًا أول ضحايا الحرب. والسيناريوهات التي تبدو ممكنةً على الورق قد تصطدم بوقائع الردع المتبادل والمصالح المتشابكة. والسؤال الأجدر بالطرح ليس ما إذا كان جهازٌ استخباراتيٌّ هنا أو هناك يشعل النيران سرًّا، بل ما إذا كانت المنطقة كلها تتجه نحو نظامٍ إقليميٍّ جديد تُعاد فيه صياغة مفهوم السيادة والأمن. ربما لا تكون «إسرائيل الكبرى» خريطةً تُرسَم، بل لحظةً تاريخيةً يُعاد فيها تعريف معنى القوة. وفي زمن الفوضى، من لا يعيد تعريف نفسه، يُعاد تعريفه من قبل الآخرين.
في الشرق الأوسط، لا تتحرّك السياسة وحدها، بل تتحرّك معها الذاكرة. التاريخ هنا ليس مجرّد سردٍ للأحداث، بل مرآة تعكس أنماطًا تتكرّر. وما يجري اليوم في إيران بعد الضربة التي أودت بالمرشد الأعلى علي خامنئي، يعيد إلى الأذهان سؤالًا قديمًا: هل يمكن أن ينهار النظام من داخل حرّاسه؟ وسط هذا الضباب السياسي والأمني، يطفو اسم رجل واحد على السطح: الجنرال إسماعيل قاآني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني. الرجل الذي يبدو، وفق روايات متعددة، أنّه يخرج دائمًا سالمًا من الضربات التي تقتل كلّ مَن حوله. في منطقة اعتادت على الشكوك والمؤامرات، تحوّلت هذه المصادفة المتكرّرة إلى مادّة للتكهّنات: هل هو مجرّد ضابط محظوظ، أم أنّ خلف القصّة ما هو أعمق بكثير؟ لفهم دلالة هذه الشائعات، لا بدّ من العودة خطوة إلى الوراء، إلى التاريخ الرمزي الذي بنى عليه النظام الإيراني شرعيته. كربلاء… الذاكرة التي لا تموت يقوم الخطاب السياسي للجمهورية الإسلامية منذ عام 1979 على استحضار واقعة ملحمة كربلاء، حيث قُتل سبط النبي الحسين بن علي بعد أن تخلّى عنه كثيرٌ ممّن بايعوه. في الرواية الشيعية، لم تكن مأساة كربلاء مجرّد معركة، بل خيانة جماعية. كتب أهل الكوفة الرسائل، ثم تراجعوا عندما اقتربت ساعة المواجهة. تلك اللحظة أصبحت رمزًا مركزيًا في الوعي السياسي الإيراني: أنّ الخطر الأكبر لا يأتي من العدو الخارجي، بل من خيانة الداخل. ولذلك بنى النظام الإيراني سرديّته على أنّه الوريث المعاصر لتلك المظلومية، وأنّ حرّاسه هم “أنصار الحسين” في العصر الحديث. لكنّ التاريخ، كما يبدو، لا يحبّ التكرار الحرفي بقدر ما يحبّ المفارقات. في عالم الاستخبارات، النجاة المتكرّرة ليست دائمًا دليل براعة… وقد تكون أحيانًا سبب الاتهام الجنرال الذي ينجو دائمًا منذ اغتيال سلفه قاسم سليماني في عام 2020، أصبح قاآني أحد أهمّ رجال المؤسسة الأمنية الإيرانية. تولّى قيادة فيلق القدس، الجهاز المسؤول عن شبكة النفوذ الإقليمي الممتدة من العراق إلى لبنان واليمن. ومع ذلك، فإنّ سمعته خلال الأعوام الأخيرة لم تُبنَ على العمليات العسكرية بقدر ما بُنيت على ظاهرة غريبة: نجاته المتكرّرة من الضربات. في أكثر من حادثة، كان يُعتقَد أنّه قُتل في استهدافات إسرائيلية أو أميركية، قبل أن يظهر لاحقًا في مناسبات عامة، أحيانًا بملابس مدنية، وكأنّه خرج للتوّ من مشهدٍ في فيلم تجسّس. ثم جاءت الضربة الكبرى التي قتلت المرشد الأعلى وعددًا من كبار مساعديه. مرّة أخرى، خرج قاآني سالمًا. في عالم الاستخبارات، لا توجد مصادفات كثيرة. وكلّما تكرّرت النجاة، اتّسعت دائرة الشك. الاختراق الذي يقلق طهران الشائعات حول احتمال اختراق أجهزة الأمن الإيرانية ليست جديدة. لكنها اكتسبت زخمًا غير مسبوق بعد العمليات التي نُسبت إلى جهاز الموساد، أي جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، داخل إيران. تشير تقارير متعددة إلى أنّ الاستخبارات الإسرائيلية أصبحت قادرة على جمع كمّ هائل من البيانات الرقمية داخل إيران، وحتى تشغيل مصادر بشرية من دون أن يدركوا أحيانًا أنّهم يعملون لحسابها. الضربة التي قتلت خامنئي، وفق هذه الروايات، لم تكن مجرّد هجوم عسكري تقليدي، بل نتيجة اختراق عميق للبنية الأمنية الإيرانية، شمل أنظمة المراقبة، وربما شبكات الاتصال الداخلية. وفي ظلّ هذا الاختراق، يصبح السؤال أكثر حساسية: مَن الذي فتح الباب؟ بين الأسطورة والواقع حتى الآن، لا يوجد دليل علني يثبت أنّ قاآني كان عميلًا لإسرائيل. وقد يكون كلّ ما يُقال مجرّد حرب نفسية تهدف إلى زعزعة الثقة داخل الحرس الثوري. لكن في الأنظمة الثورية، غالبًا ما تكون الشائعات أخطر من الحقائق. لأنّ النظام الذي بُني على فكرة الولاء المطلق يبدأ في التفكك عندما يدخل الشك إلى صفوفه. في الذاكرة الشيعية، تُستعاد كربلاء كلّ عام لتذكير الناس بخطيئة الخذلان. الرسالة كانت واضحة: لا تكرّروا ما فعله أهل الكوفة. لكنّ التاريخ يحمل درسًا آخر أيضًا. حين تتحوّل السلطة إلى منظومة مغلقة من الأمن والعقيدة، يصبح الخطر الأكبر هو أن يتشابه الحرّاس مع أولئك الذين خانوا في الماضي. حين يتحوّل الحارس إلى موضع شبهة، يصبح الجدار كلّه مهدّدًا بالانهيار ففي النهاية، لم يُقتل الحسين فقط بسيوف خصومه، بل أيضًا بصمت أولئك الذين وعدوا بالنصرة ثم اختفوا. وهذا هو السؤال الذي يهمس به كثيرون اليوم في طهران: إذا كان بعض مَن كتبوا رسائل النصرة في كربلاء قد تراجعوا عند أول اختبار، فهل يمكن أن يتكرّر المشهد في عصر الجمهورية الإسلامية؟ في عالم الاستخبارات، قد لا يكون السؤال الأهم: مَن هو الجاسوس؟ بل سؤال آخر أكثر إرباكًا: كم عدد الذين لا نعرف أنّهم كذلك بعد؟