ماذا تفعل أمة حين تجفّ ذاكرتها؟ تخترع بطلًا. تُلبسه عباءة، وتمنحه عضلات لا يعرفها علم التشريح، وتجعله يطير فوق المدن، ثم تبيعه للأطفال والكبار بوصفه المنقذ الذي سيصل دائمًا في اللحظة الأخيرة. وإذا لم تكفِ السماء لسوبرمان، خرج باتمان من كهف مظلم، بلا قوة خارقة هذه المرة، لكنه يمتلك ما يكفي من المال والتكنولوجيا ليصبح مليارديرًا يرتدي قناعًا، ويطارد المجرمين ليلًا، ويعيد العدالة إلى مدينة عجزت مؤسساتها عن حمايتها. هكذا تصنع الثقافة الحديثة أساطيرها: شاشة، ومؤثرات بصرية، وقناع، ومدينة متخيّلة، وعدو يتجدّد كلما انتهت الحكاية، كي لا تنتهي الأسطورة، ولا يتوقف الجمهور عن انتظار المنقذ. لكن في الذاكرة الإسلامية حكاية مختلفة تمامًا. لم نكن بحاجة إلى اختراع رجل يطير كي نصدّق أن البطولة ممكنة، فقد كان لدينا رجال يمشون على الأرض، وينزفون عليها، ويغيّرون مجرى التاريخ فوقها. رجال لم يحتاجوا إلى قوى خارقة، لأن ما امتلكوه من إيمان وشجاعة وعزيمة وذكاء كان كافيًا ليجعل من سيرتهم ما يفوق الخيال أحيانًا. من هؤلاء سعد بن أبي وقاص. لا عباءة… بل قوس وسهم كان سعد شابًا من قريش، عُرف بمهارته في الرمي وصناعة القِسِيّ والسهام. وحين جاء الإسلام، لم يكن ينتظره عالم سينمائي صُمّم خصيصًا كي ينتصر فيه، ولا سيناريو يضمن له النجاة في المشهد الأخير. كان أمامه مجتمع يعاديه، وأم تضغط عليه، وقريش تراقب خطوته الأولى، وطريق شاق لا يعرف إلى أين سينتهي. أسلم وهو في مقتبل شبابه، وتذكر الروايات أنه كان في نحو السابعة عشرة من عمره، ودفع ثمن إيمانه مبكرًا. وحين حاولت أمه أن تدفعه إلى التراجع عن دينه، ثبت على اختياره، من دون أن يتخلى عن واجب البرّ بها. فكان موقفه درسًا مبكرًا في أن العقيدة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل قرارًا يتحمّل الإنسان تبعاته، مهما بلغت التضحيات. وتروي كتب السيرة أنه في مكة، حين تعرّض المسلمون للاعتداء وهم يصلّون، تناول سعد عظم فكّ جمل وضرب به أحد المعتدين، فكان ذلك، بحسب الروايات، من أوائل الدماء التي أُريقت في المواجهات التي شهدتها الدعوة الإسلامية. تأملوا المفارقة: بطل العالم الحديث يحتاج إلى مختبر سرّي، أو كوكب آخر، أو ثروة بمليارات الدولارات كي يحصل على قدراته الخارقة، بينما لم يحتج سعد إلى شيء من ذلك. كان يكفيه قوس وسهم وإيمان لا يتزعزع. فالبطولة الحقيقية لا تبدأ حين يمتلك الإنسان ما يعجز عنه الآخرون، بل حين يفعل بما يملك ما يعجز الآخرون عن فعله. skip render: ucaddon_material_block_quote «ارمِ سعد»… حين كانت البطولة بشرًا في غزوة أُحد، لم يكن سعد ممثلًا يؤدّي مشهدًا بطوليًا أمام كاميرا، ولا شخصية يعرف كاتب السيناريو مسبقًا أنها ستنجو مهما اشتدّ الخطر. كان رجلًا من لحم ودم، يقف في مواجهة الموت، حيث لا مجال لإعادة تصوير المشهد إن أخطأ، ولا مؤثرات خاصة تعيد الحياة إلى من يسقط. ثبت إلى جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخذ يرمي المشركين، وكان النبي يناوله السهام ويقول له: «ارمِ، فداك أبي وأمي»، وهي من مناقبه الثابتة في الأحاديث الصحيحة. أيّ كتابة سينمائية تستطيع أن تبتكر مشهدًا أكثر قوة من هذا؟ وأيّ بطل متخيّل يمكنه أن ينافس رجلًا يقاتل دفاعًا عن عقيدته ونبيّه، وهو يعلم أن الموت ليس مشهدًا تمثيليًا، بل احتمال قائم مع كل سهم؟ وتنقل كتب المناقب والسِّيَر أيضًا دعاءً منسوبًا إلى النبي لسعد: «اللهم سدّد رميته، وأجب دعوته»، فارتبطت سيرته بالدعاء كما ارتبطت بالقوس والسهم، وبالشجاعة كما ارتبطت بالثبات. لم يكن سعد خارقًا للطبيعة، لكنه كان واحدًا من أولئك الذين أثبتوا أن الإنسان العادي قد يصنع أفعالًا استثنائية حين تتجاوز قوةُ إرادته حدودَ خوفه. المريض يقود معركة إمبراطورية ثم جاءت القادسية، وهنا تصبح الحكاية التاريخية أكثر إثارة من كثير من السيناريوهات التي تنتجها هوليوود. جيش مسلم يواجه واحدة من أعظم القوى العسكرية في عصره، الإمبراطورية الساسانية، وسعد بن أبي وقاص يتولى القيادة. لكن المفارقة أن قائد المعركة لم يكن في كامل عافيته؛ فقد أصابه المرض وأقعدته آلامه عن ركوب الخيل والنزول إلى الميدان. ماذا كان سيفعل البطل السينمائي في موقف كهذا؟ غالبًا ما كان سيستعيد قوته في الدقيقة الأخيرة، ويرتدي بزته الخارقة، ويقفز إلى قلب المعركة ليقضي على أعدائه بضربة واحدة. أما سعد، ففعل شيئًا أكثر واقعية، وربما أكثر عبقرية. لم يجعل من عجز الجسد هزيمة للعقل. تولّى إدارة المعركة من موضع مرتفع، يراقب تحركات الجيش ويوجّه قادته ويصدر أوامره، رغم المرض الذي حال دون مشاركته المباشرة في القتال. وانتهت القادسية بانتصار المسلمين ومقتل القائد الفارسي رستم، في معركة شكّلت منعطفًا حاسمًا في الصراع مع الإمبراطورية الساسانية. لم تكن البطولة هنا في قوة العضلات، ولا في القدرة على تحطيم الجدران أو الطيران فوق الجيوش، بل في عقل ظلّ يقظًا حين عجز الجسد، وفي قائد عرف كيف يحوّل ضعفه الشخصي إلى امتحان لقوة القيادة. فليس البطل من لا يعرف الضعف، بل من يعرف كيف ينتصر على ظروفه، حتى وهو في أشدّ لحظات ضعفه. من القادسية إلى دجلة ثم مضى سعد بجيشه نحو المدائن، عاصمة الإمبراطورية الساسانية، حيث واجه المسلمون نهر دجلة، بعدما سعى الفرس إلى الاستفادة من النهر بوصفه حاجزًا طبيعيًا يحول دون تقدّمهم. وهنا تروي المصادر التاريخية مشهدًا يبدو، لو كُتب اليوم في فيلم تاريخي، وكأنه مبالغة من خيال كاتب يبحث عن الإثارة: عبور النهر بالخيل والفرسان، في مغامرة عسكرية محفوفة بالمخاطر. وتنقل بعض الروايات أن الفرس أصابتهم الدهشة وهم يشاهدون المسلمين يعبرون الماء، حتى وصفوهم بما يفيد أنهم يواجهون قومًا من المجانين. لكن التاريخ لا يُكتب دائمًا بمنطق الحذر، ولا تُحسم معاركه الكبرى دائمًا بالخيارات الأكثر تقليدية. دخل المسلمون المدائن، وسقط مركز الحكم الساساني في أيديهم، ودخل سعد إيوان كسرى، وتذكر الروايات أنه صلّى فيه شكرًا لله. هنا لم تكن المسألة مجرد عبور نهر، بل عبور مرحلة تاريخية كاملة. فالجيش الذي خرج من شبه الجزيرة العربية أصبح يقف في قلب واحدة من أعظم إمبراطوريات العالم القديم. لم يكن سعد بحاجة إلى أن يطير فوق دجلة كـ«سوبرمان»؛ فقد كان المشهد، بكل ما فيه من مخاطرة وإقدام، كافيًا ليحتفظ له التاريخ بمكانه. ليست البطولة أن تطير فوق المدن، بل أن تغيّر مصائرها وأنت تمشي على الأرض البطولة ليست أن تنتصر فقط لكن اختزال سعد بن أبي وقاص في المعارك وحدها يظلمه، ويختزل شخصيته في صورة المحارب الذي يعرف كيف يستخدم سيفه ولا يعرف متى يضعه جانبًا. فبعد الفتوحات في العراق، ارتبط اسمه بتأسيس الكوفة وتنظيمها، وهي المدينة التي تحوّلت لاحقًا إلى واحدة من أبرز حواضر العلم والفقه والسياسة والأدب في التاريخ الإسلامي. وهنا تتجاوز البطولة حدود الميدان العسكري إلى القدرة على بناء المدن وتنظيم شؤون الناس وصناعة الاستقرار بعد الحرب. ثم جاءت الفتنة الكبرى، فوجد سعد نفسه
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial ليست المسألة دعوة إلى العنف بقدر ما هي تحذير من السذاجة السياسية؛ فحين يفرض طرفٌ قواعد القوة، يصبح التعامل معه بلغة الأمنيات ضربًا من الانتحار السياسي. ولعل لبنان هو المكان الأكثر احتياجًا إلى فهم هذه الجملة، بعدما تحوّلت السياسة فيه، طوال عقود، إلى فنّ تأجيل الحقيقة. نختلف على البيانات، ونتجادل حول الصياغات، ونُنتج تسويات مؤقتة، بينما السؤال الحقيقي يقف في منتصف الغرفة: من يملك القدرة على فرض ما يريد عندما تنهار الكلمات؟ المشكلة ليست في غياب الكلام لبنان لا يعاني نقصًا في الخطب، ولا في المبادرات، ولا في طاولات الحوار. لديه فائض من الكلام يقابله عجز مزمن عن تحويل الدولة إلى قوة سياسية وأمنية واقتصادية قادرة على حماية قرارها. المشكلة أن بعض القوى السياسية ما زالت تتصرف وكأن جميع اللاعبين يجلسون حول الطاولة نفسها، وبالقواعد نفسها، بينما الواقع أكثر قسوة. هناك من يدخل السياسة حاملًا مشروعًا، وهناك من يدخلها حاملًا شبكة مصالح، وهناك من يدخلها حاملًا السلاح. ومن الخطأ أن تتوقع من هؤلاء جميعًا أن يتعاملوا مع الدولة باعتبارها المرجعية ذاتها. الدولة التي لا تستطيع فرض قانونها بالتساوي على الجميع تتحوّل تدريجيًا من دولة إلى مساحة تفاوض بين مراكز القوة. في لبنان، كثيرًا ما جرى التعامل مع الأزمات الكبرى بمنطق «النوايا الحسنة»، وكأن حُسن النية يستطيع أن يحلّ محلّ ميزان القوة. لكن السياسة، كما يعرفها مكيافيلي وكما تثبتها التجارب، لا تُدار بالنوايا وحدها، بل بالقدرة على تحويل الإرادة إلى واقع. وهنا لا يعني «إشهار السيف» أن يحمل اللبنانيون السلاح في وجه بعضهم بعضًا، بل أن تمتلك الدولة سيفها الشرعي: جيشًا قويًا، ومؤسسات قادرة، وقضاءً مستقلًا، واقتصادًا منتجًا، وقرارًا سياديًا لا يحتاج إلى ترجمة من عواصم الخارج. فمن يطلب من الدولة أن تكون قوية من دون أن يمنحها أدوات القوة، يشبه من يطلب من الطبيب إجراء عملية جراحية بيدين مقيّدتين. دولة لا هدنة أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان هو أن يعتاد اللبنانيون فكرة أن الاستقرار يعني فقط غياب الانفجار. الاستقرار الحقيقي ليس هدنة بين الأقوياء، بل وجود دولة تجعل اللجوء إلى القوة خارج مؤسساتها أمرًا غير ممكن سياسيًا وقانونيًا وعمليًا. أما استمرار إدارة لبنان بمنطق «لا غالب ولا مغلوب»، فقد يكون مفيدًا في لحظة لتجنّب الحرب، لكنه لا يصلح عقيدة دائمة لبناء دولة. فالبلد الذي يعيش إلى الأبد في منطقة رمادية بين الدولة والدويلات، وبين السيادة والتسويات، سيكتشف عاجلًا أم آجلًا أن الرمادي ليس لونًا سياسيًا، بل لون الانهيار. ربما تكون الرسالة الأهم في مقولة مكيافيلي أن السلام لا يحميه الضعف، وأن الحوار لا ينجح إذا كان أحد أطرافه يعتقد أن بإمكانه فرض شروطه بالقوة. لبنان لا يحتاج إلى مزيد من الشعر السياسي، ولا إلى خطب جديدة عن السيادة والاستقلال. يحتاج إلى دولة تمتلك من القوة والشرعية ما يجعل الجميع مضطرين إلى أن يكونوا شعراء حين يجلسون إلى طاولة الحوار، لا حَمَلَةَ سيوف. فحين يصبح سيف الدولة أقوى من سيوف الجميع، عندها فقط يمكن للبنان أن يبدأ بكتابة قصيدته الوطنية الحقيقية.
حين تمشي في شوارع صيدا اليوم، يستوقفك تناقض صارخ يمزّق روح المدينة بصمت. من جهة، ترى الواجهات المتجددة واللافتات والمؤتمرات والمناسبات البروتوكولية التي تزدحم فيها الكلمات الرنانة والوعود المعسولة، ومن جهة أخرى، يقف الشباب الصيداوي أمام واقع معيشي سُدّت في وجهه سبل النجاة، وضاقت معه فرص العمل والحياة الكريمة. هنا، في قلب عاصمة الجنوب، تتسع الهوّة بين ما تلتقطه عدسات الكاميرات وما يعيشه أهل المدينة في يومياتهم القاسية. إنها مدينة تُرسم على واجهاتها مظاهر البهجة الزائفة، فيما يكافح أبناؤها لتأمين أبسط مقومات العيش. مدينة الاستعراض لم تعد صيدا، بالنسبة إلى كثير من زعمائها ومسؤوليها، سوى مسرح كبير للعروض الزائفة والمظاهر الخادعة. تراهم يتسابقون إلى افتتاح مشروع صغير، أو رعاية نشاط احتفالي، أو الظهور في المناسبات الدينية والاجتماعية، محاطين بالحراس والمحبّين والمصفّقين، وكأن هذه المشهديات قادرة على إشباع بطن جائع، أو كسوة جسد عارٍ، أو توفير فرصة عمل لشاب أنهكته البطالة. تتوالى اللقاءات الصباحية والمسائية، وتُعقد الندوات تحت عناوين براقة عن التنمية المستدامة، ونهضة المدينة، ودعم الشباب وتمكينهم، فيما تبقى الشعارات معلّقة في الهواء، والوعود خاوية من أي مضمون تنفيذي ملموس. وما إن تغادر الكاميرات وتنطفئ الأضواء، حتى تعود الأمور إلى سابق عهدها، وتتبخر الفقاعات الإعلامية، وكأن شيئًا لم يكن. ثمة عقيدة سياسية غير مكتوبة باتت تحكم أداء بعض المسؤولين، قوامها أن الأهم ليس «ماذا يقدّم المسؤول؟»، بل «كيف يظهر أمام الناس؟». فالصورة أصبحت السلعة الأكثر رواجًا، والبريق الإعلامي تحوّل إلى درع يحتمي خلفه المسؤول من المساءلة والمحاسبة. skip render: ucaddon_material_block_quote شهادات بلا مستقبل في المقابل، يعيش الشباب الصيداويون متاهة يومية بحثًا عن لقمة العيش، ويجد كثيرون منهم أنفسهم مضطرين للعمل في مجالات لا تمتّ إلى شهاداتهم واختصاصاتهم بصلة. خذ مثلًا الشاب خالد، المهندس المدني الذي حاز شهادته من جامعة بيروت العربية، بعدما تابع دراسته بمنحة دراسية وتخرّج متفوقًا. هذا الشاب، الذي أمضى سنوات من عمره يحلم باليوم الذي يحمل فيه شهادته لينطلق إلى سوق العمل ويؤمّن لنفسه مستقبلًا يحفظ كرامته، يجد نفسه اليوم جالسًا خلف صندوق المحاسبة في أحد المطاعم، أمام أفق مهني مسدود. يتقاضى خالد راتبًا لا يتجاوز نحو 400 دولار أميركي شهريًا، لقاء عمل لا يتناسب مع مؤهلاته وطموحاته. مبلغ بالكاد يكفي لتأمين أبسط متطلبات الحياة، فكيف بتكاليف النقل الباهظة، وفواتير اشتراكات المولدات التي قد تبتلع نصف دخله؟ وحين يطرق أبواب المؤسسات الرسمية والبلدية بحثًا عن حل أو فرصة أو حتى بصيص أمل، لا يجد، وفق ما يرويه، سوى الوعود الفارغة، والبيروقراطية القاتلة، والعجز الإداري الذي يبدّد ما تبقى لديه من أمل. إن مأساة خالد ليست حالة فردية معزولة، بل تختصر واقع شريحة واسعة من الشباب الصيداوي الذي أمضى سنوات في التحصيل العلمي، ليكتشف أن شهادته لا تكفي لفتح باب واحد نحو مستقبل كريم. طاقات مهدورة تفتقر صيدا إلى خطط تنموية حقيقية قادرة على استيعاب طاقات شبابها، كما تفتقر إلى مراكز فاعلة تحتضن أفكارهم ومشاريعهم، وتساعد على تحويلها إلى مبادرات إنتاجية واستثمارات ناجحة. كذلك، تغيب الاستثمارات الجدية القادرة على تحريك عجلة الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل مستدامة. انزل إلى شوارع المدينة ومقاهيها، واجلس مع شبابها، وستسمع ما يثير الدهشة من أفكار خلاقة، ومشاريع تنموية، ومبادرات يمكن تنفيذ بعضها بتكاليف متواضعة، لكنها قادرة على إحداث فرق حقيقي في اقتصاد صيدا، وربما أبعد من حدودها. المشكلة ليست في غياب الكفاءات، ولا في افتقار المدينة إلى العقول والطموحات، بل في غياب البيئة التي تحتضن هذه الطاقات، والإرادة التي تحوّل الأفكار إلى فرص، والأجهزة الإدارية القادرة على الانتقال من التنظير إلى التنفيذ. لكن المؤسف أن اهتمام بعض المسؤولين بالشباب يبدو محصورًا في مواسم الانتخابات، حين تتحول طاقاتهم إلى أدوات تعبئة وحشد، وأصواتهم إلى أرقام في صناديق الاقتراع، قبل أن يعودوا، بعد انتهاء الاستحقاق، إلى دائرة النسيان والتهميش. وكأن المطلوب من الشاب الصيداوي أن يكون حاضرًا عندما تحتاج إليه السياسة، وغائبًا عندما يحتاج هو إلى الدولة ومؤسساتها. حين تتحول السياسة إلى استعراض دائم، يصبح المواطن مجرد كومبارس في مسرحية لا تنتهي فصولها أزمات بلا حلول ولا تتوقف مأساة صيدا عند حدود البطالة والغلاء وانسداد الآفاق، بل تمتد إلى أزمات بيئية وخدماتية مزمنة تكشف هشاشة الإدارة المحلية وعجزها عن معالجة ملفات أساسية، كان آخر فصولها حريق جبل العار، جبل النفايات الذي لا يزال شاهدًا على سنوات طويلة من التخبط والإهمال. فالمدينة التي تعاقبت على إدارة شؤونها مجالس بلدية وهيئات ومؤسسات مختلفة، لا تزال ترزح تحت وطأة ملفات عالقة، يبدو أن حلّها أبعد ما يكون عن متناول الإدارة القائمة، في ظل النهج نفسه والأدوات ذاتها. من البنى التحتية المتداعية إلى انقطاع المياه، ومن أزمة الكهرباء التي بات الحصول عليها أشبه برفاهية باهظة الثمن، وصولًا إلى النفايات والتلوث وسوء إدارة المرافق العامة، تتراكم الأزمات فيما تغيب المعالجات الجذرية. وحين ترتفع صرخات الأهالي مطالبة بحلول فعلية، تأتي الردود غالبًا على هيئة لجان تحقيق لا تظهر نتائجها، أو تصريحات نارية عبر وسائل الإعلام، أو مشاريع ترقيعية مؤقتة تُنفّذ على عجل، وتُلتقط أمامها الصور التذكارية، قبل أن تنكشف هشاشتها عند أول اختبار جدي. لقد تحولت هموم الناس ومشكلاتهم الحياتية إلى مادة دسمة للاستهلاك الإعلامي والمزايدات السياسية، فيما تستمر الأوساخ بالتراكم في الأحياء الشعبية، ويبقى المواطن رهينة الحلول المؤقتة التي لا تُغني ولا تُسمن من جوع. المشكلة في صيدا لم تعد أزمة خدمات فحسب، بل أزمة إدارة ومحاسبة ورؤية، وأزمة مسؤولين يتقنون الإعلان عن الحلول أكثر مما يتقنون تنفيذها. الهجرة الصامتة إن هذا الانفصال المتزايد بين قمة الهرم السياسي في صيدا وقاعدتها الشعبية المأزومة يطرح أسئلة مصيرية حول جدوى الطبقة السياسية التقليدية، ومدى قدرتها على الاستمرار في إدارة شؤون مدينة تستنزفها الأزمات. فالشباب الذين يغادرون أفواجًا عبر مطار بيروت، أو يخاطر بعضهم بحياته عبر قوارب الموت بحثًا عن فرصة للعيش في أصقاع الأرض، لم يغادروا مدينتهم كرهًا بها، بل هربًا من واقع خنق أحلامهم، ومن شعور عميق بالإحباط تجاه قيادات لم ترَ في كثير منهم سوى أوراق انتخابية تُستخدم عند الاستحقاقات وتُهمل عند الشدائد. لم يهاجر هؤلاء لأنهم فقدوا حبّهم لصيدا، بل لأنهم فقدوا ثقتهم بقدرة القائمين على شؤونها على تأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء فيها. وبات كثيرون منهم على يقين بأن المظاهر البراقة والاحتفالات الصاخبة ليست سوى قناع مخملي يخفي خلفه واقعًا إداريًا واقتصاديًا مهترئًا، لا يمكن إصلاحه بمزيد من الصور والخطابات والمهرجانات. فأخطر ما يمكن أن يصيب مدينة ليس أن يهاجر أبناؤها فحسب، بل أن يفقد من بقي منهم الأمل بمستقبلها. إلى متى؟ تقف صيدا اليوم عند مفترق طرق حاسم. فهي لا تحتاج إلى مزيد من الاستعراضات السياسية، ولا إلى خطابات إنشائية عن التنمية والنهضة والازدهار، بل إلى رؤية واضحة، وخطط قابلة للتنفيذ، ومشاريع إنتاجية، وفرص