ليست الدولة مشروعًا لإدارة السلطة فحسب، بل هي فنُّ إدارة التوازنات. وكلما ازداد الوطن تنوعًا، ازدادت حاجته إلى رجال دولة يدركون أن الحكمة ليست في الانحياز إلى طرف، وإنما في الانتصار للوطن. تلك كانت المدرسة التي جسّدها الرئيس الشهيد رفيق الحريري؛ مدرسة تؤمن بأن الدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالثقة، ولا تُحفظ بالقطيعة، بل بحسن إدارة العلاقات. كان يدرك أن لبنان ليس جزيرةً معزولة عن محيطه، وأن الجغرافيا ليست خطوطًا على الخرائط، بل قدرٌ سياسي وتاريخي. ومن هنا، فإن سورية لم تكن في نظره مجرد دولة مجاورة، بل عمقًا استراتيجيًا يرتبط بلبنان بروابط التاريخ والاقتصاد والمجتمع، كما يرتبط النهر بمنابعه. غير أن هذا الإدراك لم يكن يومًا على حساب استقلال لبنان أو سيادة قراره. السياسة الرشيدة فالسياسة الرشيدة لا تعرف التناقض بين السيادة والعلاقات الأخوية، بل تجعل من احترام السيادة أساسًا لعلاقات أكثر متانة. ولذلك، فإن المعادلة التي وضعها الرئيس رفيق الحريري، والتي تعبّر عن فلسفة الدولة، هي: لبنان لا يُحكم من سورية، ولا يُحكم ضد سورية. فأن يُحكم لبنان من خارج حدوده يعني انتقاصًا من سيادته، وأن يُبنى حكمه على معاداة سورية يعني تجاهلًا لحقائق الجغرافيا والتاريخ ومصالح الشعبين. أما الطريق الثالث، فهو طريق الدولة الواثقة بنفسها؛ الدولة التي تمتلك قرارها الحر، وتبني، في الوقت نفسه، أفضل العلاقات مع محيطها العربي على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. فرض الاحترام لقد كان رفيق الحريري يؤمن بأن الدولة القوية ليست تلك التي ترفع صوتها في وجه الجميع، بل تلك التي تجعل الجميع يحترمونها. فالاحترام لا يُنتزع بالخصومة، وإنما يُكتسب بقوة المؤسسات، وعدالة القانون، ووضوح الرؤية، وثبات القرار. في الفلسفة السياسية، لا يعيش الوطن بين خيارين متطرفين: التبعية أو العداء. فالتبعية تُضعف الإرادة الوطنية، والعداء الدائم يُقفل أبواب المستقبل. أما الاعتدال، فهو فضيلة الدول الكبرى، لأنه يجعل من الحوار أداةً لحل النزاعات، ومن المصالح المشتركة جسرًا للاستقرار. إن لبنان، بحكم رسالته، لا يستطيع أن يكون خندقًا في مواجهة أشقائه، ولا ساحةً يُدار فيها صراع الآخرين. رسالته أن يكون مساحة لقاء، وجسر تواصل، ونموذجًا لدولة عربية حرة، مستقلة، منفتحة على الجميع، ومتمسكة، في الوقت نفسه، بسيادتها الكاملة. skip render: ucaddon_material_block_quote ميزان اليوم وهذا هو الميزان الذي تحتاجه الجمهورية اليوم: سيادة لا تعرف المساومة، وعلاقات لا تعرف القطيعة، وانتماء عربي لا يتعارض مع استقلال القرار الوطني. فالأوطان لا تقوى بعزل نفسها عن محيطها، ولا تضعف حين تمد جسور التعاون من موقع الندّية والاحترام. إن إرث رفيق الحريري لم يكن مشروع إعمار للحجر فحسب، بل مشروع إعمار للعقل السياسي اللبناني؛ عقلٍ يؤمن بأن الدولة تُقاس بقدرتها على الجمع بين الثوابت والمتغيرات، وبين الكرامة الوطنية وحكمة الانفتاح، وبين استقلال القرار وحسن الجوار. وعندما ينجح لبنان في ترسيخ هذه المعادلة، يصبح أكثر قوة في الداخل، وأكثر احترامًا في الخارج، ويؤكد أن سيادته لا تُبنى على الخصومة، كما أن علاقاته لا تقوم على التبعية، بل على ميزان دقيق عنوانه: لبنان سيدٌ في قراره، عربيٌّ في انتمائه، وسورية تبقى عمقه الاستراتيجي الذي تُبنى العلاقة معها على الاحترام المتبادل، والمصلحة المشتركة، وسيادة الدولتين. الاعتدال ليس ضعفًا؛ إنه قدرة الدولة على حماية سيادتها من دون أن تحرق جسورها وفي هذا السياق، يقرأ كثيرون في مواقف الرئيس أحمد الشرع توجّهًا يقوم على التأكيد أن استقرار سورية ولبنان لا يتحقق إلا من خلال علاقة متوازنة بين دولتين سيدتين، تحكمها المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وقد عكست تصريحاته ومواقفه الداعية إلى احترام الدولة اللبنانية ومؤسساتها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، رؤيةً تنسجم مع الفلسفة التي طالما دعت إلى أن تكون العلاقة بين البلدين علاقة تعاون لا تبعية، وشراكة لا وصاية. من هذا المنطلق، تبدو المقاربة التي تقوم على أن لبنان لا يُحكم من سورية، ولا يُحكم ضد سورية، أكثر قدرةً على استيعاب التحولات التي تشهدها المنطقة. فهي لا تنكر أن سورية تمثل عمقًا استراتيجيًا للبنان، ولا تتهاون، في الوقت نفسه، مع حق اللبنانيين في أن يكون قرارهم الوطني نابعًا من مؤسساتهم الدستورية وإرادتهم الحرة. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم يكن اختيار مكة المكرمة مكانًا لتوقيع الاتفاق الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، كما أن اجتماع ثلاث دول تختلف في جغرافيتها ومصالحها وحساباتها الاستراتيجية تحت عنوان واحد هو «الدفاع المشترك» لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إضافة جديدة إلى قائمة الاتفاقيات الأمنية التي عرفتها المنطقة خلال العقود الماضية. ما جرى في مكة في السابع من أغسطس 2026 يحمل، في توقيته وأطرافه ومضمونه، رسالة تتجاوز حدود التعاون العسكري التقليدي، وتقول إن ثلاث قوى إقليمية ذات ثقل سياسي وعسكري واقتصادي بدأت تبحث عن صيغة جديدة للأمن لا تقوم بالكامل على المظلات الخارجية التي حكمت الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. مكوّنات قوة فالرياض وأنقرة وإسلام آباد ليست دولًا هامشية في الحسابات الاستراتيجية للمنطقة؛ السعودية تمتلك الثقل الاقتصادي والطاقة والموقع الديني والسياسي في العالم الإسلامي، وتركيا تمتلك جيشًا من أكبر الجيوش في حلف شمال الأطلسي، وصناعة دفاعية صاعدة، وقدرة متزايدة على التأثير في ملفات الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والقوقاز، بينما تمتلك باكستان قوة عسكرية كبيرة وقدرات نووية تجعلها مختلفة جذريًا عن معظم الدول الإسلامية. وعندما تجتمع هذه المكوّنات الثلاثة في إطار دفاعي ينص على أن الاعتداء على دولة منها هو اعتداء على الدولتين الأخريين، فإن السؤال الطبيعي يصبح: هل نحن أمام اتفاق دفاعي محدود، أم أمام محاولة لبناء نواة لنظام أمني إقليمي جديد؟ اللافت أن الاتفاق لم يأتِ من فراغ. فقد سبقه، في سبتمبر 2025، توقيع السعودية وباكستان اتفاقًا استراتيجيًا للدفاع المشترك، تعهّد بموجبه الطرفان بالتعامل مع أي عدوان على أحدهما باعتباره عدوانًا على الآخر، وهو ما منح العلاقة العسكرية بين الرياض وإسلام آباد إطارًا أكثر وضوحًا مما كان عليه الحال في السابق. كما شهد العام الحالي تطورات عسكرية عززت الطابع العملي لهذه العلاقة، بما في ذلك وصول قوات وطائرات باكستانية إلى السعودية في إطار التعاون الدفاعي المشترك. skip render: ucaddon_material_block_quote دخول تركيا لكن دخول تركيا إلى المعادلة يغيّر الحسابات بصورة كبيرة. فأنقرة ليست مجرد حليف عسكري لإسلام آباد أو شريك سياسي للرياض، بل دولة عضو في الناتو، وتمتلك صناعة دفاعية باتت لاعبًا مهمًا في الأسواق العالمية، كما أن لديها نفوذًا مباشرًا أو غير مباشر في ملفات تمتد من سوريا والعراق إلى ليبيا والقوقاز والبحر الأسود وشرق المتوسط. ولذلك، فإن وجود تركيا إلى جانب السعودية وباكستان يجعل الاتفاق أكثر تعقيدًا من أن يُفهم باعتباره مجرد «تحالف إسلامي» بالمعنى التقليدي. إنها محاولة، ربما، للجمع بين المال والطاقة والموقع الديني السعودي، والقوة الصناعية والعسكرية التركية، والقدرات العسكرية والنووية الباكستانية، في إطار واحد يمكن أن يمنح أطرافه مساحة أكبر للمناورة أمام القوى الكبرى. الأسئلة الصعبة وهنا تحديدًا تبدأ الأسئلة الصعبة. هل يستطيع هذا الاتفاق أن يتحول إلى حلف دفاعي فعلي على غرار حلف شمال الأطلسي؟ وهل يعني مبدأ «الهجوم على واحد هو هجوم على الجميع» التزامًا عسكريًا آليًا بإرسال القوات والسلاح، أم أنه سيبقى صيغة سياسية قابلة للتأويل بحسب طبيعة الهجوم والظروف الدولية؟ وما حدود الاتفاق؟ وهل يشمل الاعتداءات الصاروخية والطائرات المسيّرة والهجمات السيبرانية، أم أنه يقتصر على الحرب التقليدية؟ وهل توجد قيادة عسكرية مشتركة، أو خطط عمليات موحّدة، أو قواعد لاستخدام القوة، أم أن التفاصيل ما زالت في مرحلة التفاهم السياسي؟ هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، لأنها تحدد الفرق بين اتفاق سياسي ذي قيمة رمزية وتحالف عسكري قادر بالفعل على تغيير قواعد اللعبة. ومع ذلك، فإن مجرد ولادة الاتفاق في هذه اللحظة يحمل دلالة سياسية واضحة. فالشرق الأوسط لم يعد يعيش في البيئة الأمنية التي كانت قائمة قبل سنوات. الثقة بالمظلات الأمنية التقليدية أصبحت أكثر تعقيدًا، والدول الإقليمية باتت أكثر إدراكًا لحقيقة أن القوى الكبرى قد تكون حاضرة بقوة في لحظة، ثم تعيد ترتيب أولوياتها في لحظة أخرى. ومن هنا يأتي السعي المتزايد لدى دول المنطقة إلى بناء قدرات ذاتية وشبكات أمنية متعددة بدل الاعتماد على حليف واحد. تنوّع الشراكات السعودية، تحديدًا، تبدو في السنوات الأخيرة أكثر رغبة في تنويع شراكاتها الدولية. فهي لا تريد أن تكون علاقتها بالولايات المتحدة هي الباب الوحيد الذي تدخل منه إلى النظام الدولي، كما أنها وسّعت علاقاتها مع الصين وروسيا وقوى آسيوية وأوروبية، وفي الوقت نفسه حافظت على علاقاتها الأمنية مع واشنطن. وفي هذا السياق، يمكن قراءة الاتفاق مع تركيا وباكستان باعتباره جزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على تنويع الخيارات، لا بالضرورة قطع الجسور مع الغرب. أما تركيا، فتبدو معنية ببناء مساحة نفوذ مستقلة نسبيًا داخل العالم الإسلامي، خصوصًا في ظل امتلاكها أدوات قوة ناعمة وصلبة في آن واحد. وهي تدرك أن صناعاتها الدفاعية، من الطائرات المسيّرة إلى الأنظمة الإلكترونية والصواريخ، تمنحها ورقة نفوذ اقتصادية وسياسية تتجاوز صادرات السلاح نفسها. دخولها في اتفاق دفاعي مع الرياض وإسلام آباد قد يفتح أيضًا آفاقًا جديدة للتعاون الصناعي والتقني والتسليحي بين الدول الثلاث. أما باكستان، فإن المعادلة بالنسبة إليها أكثر وضوحًا؛ فهي تمتلك القوة العسكرية والقدرات النووية، لكنها تحتاج، في المقابل، إلى شراكات اقتصادية واستراتيجية عميقة، فيما تمثل السعودية بالنسبة إليها شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا بالغ الأهمية، وتمثل تركيا شريكًا دفاعيًا وسياسيًا متناميًا. ولذلك، يمكن لإسلام آباد أن ترى في الاتفاق فرصة لتعزيز موقعها الإقليمي، خصوصًا في ظل حساسياتها المستمرة مع الهند وحاجتها إلى توسيع شبكة علاقاتها الاستراتيجية. لكن من الخطأ اختزال الاتفاق في مواجهة طرف بعينه. قد يذهب البعض مباشرة إلى القول إن «اتفاق مكة» موجّه ضد إيران، أو ضد الهند، أو ضد إسرائيل، أو ضد النفوذ الأميركي، لكن مثل هذه القراءة السريعة قد تكون مضللة. الاتفاق، في صيغته المعلنة، يتحدث عن الردع المشترك والدفاع والأمن والاستقرار، ولم يحدد عدوًا بعينه. والقوة الحقيقية لأي تحالف دفاعي لا تُقاس بعدد الخصوم الذين يسمّيهم، بل بقدرته على بناء منظومة تجعل أي خصم يفكر مرتين قبل اختبارها. وهنا تكمن أهمية العبارة الأساسية في الاتفاق: «أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع». هذه العبارة وحدها كافية لإعادة رسم بعض الحسابات العسكرية في المنطقة، لأن أي دولة تفكر في توجيه ضربة إلى إحدى الدول الثلاث عليها، نظريًا على الأقل، أن تضع في حساباتها رد فعل دولتين أخريين؛ إحداهما قوة نووية، والأخرى قوة عسكرية إقليمية كبرى، والثالثة دولة ذات موارد اقتصادية هائلة وموقع استراتيجي وديني استثنائي. السعودية وتركيا وباكستان… التحالف الذي قد يغيّر معادلات المنطقة الردع الحقيقي لكن الردع لا يقوم على الكلمات وحدها. الردع يحتاج إلى قدرة عسكرية، وإلى إرادة سياسية، وإلى آليات تنفيذ، وإلى وضوح في تعريف الاعتداء، وإلى ثقة متبادلة بين الحلفاء. وهذه هي النقطة التي ستحدد مستقبل «اتفاق مكة». فالتاريخ مليء بالمعاهدات التي كانت تبدو قوية على الورق، ثم اكتشف العالم، عند أول اختبار حقيقي، أن التحالفات لا تُقاس بما يوقّعه القادة في القاعات
في عالم لم يعد فيه الأمن يُقاس فقط بعدد الجنود على الحدود أو بقدرة الأجهزة العسكرية على منع الهجمات، أصبحت المعلومة نفسها جزءًا من القوة، وأصبح امتلاك القدرة على قراءة المخاطر قبل وقوعها أحد أهم عناصر النفوذ في العلاقات الدولية. من هنا، ظهرت خلال العقود الماضية شبكات أمنية جديدة تعمل في المساحة الفاصلة بين الدولة والقطاع الخاص، وبين الدبلوماسية والتكنولوجيا، وبين المؤسسات الرسمية والشركات العابرة للحدود. ومن بين هذه الشبكات تبرز مؤسسة أميركية تحمل اسم Overseas Security Advisory Council، المعروفة اختصارًا بـOSAC، والتي بات حضورها في لبنان خلال السنوات الماضية يثير اهتمامًا متزايدًا بسبب طبيعة الجهات التي تتقاطع معها والملفات التي تتعامل معها. ليست مجرد منتدى OSAC ليست جهاز استخبارات أميركيًّا بالمعنى التقليدي، ولا تملك قوة تنفيذية أو صلاحيات أمنية داخل الدول التي تعمل فيها، لكنها، في الوقت نفسه، ليست مجرد منتدى تجاري أو منصة علاقات عامة. فهي مؤسسة مرتبطة بوزارة الخارجية الأميركية، وتعمل ضمن منظومة الأمن الدبلوماسي الأميركي، وتحديدًا في إطار Diplomatic Security Service، حيث تشكل حلقة وصل بين الحكومة الأميركية والقطاع الخاص والمؤسسات والمنظمات الأميركية العاملة خارج الولايات المتحدة. نشأت OSAC في منتصف الثمانينيات، في أعقاب تصاعد المخاطر التي واجهت المصالح الأميركية في الخارج، خصوصًا بعد سلسلة من الهجمات التي استهدفت دبلوماسيين وشركات ومواطنين أميركيين في مناطق مختلفة من العالم. وكانت الفكرة الأساسية تقوم على إدراك أميركي مبكر بأن حماية المصالح الخارجية لا يمكن أن تعتمد فقط على السفارات والأجهزة الرسمية، بل تحتاج إلى شبكة واسعة من الشركات والخبراء والمؤسسات التي تعمل على الأرض وتمتلك معلومات مباشرة عن طبيعة المخاطر. ولهذا تحولت OSAC، مع مرور الوقت، إلى شبكة عالمية تضم مجالس محلية في عشرات الدول، بحيث تصبح لكل بيئة أمنية خصوصيتها، ولكل دولة مجلس يتواصل مع الشركات والمؤسسات الموجودة فيها، وينقل إليها التقييمات والتحذيرات الأمنية، وفي المقابل يستفيد من خبراتها وملاحظاتها حول طبيعة المخاطر التي تواجهها. skip render: ucaddon_material_block_quote حضور في بيروت في الحالة اللبنانية، اكتسب وجود OSAC أهمية خاصة بسبب طبيعة البلد نفسه. فلبنان يقع في قلب منطقة شديدة الحساسية، تتقاطع فيها الصراعات الإقليمية مع الأزمات الاقتصادية والسياسية والأمنية، ويضم على أراضيه مؤسسات دولية وشركات أجنبية وقطاعات حيوية مرتبطة بالطاقة والاتصالات والمصارف والبنية التحتية. لذلك، فإن أي جهة تعمل في مجال إدارة المخاطر ترى في لبنان بيئة تحتاج إلى متابعة دائمة وتقييم مستمر. ومن هنا ظهر مجلس OSAC في بيروت، الذي لم يقتصر نشاطه على إصدار التقديرات الأمنية، بل تطور إلى مساحة تجمع بين السفارة الأميركية والقطاع الخاص وخبراء الأمن وممثلين عن المؤسسات اللبنانية. وخلال السنوات الماضية، ظهرت سلسلة من اللقاءات والفعاليات التي كشفت طبيعة هذه الشبكة، وأظهرت أن OSAC تتحرك في منطقة تتداخل فيها المصالح الاقتصادية مع الملفات الأمنية. في عام 2021، برز أحد اللقاءات المهمة عندما استقبل المدير العام لقوى الأمن الداخلي آنذاك، اللواء عماد عثمان، وفدًا ضم ممثلين عن السفارة الأميركية وشخصيات مرتبطة بـOSAC في لبنان. اللقاء، وفق ما نُشر، تناول سبل تعزيز التعاون، وهو ما أظهر أن المجلس لم يكن يعمل بمعزل عن المؤسسات الأمنية اللبنانية، بل كان يبني قنوات اتصال معها. وفي العام نفسه، عقد مجلس OSAC في بيروت فعالية أمنية في نادي ضباط اليرزة، شارك فيها مسؤولون أميركيون ولبنانيون، بينهم السفيرة الأميركية في بيروت آنذاك، وقيادات من الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، إلى جانب ممثلين عن القطاع الخاص. ولم تكن أهمية هذا اللقاء في مضمونه المعلن فقط، بل في طبيعة الحضور الذي جمع، ضمن إطار واحد، الدبلوماسية الأميركية والمؤسسات الأمنية اللبنانية والشركات الخاصة. هذه التركيبة تعكس التحول الذي طرأ على مفهوم الأمن في السنوات الأخيرة. فالأمن لم يعد مرتبطًا فقط بمواجهة الإرهاب أو حماية الحدود، بل أصبح يشمل قدرة الدولة والمؤسسات على الصمود أمام الأزمات المتعددة، سواء كانت أزمة طاقة، أو انهيارًا اقتصاديًّا، أو هجومًا إلكترونيًّا، أو اضطرابًا سياسيًّا. ولهذا لم يكن غريبًا أن تدخل ملفات الطاقة ضمن اهتمامات OSAC في لبنان. ففي بلد مثل لبنان، حيث تحولت أزمة الكهرباء والوقود إلى قضية تمس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي، أصبحت البنية التحتية نفسها جزءًا من الحسابات الأمنية. فتعطل قطاع حيوي لا يعني فقط خسارة اقتصادية، بل يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات واسعة تؤثر في المؤسسات والشركات والمجتمع. هذا الفهم الواسع للأمن ظهر بشكل أوضح في ملف الأمن السيبراني، الذي أصبح أحد أهم محاور عمل OSAC في العالم. ففي السنوات الأخيرة، لم تعد التهديدات تأتي فقط من جماعات مسلحة أو عمليات تفجير، بل أصبحت تأتي أيضًا من شاشات الحواسيب، عبر هجمات تستهدف المصارف والشركات والاتصالات والأنظمة الحكومية. وفي لبنان، نظمت OSAC فعاليات متخصصة حول الأمن السيبراني، شارك فيها ممثلون عن السفارة الأميركية وخبراء تقنيون ومسؤولون من مؤسسات أمنية لبنانية، من بينها الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وجهات أخرى معنية بالأمن الوطني. وتناولت هذه اللقاءات مخاطر الهجمات الإلكترونية، وبرامج الفدية، وسرقة البيانات، وحماية المؤسسات من التهديدات الرقمية. OSAC ليست جهاز استخبارات، لكنها تعمل في المساحة التي أصبحت فيها المعلومات جزءًا من القوة شبكة واسعة وهنا تظهر طبيعة OSAC بشكل أكثر وضوحًا. فالقيمة الأساسية لهذه المؤسسة ليست في امتلاكها قوة عسكرية، بل في قدرتها على بناء شبكة معلومات واتصالات بين أطراف متعددة. فهي تعمل في مجال أصبحت فيه المعلومة الأمنية عنصرًا استراتيجيًّا، وأصبح الوصول المبكر إلى التحذيرات جزءًا من القدرة على اتخاذ القرار. ومن الأسماء التي ارتبطت بمجلس OSAC في بيروت يبرز اسم Bill Maadarani، الذي ظهر بصفته رئيس القطاع الخاص في المجلس. كما يرتبط اسمه بقطاع تقنيات الدفاع والأمن. وهذا التقاطع بين العمل في المجال الأمني والقطاع الخاص والعلاقات الأميركية يجعل موقعه محل اهتمام من زاوية الشفافية وطبيعة العلاقة بين هذه الأدوار، من دون أن يعني ذلك وجود أي مخالفة أو اتهام غير مثبت. لكن وجود شخصيات تعمل عند تقاطع الأمن والاقتصاد والدفاع يفتح الباب أمام أسئلة مشروعة حول كيفية إدارة هذه الشبكات، ومن يحدد أعضاءها، وما طبيعة المعلومات التي يتم تداولها داخلها، وما حدود العلاقة بين المصالح التجارية والاعتبارات الأمنية. ليست جهاز استخبارات في المقابل، فإن وصف OSAC بأنها جهاز استخبارات أميركي يعمل في لبنان سيكون تبسيطًا لا تدعمه المعطيات المتوافرة. فالمؤسسة لا تقدم نفسها كذلك، والوثائق الرسمية الأميركية تصنفها كآلية شراكة وتبادل معلومات بين الحكومة والقطاع الخاص. لكنها، في الوقت نفسه، تعمل ضمن منظومة رسمية تابعة لوزارة الخارجية الأميركية، ما يجعلها جزءًا من بنية أوسع لإدارة المخاطر وحماية المصالح الأميركية حول العالم. وهنا تكمن النقطة الأكثر حساسية. ففي العصر الحديث، لم تعد القوة مرتبطة فقط بالقدرة العسكرية، بل أيضًا بالقدرة على جمع المعلومات وتحليلها وبناء شبكات العلاقات. ومن يملك شبكة واسعة من الشركات والخبراء والمؤسسات والأجهزة القادرة على تبادل المعلومات، يمتلك قدرة