لم يعد المخطّط قابلًا للإنكار. تُفكَّك الأونروا من الداخل، عبر طاقم إدارة عليا من أوروبا الغربية، يواصل استخدام لغةٍ إنسانية، بينما يفرض عقابًا جماعيًا على الفلسطينيين—كثيرون منهم ينعون أفرادًا من عائلاتهم قُتلوا على يد الحكومة ذاتها التي تخدم هذه الإجراءاتُ أهدافَها السياسية. لم يُبدِ أيّ مديرٍ أو مسؤولٍ رفيعٍ من أوروبا الغربية داخل الأونروا شجاعةً أخلاقية لوقف هذه الأفعال. لم يعترض أحد. لم يرفض أحد تنفيذها. يحتفظ هؤلاء بمناصبهم عبر تنفيذ القرارات بلا مساءلة أو مقاومة. ولاؤهم ليس للولاية ولا للاجئين الفلسطينيين، بل لبقاء المؤسسة. وبهذا المعنى يعملون كمرتزقة: مجزِيّو الأجر، محصَّنون من العواقب، ويُقدَّرون فقط لامتثالهم. أمّا المفوض العام، فلا شيء يخسره. تنتهي ولايته في آذار/مارس 2026. خروجه مضمون، وكذلك—على الأرجح—المقرّبون منه. تُتَّخذ القرارات بيقينٍ أن العواقب لن تلحق—بل على العكس: قد تُكافأ، وتُستوعَب في مناصب أخرى، وتُعوَّض من حكوماتٍ غربية تواصل دعم إبادة الشعب الفلسطيني، ويُعاد تموضعها داخل منظومة الأمم المتحدة لمواصلة الممارسات التمييزية نفسها، تحت لافتاتٍ مؤسسية مختلفة. إنّ قرار إنهاء خدمات 650 موظفًا فلسطينيًا في يومٍ واحد، في الأسابيع الأخيرة من ولاية المفوض العام، غير مسبوق في تاريخ الأمم المتحدة والأونروا. إجراءٌ بهذا الحجم، لا رجعة فيه، ومُنفَّذ قبيل نهاية ولاية تنفيذية، يثير أسئلةً جدية حول مشروعية استمرار تمكين المفوض العام من ممارسة سلطة تنفيذية مطلقة. حين يُسارع مسؤولٌ رفيع إلى قراراتٍ لا رجعة فيها بهذا الاتساع قبيل الرحيل، لا يعود الأمر «تقديرًا إداريًا»، بل إساءة استخدام للسلطة ترقّبًا للخروج. يستوجب هذا السلوك التدقيق، لا في القرار وحده، بل في الظروف التي اتُّخذ فيها: هل قُدّمت تطمينات؟ هل جرى تحييد العواقب مسبقًا؟ هل عُلِّقت المساءلة فعليًا؟ في أيّ سياقٍ مؤسسيّ آخر، كانت هذه الظروف ستستدعي تقييدًا فوريًا، أو رقابة، أو سحبًا للتفويض. فأين الأمين العام للأمم المتحدة من كلّ ذلك؟ ما المبرر للسماح لمفوضٍ عامّ على وشك المغادرة، فيليب لازاريني، باتخاذ قراراتٍ تاريخية في أشهره الأخيرة، بعواقب ستطول زمنًا وتُلقى كاملةً على عاتق الموظفين الفلسطينيين؟ في الأساطير، حين تخلّت القوّة عن الإنسانية، كان بروميثيوس من تحدّاها؛ سرق النار وهو يعرف الثمن—لا طلبًا للاعتراف ولا إذنًا—بل لأن البقاء استلزم الفعل. لم ينتظر الإجماع. تحرّك لأن اللافعل كان يعني الدمار. فمن سيتحرّك من أجل موظفي الأونروا الفلسطينيين؟من سيتحدى الآلة بدل الاستمرار في خدمتها؟من سيتدخّل حين تُسلَّح القانونية ويُستعمل الإجراء لمحو سبل العيش؟ يُمحى موظفو الأونروا الفلسطينيون بينما يشاهد العالم ذلك في الزمن الحقيقي. بعضهم يدفن عائلته. آخرون ينامون في ملاجئ. والآن يُبلَّغون رسميًا—وبأدب—وبمفعولٍ فوريّ، بأنّ سبل عيشهم لم تعد مسموحة بالبقاء. هكذا تُقتل الولاية: بهدوء، وبمكر، ومن الداخل، على يد المسؤول نفسه، السيد لازاريني، المكلّف بحمايتها، في انتهاكٍ مباشر للقَسَم المرتبط بمنصبه. فأين بروميثيوس الآن؟ من سيتحدى القوّة حين يتطلّب البقاء ذلك، بدل إدارة الأذى باسمها؟ يقوم النظام الإنساني على مبدأٍ واحدٍ غير قابل للتفاوض: عدم إلحاق الضرر. ما يجري هنا هو قلبٌ متعمَّد لهذا المبدأ: إلحاق مزيد من الضرر—إنهاء المزيد من وظائف الفلسطينيين، تجريد سبل العيش، تعميق التهجير، ومواءمة القرارات الإدارية مع الهدف المُعلن للحكومة الإسرائيلية بتفكيك الأونروا وتقليص الوجود الفلسطيني في غزة. نعم: إلحاق مزيد من الأذى، بمنهجية وبقصد، رسالة إنهاءٍ تلو أخرى.لا لأنّه قانوني. ولا لأنّه حتمي. بل لأنّ من يصرّح به محصَّن من العواقب، ويحسب أنّ الأرواح والعمل والحقوق الفلسطينية يمكن إطفاؤها إداريًا بلا كلفة. هكذا يشارك مسؤولون كبار، مثل لازاريني، في عملية المحو: باختيار الأذى، وتفويضه على الورق، وفرضه دون إطلاق رصاصة واحدة. سيتذكّركم الفلسطينيون لأنّكم فشلتم في حمايتهم، وفشلتم في صون الولاية الموكلة إليكم، واخترتم عن وعيٍ إلحاق الأذى بهم—لا فرق في النهاية بينكم وبين من يعلن عداوته لهم صراحة.
لم تعد الغارات مشهداً بعيداً عن خرائط الأخبار، ولا الدمار خبراً محصوراً في أطراف الصراع. فمع الغارة الجوية التي استهدفت محيط مستشفى الراعي بعد منتصف الليل، بدا أنّ مدينة صيدا دخلت عملياً دائرة الخطر المباشر، وأنّ ما كان يُصنَّف حتى الأمس القريب «محيطاً آمناً» بات اليوم ضمن بنك الاستهداف، في إشارة مقلقة إلى انتقال النار خطوة إضافية نحو قلب المدينة. وقالت المصادر إنّ دويَّ انفجارٍ قويٍّ سُمِع في أحياءٍ واسعةٍ من المدينة، فيما هرعت فرقُ الإسعاف والدفاع المدني إلى الموقع، وسط معلوماتٍ أوليّة عن أضرارٍ كبيرة في الممتلكات، وتضرّر واجهاتٍ ومحالّ مجاورة، في حين لم تصدر حصيلةٌ رسميّة نهائيّة، حتى لحظة إعداد هذا الخبر، حول الإصابات أو الضحايا. وبحسب المعطيات الأوّليّة، فُرِض طوقٌ أمنيٌّ في محيط المكان لتسهيل عمل فرق الإنقاذ وإزالة الردم، فيما يستمرّ التحقّق من تفاصيل الاستهداف والجهة التي نفّذته، بانتظار بياناتٍ رسميّة من الجهات المعنيّة.
لم يكن رئيس البلدية مصطفى حجازي يمثل نفسه عندما توجه أمس إلى إدارة مرفأ صيدا، بل كان يمثل كل صيدا، مع أعضاء المجلس البلدي الذين جاءوا معه. ما جرى معه من تجاهل فاضح وعدم احترام للأصول ليس حادثًا عابرًا، بل إهانة علنية تستحق المحاسبة ومساءلة المسؤولين عنها. حين يأخذ رئيس بلدية منتخب موعدًا لمناقشة شؤون المدينة مع رئيس مجلس إدارة المرفأ، فهذا يعني عمليًا أن صيدا بأكملها توجهت لمرفئها لتقول كلمتها. لكن أن يُوضع رئيس بلدية العاصمة الثالثة للبنان، في مقعد الانتظار خارجاً، أمام موظف، ثم يدخل وحيداً دون من معه، فهذا إهانة صريحة تصل إلى حد السفه الإداري. اللقاء هنا بين سلطة منتخبة من الشعب وموظف رسمي، يبقى موظفاً مهما علا شأنه، فكيف إذا كان موظفا برتبة رئيس مرفأ خردة؟ هذا التعاطي المرفوض لا يطال شخصية رئيس البلدية فحسب، بل يمس كرامة المدينة بأكملها. إنها صفعة رمزية على وجه المدينة بأكملها… وعلى وزير الأشغال العامة والنقل أن يسارع إلى محاسبة موظفه، قبل أن يبادر الناس إلى القيام بهذه المهمة بكل ترحاب.