بينما يتردّد صدى الانفجارات في كاراكاس، وتتجمّد شاشاتُ الأخبار العالميّة على صورة الرئيس نيكولاس مادورو وهو مُحتجَز، يطرح سؤالٌ افتراضيٌّ نفسه في أروقة السياسة والتحليل: ماذا لو كان الرجلُ الذي بدأ كلَّ شيء، هوغو شافيز، لا يزال على قيد الحياة في قصر ميرافلوريس اليوم؟هل كانت إدارةُ ترامب لتجرؤ على تنفيذ «عمليّة الرمح الجنوبي» بهذه الجرأة، وهل كان مصير «القائد» الفنزويليّ مشابهاً لمصير خليفته؟ من المستحيل تقديمُ إجابةٍ قاطعة، لكنّ تحليلَ شخصيّة شافيز وسياسته الخارجيّة، ومقارنتها بالظروف التي أدّت إلى الهجوم على فنزويلا، يرسم ملامحَ سيناريوهين متناقضين. الكاريزما التي تحُول دون الغزو يجادل أنصارُ هذا الرأي بأنّ هوغو شافيز لم يكن مجرّد رئيس دولة؛ بل كان ظاهرةً سياسيّة. كانت كاريزمتُه وقدرتُه على حشد الجماهير وتوحيد اليسار في أميركا اللاتينيّة تُشكّل درعاً واقياً لم يكن يمتلكه مادورو. في عهد شافيز، لم تكن فنزويلا معزولة. كانت محوراً لكتلةٍ إقليميّة (تحالف ألبا) مدعومةٍ بعائدات النفط السخيّة، وكانت تربطه علاقاتٌ شخصيّة قويّة مع قادةٍ من البرازيل إلى الأرجنتين. إنّ أيّ هجومٍ مباشر على شافيز كان سيُقابَل بإدانةٍ إقليميّة أوسع نطاقاً وأكثر حدّة. وكان من الممكن أن يؤدّي إلى أزمةٍ دبلوماسيّة كبرى، وربّما حتّى اضطراباتٍ اقتصاديّة إذا ما قرّرت دولٌ أخرى الانضمام إلى فنزويلا في اتّخاذ إجراءاتٍ مضادّة. علاوةً على ذلك، كان شافيز يتمتّع بدعمٍ شعبيٍّ حقيقيٍّ وأعمق بكثير من مادورو، ما يعني أنّ أيّ محاولةٍ لاختطافه أو الإطاحة به كانت ستواجه مقاومةً شعبيّة شرسة، لا مجرّد استنكارٍ من جيشٍ منقسم. على الصعيد الدولي، بنى شافيز علاقاتٍ استراتيجيّة مع روسيا والصين في وقتٍ مبكر. هذه القوى، التي كانت ترى في شافيز حليفاً قويّاً وموثوقاً في «الفناء الخلفي» لأميركا، ربّما كانت لتُقدّم دعماً سياسيّاً واقتصاديّاً وعسكريّاً أكثر حسماً لردع أيّ مغامرةٍ أميركيّة. وكان خطابه المناهض للإمبرياليّة، الذي ألقاه بحماسةٍ من على منبر الأمم المتّحدة، سيتردّد صداه بقوّةٍ أكبر، ما يجعل الكلفةَ السياسيّة لأيّ تدخّلٍ أميركيّ باهظةً للغاية. التحدّي الذي كان سيُعجِّل بالصدام على الجانب الآخر، يرى محلّلون أنّ شخصيّة شافيز الناريّة والمواجهة كانت ستؤدّي إلى النتيجة نفسها، وربّما بسرعةٍ أكبر. لم يكن شافيز ليتعامل مع الضغوط الأميركيّة المتزايدة بالقدر نفسه من البراغماتيّة الحذِرة التي أظهرها مادورو في بعض الأحيان. وعلى الأرجح، كان سيردّ على كلّ عقوبةٍ وكلّ تهديدٍ بتحدٍّ أكبر وخطابٍ أكثر التهاباً. إنّ «عمليّة الرمح الجنوبي»، التي برّرتها واشنطن بالحرب على شبكات تهريب المخدّرات المزعومة («كارتل الشموس»)، كانت ستجد في شافيز هدفاً مثاليّاً. لطالما وُجّهت اتّهاماتٌ مماثلة لنظامه، وكان شافيز، على عكس مادورو، ليردّ على هذه الاتّهامات بهجومٍ شخصيٍّ مباشر على الرئيس الأميركي، ما كان سيغذّي روايةَ واشنطن عن وجود «دولةٍ مارقة» يجب التعامل معها. كانت سياسةُ حافّة الهاوية التي اتّبعها شافيز ستجعل من الصعب على حلفائه الإقليميّين والدوليّين الدفاعَ عنه دون الانجرار إلى مواجهةٍ مباشرة مع الولايات المتّحدة. وفي ظلّ إدارة ترامب التي لا تتسامح مع التحدّيات المباشرة، كان من الممكن اعتبار خطاب شافيز استفزازاً لا يمكن السكوت عنه، ما يعطي الضوء الأخضر لعمليّةٍ عسكريّة كانت تبحث عن ذريعة. وجود هوغو شافيز كان سيُغيّر ويبقى السؤال مفتوحاً. من المرجّح أنّ وجود هوغو شافيز كان سيُغيّر ديناميّات الأزمة بشكلٍ كبير. كان سيجعل العمليّة العسكريّة الأميركيّة أكثر خطورةً وكلفةً سياسيّة، وكان سيحشد معارضةً دوليّة وإقليميّة أقوى. لكن، في الوقت نفسه، كانت طبيعته الصداميّة وعداؤه العميق للولايات المتّحدة قد يجعلان المواجهةَ العسكريّة حتميّة. ربّما لم يكن ليتمّ اختطافه بهدوءٍ نسبيّ كما حدث مع مادورو. وربّما كانت كاراكاس ستشتعل في مقاومةٍ شعبيّة، أو ربّما كانت الأزمة لتتصاعد إلى مواجهةٍ دوليّة أوسع. الشيءُ الوحيد المؤكّد هو أنّ شبحَ هوغو شافيز، بكاريزمته وتحدّيه، سيظلّ يحوم فوق سماء فنزويلا، مذكّراً العالم بأنّ التاريخ لا يصنعه الرجال العاديّون، بل تصنعه الشخصيّات الاستثنائيّة التي تجرؤ على تحدّي النظام القائم، بغضّ النظر عن العواقب.
حين يُطرَح اسمُ رئيسِ دولةٍ في سياقِ الاعتقال أو الملاحقة خارجَ حدودِ بلاده، لا يعودُ السؤالُ محصورًا في مصيرِ شخص، بل يتّسعُ ليطالَ جوهرَ النظامِ برمّتِه: هل يتوقّفُ الحُكم إذا غابَ الحاكم؟ وهل تنهارُ الدولةُ إذا أُزيحَ رأسُها، أم تستمرّ كما لو أنّ شيئًا لم يحدث؟ ما يُثارُ اليوم حولَ فنزويلا ورئيسِها نيكولاس مادورو، بعيدًا عن تفاصيلِه القانونيّة والسياسيّة، يعيدُ إلى الواجهة سؤالًا فلسفيًا قديمًا بقِدمِ السّلطة نفسها: مَن هو المهمُّ حقًّا في الحُكم؟الشخصُ الذي يتجسّدُ فيه القرارُ والشرعيّةُ والهيبة؟ أم المؤسّسةُ التي يُفترضُ أن تحكمَ باسمِ الشّعب، وتبقى بعدَ ذهابِ الأفراد؟ هذا السؤالُ ليس ترفًا نظريًا، بل امتحانٌ قاسٍ للدّول، يظهرُ بوضوحٍ عند الأزماتِ الكبرى، وعند اهتزازِ القادة أو غيابِهم القسريّ. فالدولةُ التي تُختَزلُ في شخصٍ واحد، تُصابُ بالشّلل حين يُمسّ هذا الشّخص، أمّا الدولةُ التي تحكمُها مؤسّساتٌ راسخة، فتتعاملُ مع الحدثِ كاختبارٍ صعب… لا كنهايةِ الطّريق.من هنا، لا تبدو قضيّةُ مادورو مسألةً فنزويليّةً خالصة، بل مرآةً تعكسُ إشكاليّةً أعمق في أنظمةِ الحُكم الإنسانيّ. منذ أن نظّم البشرُ أنفسَهم في مجتمعات، دارَ جدلٌ فلسفيٌّ عميق حول حجرِ الزّاوية الذي يجبُ أن يرتكزَ عليه الحُكمُ الرّشيد: هل هو القائدُ الفذّ، الشّخصيّةُ المُلهِمة ذاتُ الحكمةِ والكاريزما؟ أم هي المؤسّسةُ القويّة، النظامُ المُحكَم الذي يعملُ بقوانينَ وإجراءاتٍ ثابتةٍ لا تتأثّرُ بالأفراد؟هذا السؤالُ ليس مجرّد ترفٍ فكريّ، بل هو جوهرُ الصّراع بين نماذجِ الحُكم المختلفة عبرَ التّاريخ، وهو الذي يحدّدُ مصيرَ الدّول واستقرارَ حياةِ البشر. رهانٌ على الاستثناء يزخرُ التّاريخ بقصصِ القادةِ العظام الذين غيّروا مجرى التّاريخ بفضلِ صفاتِهم الشّخصيّة. من “الملكِ الفيلسوف” في جمهوريّةِ أفلاطون، الذي رأى أنّ الحُكم يجبُ أن يكونَ في يدِ مَن يمتلكُ المعرفةَ والحكمةَ المطلقة، إلى القادةِ المُلهِمين في العصرِ الحديث الذين بنَوا أُممًا أو قادوا ثورات.تعتمدُ هذه النّظرةُ على فكرةِ أنّ الفردَ الاستثنائيّ، بعبقريّتِه ورؤيتِه الأخلاقيّة، هو القادرُ على تجاوزِ جمودِ القوانين واتّخاذِ القراراتِ الصّائبة التي تعجزُ عنها الأنظمةُ البيروقراطيّة. هذا النّموذجُ يرى في المؤسّسة مجرّد أداةٍ في يدِ القائد. فالمؤسّسةُ بلا قائدٍ حكيم تصبحُ آلةً صمّاء، وقد تتحوّلُ إلى عقبةٍ أمامَ التّقدّم. ويرى أنصارُ هذا الفكر أنّ الأزماتِ الكبرى واللّحظاتِ التّاريخيّة الحاسمة لا تتطلّبُ تطبيقَ القواعد، بل تتطلّبُ شجاعةَ فردٍ ورؤيةً استثنائيّة.إلّا أنّ هذا الرّهانَ على الفرد محفوفٌ بالمخاطر. فماذا يحدثُ عند غيابِ هذا القائد أو موتِه؟ وماذا لو تحوّلت عبقريّتُه إلى طغيان، وقوّتُه إلى أداةٍ للقمع؟التّاريخُ أيضًا مليءٌ بقصصِ القادةِ الذين بدأوا كمُنقذين وانتهوا كطغاة، مستغلّين غيابَ المؤسّساتِ القويّة التي يمكنُ أن تكبحَ جماحَهم. إنّ الثّنائيّةَ بين الفردِ والمؤسّسة هي في حقيقتِها ثنائيّةٌ زائفة. فالحُكمُ الرّشيد لا يمكنُ أن يقومَ على أحدِهما دون الآخر. إنّها علاقةٌ تكامليّة تُشبهُ علاقةَ الرّوح بالجسد قوّةُ المؤسّسة على النّقيضِ من ذلك تمامًا، تقفُ فلسفةُ الحُكم القائمِ على المؤسّسات. يرى هذا التّيّار، الذي تعودُ جذورُه إلى الفيلسوفِ اليونانيّ أرسطو، ومن بعدِه مفكّرو العقدِ الاجتماعيّ مثل جون لوك ومونتسكيو، أنّ الخلاصَ لا يكمنُ في انتظارِ “البطلِ المُنقذ”، بل في بناءِ نظامِ حُكمٍ قويٍّ ومستقرّ.المؤسّسةُ هنا هي مجموعةُ القوانينِ والدّساتيرِ والإجراءات التي تُنظّمُ السّلطةَ وتُوزّعُها، وتضمنُ عدمَ تمركزِها في يدِ شخصٍ واحد. المؤسّسةُ لا تشيخُ ولا تموت، ولا تقعُ فريسةً للأهواءِ الشّخصيّة أو النّزوات. إنّها توفّرُ إطارًا ثابتًا يمكنُ للجميع العملُ من خلالِه، وتضمنُ استمراريّةَ الدّولة واستقرارَها بغضّ النّظر عن هويّةِ الحاكم.في هذا النّموذج، “حُكمُ القانون” هو المبدأُ الأسمى، وليس “حُكمُ الرّجال”. فالقائد، مهما بلغت حكمتُه، هو نفسُه خاضعٌ للمؤسّسة والقانون، وليس فوقَهما.هذا النّظامُ يهدفُ إلى حمايةِ المجتمع من أسوأِ ما في الطّبيعةِ البشريّة: الميلِ إلى السّلطةِ المطلقة والفساد. لكنّ الاعتمادَ الكلّيَّ على المؤسّسات له عيوبُه أيضًا. فقد تتحوّلُ المؤسّساتُ إلى بيروقراطيّةٍ مُعقّدةٍ وجامدة، تفقدُ مرونتَها وقدرتَها على الاستجابةِ للتّحدّياتِ الجديدة.يمكنُ أن تصبحَ القوانينُ غايةً في حدّ ذاتِها، لا وسيلةً لتحقيقِ العدل، ممّا يخلقُ حالةً من الشّلل والعجز عن اتّخاذِ قراراتٍ حاسمةٍ في أوقاتِ الأزمات. لا فردَ بلا مؤسّسة، ولا مؤسّسةَ بلا روح إنّ الثّنائيّةَ بين الفردِ والمؤسّسة هي في حقيقتِها ثنائيّةٌ زائفة. فالحُكمُ الرّشيد لا يمكنُ أن يقومَ على أحدِهما دون الآخر. إنّها علاقةٌ تكامليّة تُشبهُ علاقةَ الرّوح بالجسد. المؤسّسةُ هي الهيكلُ العظميّ للدّولة؛ فهي توفّرُ الإطارَ الصّلب الذي يمنحُ الدّولةَ شكلَها واستقرارَها، ويحميها من الانهيار. وبدونِ مؤسّساتٍ قويّة (قضاءٍ مستقلّ، برلمانٍ فاعل، جيشٍ وطنيّ، إدارةٍ شفّافة)، يصبحُ الحُكمُ مجرّدَ ممارسةٍ عشوائيّة للسّلطة، عُرضةً للانهيار مع أوّلِ أزمة. أمّا الفردُ، فهو الرّوحُ التي تبثُّ الحياةَ في هذا الهيكل. إنّ القادةَ ذوي الرّؤية والأخلاق هم مَن يمنحون المؤسّسات غايتَها ومعناها. هم الذين يُجدّدونها ويُطوّرونها لتواكبَ العصر، ويستخدمون الإطارَ القانونيّ لتحقيقِ العدالة والازدهار، لا لتقييدِ المجتمع.القائدُ الحكيم لا يعملُ خارجَ المؤسّسة، بل من خلالها، مستخدمًا صلاحياتِه لتقويتِها وتفعيلِها. في نهايةِ المطاف، الدّولةُ الأكثرُ نجاحًا واستقرارًا هي تلك التي تنجحُ في تحقيقِ هذا التّوازنِ الدّقيق. هي الدّولةُ التي تبني مؤسّساتٍ قويّة بما يكفي لترويضِ طموحِ أقوى الأفراد، وفي الوقتِ نفسِه تكونُ مرنةً بما يكفي للسّماح للأفراد الموهوبين وذوي الرّؤية بقيادتِها نحو مستقبلٍ أفضل. إنّ التّحدّيَ الأبديَّ للحضارةِ الإنسانيّة يكمنُ في بناءِ نظامٍ لا يعتمدُ على فضيلةِ الحاكم وحدَها، بل يُشجّعُ على ظهورِ هذه الفضيلة، ويحمي المجتمعَ من غيابِها.
ما جرى في كراكاس صباح اليوم ليس حادثة، بل تذكيرٌ قاسٍ بقانونٍ قديم لم يُلغَ: لا سيادة لمن يخرج عن الطاعة. الإمبريالية لا تعاقب الدول الضعيفة، بل الدول التي تحاول أن تكون مستقلّة. وكلّ من يصدّق أنّ زمن الهيمنة انتهى، عليه أن ينظر جيّدًا إلى الخرائط… وإلى دفاتر الديون. تُعَدّ الإمبريالية واحدةً من أكثر المفاهيم تأثيرًا وجدلاً في التاريخ الحديث. فهي ليست مجرّد فصلٍ من فصول كتب التاريخ عن إمبراطورياتٍ قديمة، بل قوّةٌ ديناميكيّة غيّرت شكل العالم، ورسمت خرائطه، وما زالت تُلقي بظلالها على العلاقات الدوليّة والسياسة والاقتصاد في عصرنا الحالي، وإن بأشكالٍ وأقنعةٍ جديدة.لفهم عالم اليوم، لا بدّ من فهم الإمبريالية: ما هي؟ وكيف نشأت؟ في جوهرها، الإمبريالية (Imperialism) هي سياسة أو أيديولوجيا تهدف إلى بسط نفوذ دولةٍ قويّة (تُسمّى المتروبول أو المركز) على أراضٍ أو شعوبٍ أخرى (تُسمّى المستعمرات أو الأطراف).ولا يقتصر هذا النفوذ على السيطرة العسكريّة والسياسيّة المباشرة، بل يمتدّ ليشمل الهيمنة الاقتصاديّة والثقافيّة، بحيث يكون الهدف النهائي هو استغلال موارد وخيرات الشعوب المُسيطَر عليها لخدمة مصالح الدولة المهيمنة. وعلى الرغم من أنّ ظاهرة الإمبراطوريات قديمةٌ قِدم الحضارة (مثل الإمبراطوريّة الرومانيّة أو الفارسيّة)، فإنّ الإمبريالية كمفهومٍ حديث ارتبطت بشكلٍ وثيق بالثورة الصناعيّة في أوروبا خلال القرن الـ19. ويمكن تلخيص دوافع نشأتها في المحاور الآتية: دوافع اقتصاديّة الحاجة إلى المواد الخام: كانت المصانع الأوروبيّة المتعطّشة بحاجةٍ ماسّة إلى موادّ خامٍ رخيصة مثل القطن، والمطّاط، والنحاس، والنفط، والتي كانت متوافرةً بكثرة في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينيّة.الحاجة إلى أسواقٍ جديدة: أنتجت الثورة الصناعيّة فائضًا هائلًا في السلع المصنّعة، ما دفع الدول الإمبرياليّة إلى البحث عن أسواقٍ جديدة لتصريف هذا الفائض، وكانت المستعمرات هي السوق المثاليّة التي تُجبَر على شراء منتجات الدولة المستعمِرة.الحاجة إلى فرصٍ استثماريّة: أدّى تراكم رأس المال لدى الشركات والبنوك الأوروبيّة إلى البحث عن أماكن جديدة لاستثمار الأموال وتحقيق أرباحٍ ضخمة، مثل بناء السكك الحديديّة والمناجم في المستعمرات. في السياسة والاستراتيجيا التنافس بين القوى الأوروبيّة: كان امتلاك المستعمرات مقياسًا لقوّة الدولة وعظمتها، فدخلت دولٌ مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا في سباقٍ محموم للسيطرة على أكبر مساحةٍ ممكنة من العالم، فيما عُرِف بـ”التدافع على أفريقيا”.المواقع الاستراتيجيّة: شكّلت السيطرة على الممرّات المائيّة الحيويّة (مثل قناة السويس)، والجزر، والموانئ، ضرورةً لتأمين طرق التجارة والتحرّكات العسكريّة. في الماضي كانت الإمبريالية تدخل من بوّابة الموانئ، واليوم تدخل من بوّابة المصارف. كانت تُسقط المدن بالقصف، واليوم تُسقط الدول بالأرقام. تغيّر المشهد، لكنّ المنطق واحد: من يملك القوّة يكتب القواعد، ومن يعجز عن المقاومة يُطالَب بالتصفيق الغطاء الأخلاقي “عبء الرجل الأبيض”: روّجت القوى الإمبرياليّة لفكرة تفوّقها العرقي والثقافي، وأنّ عليها “مهمّة حضاريّة” لنشر التقدّم والقيم المسيحيّة والتعليم بين الشعوب “البدائيّة” و”المتخلّفة”. وكانت هذه الذريعة غطاءً أخلاقيًّا يُخفي حقيقة الاستغلال الاقتصادي والسياسي.الداروينيّة الاجتماعيّة: جرى تطبيق نظرية “البقاء للأصلح” لداروين بشكلٍ خاطئ على المجتمعات البشريّة، لتبرير هيمنة العرق الأوروبي باعتباره “الأصلح” للحكم والسيطرة. الإمبريالية الجديدة (Neo-imperialism) انتهى عصر الإمبريالية الكلاسيكيّة القائمة على الاحتلال العسكري المباشر بعد الحرب العالميّة الثانية وحركات التحرّر الوطني. غير أنّ الإمبريالية لم تَمُت، بل تطوّرت وتكيّفت مع النظام العالمي الجديد، لتظهر في أشكالٍ أكثر نعومةً وتعقيدًا، تُعرَف بـ”الإمبريالية الجديدة” أو “ما بعد الاستعمار”. الإمبريالية الاقتصاديّة (الأداة الأقوى) الشركات متعدّدة الجنسيّات: تمتلك هذه الشركات ميزانيّاتٍ تفوق ميزانيّات العديد من الدول. ومن خلال سيطرتها على الصناعات الحيويّة (مثل التكنولوجيا، والأدوية، والطاقة)، تستطيع التأثير في سياسات الدول، واستغلال العمالة الرخيصة، والتهرّب من الضرائب، ما يجعل الدول النامية تابعةً اقتصاديًّا لها.المؤسّسات الماليّة الدوليّة: يُنظر إلى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في كثيرٍ من الأحيان، كأدواتٍ للإمبريالية الجديدة. فعندما تقع دولةٌ نامية في أزمة ديون، تُفرَض عليها “برامج إصلاح اقتصادي” (كالخصخصة، ورفع الدعم، وتحرير الأسواق) كشرطٍ لتقديم القروض، وهي سياسات غالبًا ما تخدم مصالح رأس المال الأجنبي على حساب التنمية المحليّة والخدمات الاجتماعيّة.الديون الخارجيّة: تُستخدَم الديون أداةً للسيطرة، إذ تفقد الدول المُثقَلة بالديون استقلاليّة قرارها السياسي والاقتصادي، وتصبح مرتهنةً للدول والمؤسّسات الدائنة. الإمبريالية الثقافيّة (غزو العقول) هيمنة الإعلام والترفيه: من خلال هوليوود، والموسيقى، والأزياء، ومنصّات التواصل الاجتماعي، تُنشَر الثقافة الغربيّة، ولا سيّما الأميركيّة، بقيمها وأنماط استهلاكها في مختلف أنحاء العالم، ما يؤدّي إلى تآكل الثقافات المحليّة، وتنميط الأذواق، وخلق رغبةٍ عالميّة في استهلاك المنتجات الغربيّة، بما يخدم الإمبريالية الاقتصاديّة.اللغة والتعليم: إنّ هيمنة اللغة الإنجليزيّة كلغةٍ عالميّة للعلم والتجارة، واعتماد النُظُم التعليميّة الغربيّة، قد يُنتج نُخبًا في الدول النامية تكون أكثر ارتباطًا بالغرب منها بمجتمعاتها المحليّة. الإمبريالية السياسيّة والعسكريّة الجديدة التدخّل العسكري تحت ذرائع إنسانيّة: بدلًا من الاحتلال المباشر، تُبرَّر التدخّلات العسكريّة بذرائع مثل “حماية حقوق الإنسان”، أو “مكافحة الإرهاب”، أو “نشر الديمقراطيّة”. وعلى الرغم من نُبل هذه الأهداف في ظاهرها، فإنّها غالبًا ما تُخفي مصالح استراتيجيّة واقتصاديّة.الحروب بالوكالة (Proxy Wars): تلجأ القوى الكبرى إلى دعم أطرافٍ متصارعة في دولٍ أخرى لتحقيق أهدافها من دون تكبّد خسائر مباشرة، ما يحوّل تلك الدول إلى ساحاتٍ لتصفية الحسابات الدوليّة.القواعد العسكريّة: يوفّر انتشار القواعد العسكريّة للدول الكبرى حول العالم قدرةً على التدخّل السريع، ويُعزّز هيمنتها الجيوسياسيّة. لم تعد الإمبريالية بحاجةٍ إلى أعلام تُرفَع، ولا إلى جنودٍ يقتحمون العواصم. يكفيها اليوم عقدُ دين، أو تقريرُ صندوق، أو شاشةٌ تُعيد تعريف الواقع. هكذا يُحتلّ العالم بصمت، وتُصادَر السيادة باسم الإصلاح، ويُعاد إنتاج العبوديّة بلغةٍ عصريّة. الإمبريالية لم تنتهِ… لقد تعلّمت فقط كيف لا تُدان.