قرَّر عددٌ من أثرياء وميسوري المدينة، أو حتى من ناسِها العاديّين، مع عددٍ من الأطباء والمعنيّين بالشأنِ الصحّي، أن يقولوا فعلًا لا بالقولِ فحسب: لا نريد أن تضيعَ مستشفى أُخرى من صيدا وتنفلتَ خارجًا. لنعملْ معًا كي تعودَ مستشفى الجُبَيلي إلى العمل. في كثيرٍ من المحطّات، حين يتطرّق الحديث إلى “سيرة” مستشفى حَمّود، تجدُ انزعاجًا كبيرًا عند كثيرٍ من الصيداويّين وندمًا واضحًا للحالِ التي آلت إليها هذه المستشفى العريقة، بعدما تمّ بيعُها لِغرباءَ يتحكّمون بالأمن الصحي للمدينة، وخَسِرَها الصيداويّون صَرْحًا طبيًا رائدًا. في حياة المدن، لا تُقاس بعضُ العقارات باعتبارها مجرّدَ كومةِ أحجارٍ أو مساحاتٍ من أتربة؛ لبعض العقارات أهميّاتٌ استراتيجيّة، وخصوصيّاتٌ معيّنة، تجعلها أمورًا أساسيّةً في حياة المدينة وأهلِها وتطوّرها ونموّها. مستشفى الجُبَيلي، صرحٌ طبيٌّ عريقٌ، لعب — على حجمه — دورًا وحضورًا في حياة صيدا وأهلها وسكّانها. منذ سنوات، أقفل هذا الصرح أبوابَه على أملِ القيامة، منتظرًا مَن يُعيد ضخَّ الحياةِ في شرايينه ليعودَ مجدّدًا إلى الخدمة. فلماذا استمرارُ الإقفال؟ بحسب معلوماتٍ حصلت عليها صحيفة “البوست”، فليس السببُ وراء الإقفال مادّيًا بحتًا كما يظنّ كثيرون، بدليل أن “جهةً” عرضت على مالكيه الحاليّين شراؤه منذ أقلّ من عامٍ بمبلغٍ ماليٍّ “مُعتَبَر”، إلا أنّ قرار البيع لم يتّخذه المالِك لأسبابٍ كثيرة، أبرزُها نيّته أن يُعيد افتتاحَ المستشفى من جديدٍ ويعودَ إلى العمل في منطقةٍ تفتقد في محيطها الواسع وجودَ مستشفى “فعلي”، ويَسكُنُها اليوم أكثر من 50000 صيداوي. مهما تكُن المشكلاتُ والأسباب، فهي تبقى “أصغر” من تظافرِ جهودِ غُيُورين وتوافرِ كفاءاتٍ لا تفتقدُها المدينة، للاجتماعِ بنيّةٍ طيبةٍ تحت سقفٍ واحد، للتفكيرِ بالطرُقِ الأَمثَل لإحياءِ مستشفى المدينة التي هي بحاجةٍ إليها. لماذا لا يُصار مثلًا إلى تشكيلِ شركةٍ مُساهمة، للاستحصال على رأس مالٍ تشغيليٍّ وافرٍ لهذا الصرح الطبيّ، يُشارك فيها كلّ مَن يرغبُ على شكلِ أسهُم ومساهماتٍ ولو حتى عينيّة، بإشراف لجنةٍ موثوقةٍ من خبراءَ ومهنيّين محترفين في هذا المجال، على غرارِ ما يجري في كلّ أنحاء العالم؟ لجنةٌ بتدقيقٍ ماليٍّ ومهنيٍّ شفاف، تحفظُ حقوقَ المساهمين وتدير مرفقًا بطريقٍ خدماتيّة مربحة. والأفكارُ كثيرةٌ في هذا المجال. هي صرخةٌ تطلقُها "البوست" لأجلِ صيدا وأهلها، آملين أن تُلاقِيَ آذانًا صاغيةً وعقولًا راجحةً ونيّاتٍ طيبة، لا تُضطرّنا لاحقًا إلى كشفِ الجهاتِ التي تُعرقل انطلاقَ هذا المشروع وافتتاحَه لأسبابٍ حقيرةٍ تافهةٍ سخيفة، تضرّ بصيدا وأهلِها لأهواءٍ شخصيةٍ وكسلٍ لا يُغتَفَر.
“مَن ينسى التاريخَ محكومٌ عليه أن يعيشه مرةً أخرى”جورج سانتايانا في عام 1492، لم تكن قطرةُ الماء مجرّد عنصرٍ طبيعيّ في البيوت الأندلسيّة، بل صارت شاهدَ إثباتٍ على الحياة أو الموت. هكذا كانت محاكمُ التفتيش الإسبانيّة تُراقب أدقَّ تفاصيلِ الحياةِ اليوميّة، حيث تحوّل استهلاكُ الماء إلى مؤشّرٍ خطيرٍ يحدّد مصيرَ الأسر المسلمة. من يقتصد في استخدامه يُعتبر مسيحيًّا “مُخلِصًا”، ومن يستهلكه بوفرةٍ ـ للوضوء والغُسل ـ يُشتبَه في كونه مسلمًا متخفّيًا، ليواجه مصيرًا مأساويًّا بين اللهب والسيف.لكن السؤال الذي يطرح نفسَه اليوم: هل انتهت هذه الحقبةُ المظلمة فعلاً، أم أنّها تكرّرت بأشكالٍ أكثر تطوّرًا وقسوة؟ وهل تعلّم العالم من دروس التاريخ، أم أنّه محكومٌ عليه بتكرار الأخطاء نفسها؟ محاكمُ التفتيش التكنولوجيّةالإجابة مؤلمةٌ وصادمة: لم تنتهِ محاكمُ التفتيش، بل تطوّرت وتحدثت. في إقليم شينجيانغ الصيني، يعيش أكثر من 12 مليونًا من مسلمي الإيغور كابوسًا حقيقيًّا يفوق في قسوته ما عاشه أسلافُهم في الأندلس. تحت مسمّى برّاق “معسكرات إعادة التأهيل” ـ وهو الاسمُ المهذّب للجحيم ـ يُحتجَز الملايين في مراكز اعتقالٍ مُصمّمة لمحو الهويّة الإسلاميّة بشكلٍ منهجي.لكن الأمر لا يتوقّف عند الاعتقال. في هذه المعسكرات، يُجبَر المسلم على شرب الخمر وتناول لحم الخنزير، ويُعذَّب بوحشيّة إن رفض. تُزرَع في أجسادهم شرائح إلكترونيّة للتتبّع المستمر، وتُراقب كاميرات التعرّف على الوجوه كلَّ حركةٍ في الشوارع والبيوت، بل وحتى في المساجد القليلة المتبقيّة. النساء يتعرّضنَ للاغتصاب المنهجي، والأطفال يُنتزعون من أحضان أمّهاتهم ليُربَّوا بعيدًا عن دينهم وثقافتهم في دورٍ حكوميّة. لم تنتهِ محاكمُ التفتيش، بل تطوّرت وتحدثت. في إقليم شينجيانغ الصيني، يعيش أكثر من 12 مليونًا من مسلمي الإيغور كابوسًا حقيقيًّا يفوق في قسوته ما عاشه أسلافُهم العالم الإسلامي الذي يضمّ 1.8 مليار مسلم يقف متفرّجًا على هذه الإبادة الجماعيّة، تمامًا كما فعل أسلافُه مع مسلمي الأندلس مقارنةٌ صادمة بين الماضي والحاضر | محاكم التفتيش الإسبانيّة (1478-1834) | القمع الصيني للإيغور (2017-اليوم) || مراقبة استهلاك الماء في المنازل | زرع شرائح إلكترونيّة وتتبّع رقمي شامل || التفتيش اليدوي عن المصاحف والكتب | هدم أكثر من 16,000 مسجد وحرق المصاحف || الإجبار على اعتناق المسيحيّة | فرض أيديولوجيّة الحزب الشيوعي بالقوّة || التعذيب الجسدي والحرق | التعذيب المنهجي والاغتصاب الجماعي || فصل العائلات وتهجير الأطفال | انتزاع مليون طفل من عائلاتهم || محاكم دينيّة للإدانة | معسكرات “إعادة تأهيل” للغسيل الدماغي | المصالحُ أهمّ من الإنسانيةهنا تكمن المأساة الحقيقية: العالم الإسلامي الذي يضمّ 1.8 مليار مسلم يقف متفرّجًا على هذه الإبادة الجماعيّة، تمامًا كما فعل أسلافُه مع مسلمي الأندلس قبل خمسة قرون. بل إنّ الأمر أصبح أكثر إثارةً للسخرية والألم، حيث تتسابق الحكومات الإسلاميّة لتوقيع عقود بمليارات الدولارات مع بكين، بينما تُباد شعوبٌ مسلمة كاملة على بُعد آلاف الكيلومترات.في عام 2019، وقّعت 37 دولة على رسالة تؤيّد سياسات الصين في شينجيانغ، من بينها 16 دولة إسلاميّة تشمل السعوديّة ومصر وباكستان والإمارات. هذا بينما كانت التقارير الدوليّة تكشف عن اعتقال أكثر من مليون إيغوري في معسكرات الاعتقال. إنّها لحظة تاريخيّة مخزية تكشف عن انحطاطٍ أخلاقيّ لم يشهده العالم الإسلامي من قبل.وكما لو أنّ الأمر لا يكفي، تتكرّر المأساة نفسها في غزّة أمام أعيننا، حيث يُقتَل الأطفال والنساء يوميًّا، بينما تكتفي الأنظمة العربيّة والإسلاميّة بالبيانات الاستنكاريّة والمؤتمرات الصحفيّة الفارغة. التاريخ مهزلة إنّ مَن يعتقد أنّ محاكم التفتيش قد أصبحت مجرّد ذكرى من الماضي هو واهمٌ تمامًا. إنّها تتكرّر اليوم بوحشيّة أكبر وأدوات أكثر تطوّرًا وفتكًا: من تكنولوجيا المراقبة والذكاء الاصطناعي إلى المعسكرات المحصّنة والتعقيم القسري. وكما فشل العالم في إنقاذ مسلمي الأندلس، فإنّه اليوم إمّا عاجزٌ أو متواطئ صراحةً في قضيّة الإيغور.لكن المأساة تكتسب بُعدًا هزليًّا مؤلمًا عندما نرى أنّ بعض المسلمين لا يكتفون بالصمت، بل يتعاملون اقتصاديًّا ويتعاطفون سياسيًّا مع جلاديهم، وكأنّ التاريخ لم يكتفِ بتكرار نفسه كمأساة، بل أصرّ على أن يعود كمهزلةٍ سوداء.في الماضي، كان لدى المسلمين عُذر المسافة والجهل بما يحدث. أمّا اليوم، في عصر الإنترنت والأقمار الصناعيّة، فلا عُذر لأحد. كلّ صورة، وكلّ شهادة، وكلّ تقرير متاحٌ بضغطة زر. لكن يبدو أنّ الضمير الجمعي قد مات، وأنّ الكرامة الإنسانيّة صارت سلعةً تُباع وتُشترى في أسواق السياسة والاقتصاد. السؤال الأهم: متى سيستيقظ العالم الإسلامي من غيبوبته؟ ومتى ستعود إليه كرامتُه المفقودة؟ أم أنّنا محكومون بأن نشهد محاكمَ تفتيشٍ جديدةً كلّ بضع قرون، بينما نكتفي بالبكاء على الأطلال؟ الوقتُ ينفد، والتاريخُ لا ينتظر أحدًا.
كُلِّف الذكاء الاصطناعي بإدارة السلطة التنفيذيّة في لبنان؟ واستقال وزراء الحكومة لصالح حكومة من خوارزميّات؛ لا طائفة، لا حزب، ولا زعيم يوزِّع المناصب. وزير الأشغال برنامجٌ دقيق يوزِّع الحُفَر بالتساوي على الطرقات، ووزير التربية تطبيقٌ يُرسِل إشعارًا عند تحديث المناهج، أمّا وزير المالية فهو آلة لا تعرف المحسوبيّة، بل أرقامٌ صُلبة لا تُجامل أحدًا معيار النزاهة والحوكمة وفق مؤشّر مدركات الفساد (Transparency International)، يحتل لبنان المرتبة 154 من أصل 180 دولة عام 2024. وبينما السياسيّون يتبادلون الاتهامات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطبِّق الحياد التام ويضمن الشفافية المطلقة، حيث تصبح كلّ القرارات قابلة للتدقيق الرقمي، بلا محاصصة أو ولاء طائفي. المفارقة هنا أنّ آلة قد تكون أكثر نزاهة وإنسانيّة من حكومة بشريّة “تُراعي مصالح الطائفة قبل الوطن”. الكفاءة الاقتصاديّة: نموذج وزارة الماليّة لو أُسنِدت حقيبة الماليّة إلى وزير اصطناعي، فإنّه سيواجه دينًا عامًّا يقارب 97 مليار دولار (2025)، أي أكثر من 190% من الناتج المحلّي. في حين أنّ وزراء لبنان السابقين اشتهروا بدوران العجز كألعاب بهلوانيّة، سيعتمد الوزير الرقمي معايير صندوق النقد الدولي لإعادة الهيكلة، مع خطة لتقليص العجز إلى أقل من 3% خلال خمس سنوات. التهرّب الضريبي، الذي يُكلِّف الدولة نحو 5 مليارات دولار سنويًّا، لن يُحَلّ بالخطابات، بل بتقنيات تتبّع رقميّة مثل Blockchain. سعر الصرف، حيث تتعدّد الأسعار الرسميّة وغير الرسميّة، سيخضع لمنصّة موحّدة متوافقة مع بازل III للرقابة المصرفيّة. كما ستُدار السندات والأسواق الماليّة عبر تحليلات تنبؤية تقلّل خطر الانهيارات المفاجئة، بما يُذكِّر بفقاعات 2019. التحدّيات الواقعيّة لكن لبنان يحتل المرتبة 118 من أصل 140 دولة في مؤشر الجاهزيّة التكنولوجيّة (WEF)، ما يجعل استمرار حكومة إلكترونيّة في بلد يعاني من انقطاع الكهرباء والإنترنت يوميًّا، تحدّيًا كبيرًا. كما أنّ السيادة الوطنيّة تُطرَح هنا: هل يقبل اللبنانيّون إدارة ماليّة دولتهم بخوارزميّات مُطوّرة خارجيًّا؟ أمّا الطبقة السياسيّة التقليديّة فلن تسمح بتسليم السلطة لآلة تُحرِّر القرار من زعماء الطوائف. فجدار المقاومة ضدّ التغيير لن يكون تقنيًّا، بل سياسيًّا واجتماعيًّا. البعد القانوني والدستوري الدستور اللبناني (مادة 17) ينص على أنّ السلطة التنفيذيّة موكولة إلى مجلس الوزراء. إذا استُبدل الوزراء ببرمجيّات، يُطرَح السؤال: هل للذكاء الاصطناعي أهليّة دستوريّة؟ بعض الدول منحت الروبوتات جنسيّة رمزيّة، لكن الاعتراف بوزير إلكتروني لم يحدث بعد. الحكومة هنا تصبح مسرحيّة عبثيّة: لا تُستدعى للاستجواب، ولا تحتاج حصانة، ولا تغيب عن اجتماعات مجلس الوزراء بسبب عطلة طائفيّة. التوقّعات والتغييرات الإيجابيّات: قرارات خالية من الفساد والمحسوبيّة، سياسات اقتصاديّة شفافة، إدارة رشيدة للبيانات الضخمة، وقدرة على تخفيف الفقر الذي يطال أكثر من 80% من اللبنانيّين. السلبيّات: غياب الحسّ الإنساني، مخاطر القرصنة، وإقصاء القوى السياسيّة ممّا قد يولِّد صدامًا جديدًا، هذه المرّة بين البشر والآلة، لا بين الطوائف. لبنان بين وهم الآلة وحقيقة الإنسان قد تبدو حكومة الذكاء الاصطناعي في لبنان يوتوبيا رقميّة تُسقِط أوهام الفساد والمحاصصة، لكنها في النهاية مرآة للمجتمع. إذا ظلّ الإنسان أسيرًا ولاءاته الطائفية، فإن حتى الآلة قد تُستَغل لتكرار النمط القديم نفسه. قد تنجح في إدارة الماليّة والأرقام، لكنها ستقف عاجزة أمام السياسة الحقيقيّة، حيث لا خوارزمية قادرة على برمجة نزعة الزعامة أو تعطّش السلطة. في لبنان، تبدو الآلة أذكى من بعض البشر، لكنها لن تكون أعظم منهم إلا إذا غيَّر المجتمع قواعد اللعبة نفسها.