أعزَّ الله عزَّ الدين القسّام ونسله، وأذلَّ إسرائيل وزبانيتها أينما ثُقِفوا. لا مجال هنا للتأويل أو الاجتهاد. الأمر قطعيّ ونهائيّ، لا يتغيّر بتغيّر الأزمنة والظروف، ولا مجال للمزايدة والشعبوية. لكن أن يؤول قطاع حيوي وأساسي كقطاع الكهرباء، في مدينة هي العاصمة الثالثة للبلد، ليقع في يد جهة بعينها معروفة الميول السياسية والحزبية بشكل واضح للجميع، فعندها تصبح المسألة مسألة أمن قومي، لا عبث فيها ولا سكوت عنها بحجّة الغباء أو قِصر النظر. تتحفنا بلدية صيدا، بين الحين والآخر، بصورة وخبر لتقول إن المنطقة الفلانية من المدينة باتت بحوزة صاحب المولّد الفلاني… لا أستثني أحدًا من أصحاب المولّدات الخاصة قديمهم وجديدهم، على فظاعة ما اقترفوه بحق المواطنين على مدى سنين، لكن قليل من «الفطنة» وبُعد النظر… وحتى لو كانت الخطوة تتمثّل بنقل امتياز توليد الكهرباء من المولّدات الخاصة من شخص إلى آخر، من الغباء حُكمًا، بغضّ النظر عن الظروف التفصيلية، أن تتمركز الغالبية العظمى بيد شخصين معروفين في المدينة ومحسوبين على «حركة المقاومة الإسلامية» حماس. ليس في الأمر تهمة، بل تنبيه مشروع، ففي زمن العربدة والطغيان الإسرائيلي، ما الذي يمنع مسيّرة أو صاروخًا من تفجير مولّد بحجّة أن صاحبه ينتمي إلى حماس؟ ماذا لو قُصفت كل المولّدات التي باتت لأشخاص مؤيدين للحركة تحت هذه الحجّة؟ عندها تدخل المدينة في ظلام دامس من الصعب الخروج منه. لا تحتاج آلة الحرب الإسرائيلية إلى ذريعة، يكفيها أن تتابع صفحة البلدية على فايسبوك، لكن من السذاجة أن نمنحها سببًا، وألّا نرى أبعد من أنوفنا، وألّا ندرك أبعاد خطوات قد تجرّ الويلات على البلدية نفسها وأعضائها، وتاليًا على صيدا برمتها، بحجج لا تنتهي عند الأميركيين والإسرائيليين تحت عنوان شماعة «الإرهاب». المطلوب اليوم من القوى السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفاعلة في المدينة تدارك الأمر قبل حصول ما لا تُحمد عقباه. الطاقة ليست تيارًا كهربائيًا أو مادة سائلة، إنها شريان حياة آلاف الناس، ولا يجب أن تكون محتكرة بيد شخص، مهما حسنت نواياه. هل خلت المدينة من أصحاب أموال ومستثمرين لا غبار عليهم، بالطبع لا…
في سوريا الجديدة، لم يعد الخطر يأتي فقط من الطائرات والمدافع. ثمة خطر آخر أكثر هدوءًا وأشدّ تعقيدًا، يطرق الأبواب باسم الاستثمار، وإعادة الإعمار، والوساطة التجارية، ويدخل أحيانًا تحت لافتات تبدو في ظاهرها اقتصادية، بينما قد تخفي وراءها شبكات نفوذ ومصالح وأموالًا يصعب تتبّع مصادرها وغاياتها. نشر الناشط والإعلامي حسان عقاد تحقيقًا بعنوان «تحقيق عن محمد حمشو»، وسرعان ما تحوّل المنشور إلى ساحة امتزج فيها الدعم بالخوف. معلّقون يكتبون: «الله يحميك»، وآخرون: «سافر»، وثالث يقول: «الدولة عندها فكرة عن مهاراتك الاستخباراتية». هذه العبارات ليست مجرد تعليقات عابرة. إنها تعكس شعورًا عامًا بأن كشف شبكات المال والنفوذ في بلد خرج لتوّه من حرب طويلة قد يكون أحيانًا أخطر من الفساد نفسه، وأن الاقتراب من بعض الملفات قد يعني الاقتراب من مصالح تتجاوز رجل أعمال أو شركة إلى شبكة أوسع من العلاقات والارتباطات. «الموساد» في معادلة المال الاختراق الاستخباراتي لا يحتاج دائمًا إلى جاسوس يحمل جهاز اتصال أو وثائق سرية. في عالم الاقتصاد، قد يبدأ الأمر برجل أعمال يقدّم عرضًا مغريًا، أو شركة وسيطة مسجلة خارج البلاد، أو حساب مصرفي، أو شريك تجاري لا تظهر خلفيته الحقيقية بسهولة. هنا تصبح البيئات الفاسدة أرضًا مثالية للعمل الاستخباراتي. فالأجهزة الأجنبية لا تحتاج دائمًا إلى صناعة الفساد من الصفر؛ يكفي أحيانًا أن تستثمر في فساد موجود أصلًا. «ضعاف النفوس» ليسوا جميعًا خونة بالمفهوم التقليدي. بعضهم جائع، وبعضهم طامع، وبعضهم غارق في الديون، وبعضهم يعتقد أن ما يفعله مجرد صفقة تجارية. لكن حين تختلط الحاجة بالطمع، وتغيب الرقابة، تصبح الثغرة الاقتصادية بابًا واسعًا للاختراق السياسي والأمني. هنا تكمن الخطورة، لا يحتاج الخصم إلى اقتحام الدولة إذا كان قادرًا على شراء الطريق إليها. سوق ما بعد الحرب بعد سنوات الحرب، تتحول سوريا بطبيعتها إلى سوق ضخمة: إعمار، طاقة، اتصالات، عقارات، نقل، مصارف، ومشاريع بنى تحتية بمليارات الدولارات. لكن السؤال ليس فقط: من سيستثمر؟ السؤال الأخطر: بأي مال، ولحساب مَن، وتحت أي رقابة؟ إذا كانت العقود تُمنح بالواسطة، والشركات تُختار بعيدًا عن الشفافية، ورؤوس الأموال تتحرك من دون تدقيق حقيقي، فإن الاقتصاد نفسه قد يتحول إلى نقطة ضعف استراتيجية. المال القذر لا يدخل دائمًا من النافذة. أحيانًا يدخل من الباب الرئيسي، بعقد رسمي وختم قانوني وشركة مسجلة، حين يكون الحراس غافلين، أو فاسدين، أو جزءًا من اللعبة. والأخطبوط المالي لا يحتاج إلى السيطرة على كل الدولة. يكفيه أن يمد ذراعًا إلى قطاع الطاقة، وأخرى إلى الاتصالات، وثالثة إلى العقارات، ورابعة إلى مراكز القرار، حتى يصبح إخراجه لاحقًا أكثر كلفة من منعه منذ البداية. skip render: ucaddon_material_block_quote التحقيق ليس الحكم إذا كانت المعلومات التي نشرها عقاد دقيقة ومدعومة بأدلة قابلة للتحقق، فإن القضية تصبح أكبر من اسم شخص بعينه. عندها نحن أمام سؤال يتعلق بإمكان تحوّل رجال أعمال وشبكات مالية إلى جسور بين مصالح خارجية ومراكز تأثير داخل الاقتصاد السوري. لكن التحقيق الصحفي، مهما كان مهمًا، لا يُغني عن التحقيق القضائي. الفيديو أو المنشور يفتح الملف، لكنه لا يغلقه. والاتهام لا يصبح حقيقة قضائية لمجرد انتشاره على مواقع التواصل. هنا تبدأ مسؤولية الدولة: التحقق، والاستدعاء، والتدقيق في حركة الأموال والشركات والعقود، ثم إعلان النتائج للرأي العام. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يُفتح الملف، بل أن يُفتح ثم يُترك. كل ملف كبير يُثار ثم يُدفن بلا نتيجة يتحول إلى رسالة سيئة للجميع: إلى الفاسد بأن بإمكانه الاستمرار، وإلى المبلّغ بأن لا أحد سيحميه، وإلى المواطن بأن الحقيقة لا قيمة لها. حماية من يكشف في دول ما بعد النزاعات، حماية المبلّغين ليست رفاهية قانونية، هي جزء من الأمن القومي. فالشخص الذي يكشف شبكة فساد أو غسل أموال أو اختراق اقتصادي قد يواجه التشويه، والتهديد، والابتزاز، وربما الملاحقة أو المنفى. إذا امتلك حسان عقاد أو غيره معلومات جدية، فإن واجب الدولة ليس تبنّي روايته مسبقًا، بل حمايته والتحقق مما يقدمه من أدلة في آن واحد. الحماية لا تعني أن كل ما يقوله صحيح، كما أن فتح التحقيق لا يعني إدانة كل من يرد اسمه فيه. الدولة الجدية تفعل الأمرين معًا: تحمي المبلّغ، وتحفظ حقوق المتهم، ثم تترك الأدلة والقضاء يقولان الكلمة الأخيرة. هنا يُختبر فعلًا مفهوم «الدولة الفتية»: هل نحن أمام دولة مؤسسات، أم أمام إعادة تدوير لشبكات النفوذ بأسماء جديدة؟ درع أم بديل؟ يلعب المجتمع المدني والصحافة الاستقصائية دورًا بالغ الأهمية في سوريا الجديدة، لأنهما يملآن فراغًا تركته سنوات الخوف والرقابة والاحتكار. لكن المجتمع المدني لا يستطيع أن يكون بديلًا عن القضاء. ولا الصحفي يستطيع أن يتحول إلى نيابة عامة ومحكمة في الوقت نفسه. المطلوب منظومة كاملة: قوانين لحماية المبلّغين، شفافية في العقود العامة، تدقيق في مصادر رؤوس الأموال، رقابة على الشركات الوسيطة، تجميد للأصول عند وجود شبهات جدية وفق القانون، وتعاون مالي وقضائي مع الدول التي تمر عبرها الأموال. من دون ذلك، يبقى التحقيق مجرد صرخة عالية، وقد يدفع صاحبه ثمنها وحده. حسان عقاد، في هذه القضية، ليس مجرد اسم، هو اختبار لطريقة تعامل سوريا الجديدة مع الحقيقة. إذا حُمِي حقه في التحقيق والنشر، وتولت المؤسسات المختصة التحقق من المعلومات ومحاسبة من تثبت مسؤوليته، فذلك يعني أن الدولة بدأت تبني مناعة حقيقية. أما إذا تُرك كل شيء للتهديد والتشهير والتخويف والصمت، فستكون الرسالة أن الأخطبوط ما زال قادرًا على التحرك، مهما تغيرت الأسماء والرايات. الاقتصاد السوري الصاعد لن يكون مستقلًا حقًا إذا كانت بعض خيوطه مرتبطة بأموال مجهولة المصدر أو بشبكات مصالح عابرة للحدود. وحماية سوريا من الاختراق لا تكون بالشعارات وحدها، ولا برفع الصوت ضد «الموساد» أو غيره، بل ببناء دولة تجعل الاختراق مكلفًا: قضاء مستقل، عقود شفافة، أجهزة رقابية فاعلة، ومجتمع لا يخاف من السؤال. skip render: ucaddon_uc_material_bullets
حلم لم يبصر الضوء (العدسة الذكية) skip render: ucaddon_box_testimonial هبطت طائرة تابعة لـ«فلاي دبي» في مدينة تبوك السعودية، بعد أن كانت متجهة من دبي إلى تل أبيب، فكان يمكن للحادثة أن تمرّ في زحام الأخبار اليومية، لولا أن أحد الإسرائيليين قرر أن يحوّل اللحظة إلى تعليق عن القهوة السعودية، واصفًا إياها بأنها «الأفضل على الإطلاق»، وكأن التاريخ كله يمكن اختزاله أحيانًا في فنجان. لكن الرد لم يأتِ في صورة سجال سياسي، ولا في بيان غاضب، ولا في سلسلة تغريدات تستعرض قاموس الشتائم المعتاد. جاء الرد بفنجان واحد. صورة لفنجان مملوء بالقهوة حتى حافته تقريبًا، وهنا تكمن الحيلة كلها. بلاغة الفنجان فالذي لا يعرف ثقافة القهوة العربية قد يرى مجرد فنجان ممتلئ، أما الذي يعرف دلالات الضيافة في الجزيرة العربية فيقرأ في الصورة جملة كاملة من دون أن تُكتب الجملة. القهوة في المجالس العربية ليست مشروبًا فحسب، إنها نظام اجتماعي له قاموسه وإشاراته وتوقيتاته وحركاته الدقيقة. والفنجان الذي يُقدَّم عادةً بكمية قليلة، ثم يُعاد ملؤه بحسب رغبة المضيف والضيف، يحمل في طريقة تقديمه معاني تتجاوز السائل نفسه. أما ملء الفنجان إلى حافته في هذه الإشارة الساخرة، فيقلب المعنى رأسًا على عقب: خذ فنجانك كاملًا، ولا تنتظر المزيد. هنا تتحول الضيافة إلى رسالة سياسية، ويتحول الشيء الذي يُفترض أن يكون رمزًا للترحيب إلى أداة للتعبير عن عدم الترحيب. إنها بلاغة الفنجان. صورة بصفر كلمات المفارقة أن صاحب الصورة لم يحتج إلى شرح دلالتها. لم يكتب تعليقًا طويلًا، ولم يدخل في معركة إلكترونية، ولم يضع عشرات علامات التعجب. نشر الصورة وترك الجمهور يقوم بالباقي. وهذه ربما هي النقطة الأهم في القصة كلها. في زمنٍ أصبحت فيه الخوارزميات تكافئ الضجيج، جاءت الصورة لتنتصر بالصمت. وفي زمنٍ يكتب فيه الناس صفحات كاملة لشرح موقف لا يحتاج إلا إلى إشارة، اكتفى صاحب الفنجان بإشارة تحتاج إلى ثقافة كي تُفهم. فتجاوزت الصورة ملايين المشاهدات، لأن الناس لم تكن تشاهد قهوة فقط، بل كانت تكتشف أن لكل مجتمع لغته السرية، وأن أكثر اللغات فعالية أحيانًا هي تلك التي لا تحتاج إلى ترجمة. من الجزيرة إلى العالم الأكثر إثارة أن الرمز لم يتوقف عند حدود الثقافة العربية. فقد وجد متابعون من ثقافات آسيوية، بينها اليابان، تشابهًا في استخدام تفاصيل تقديم المشروبات للتعبير عن القبول أو الرفض أو الاكتفاء. هنا خرج الفنجان من كونه نكتة سياسية عابرة إلى درس صغير في علم الاجتماع. فالبشر، قبل أن يخترعوا وسائل التواصل الاجتماعي، اخترعوا وسائل التواصل الإنساني: نظرة، حركة يد، طريقة جلوس، مقدار طعام، طريقة تقديم شراب، أو حتى توقيت الصمت. كلها لغات بدائية وعميقة سبقت الأبجدية، وما زالت قادرة على البقاء رغم كل هذا التطور التكنولوجي. ربما لهذا انتشرت الصورة بهذه السرعة: لأنها خاطبت شيئًا قديمًا في الإنسان، شيئًا يفهم الإشارة قبل العبارة. القصة لا تتعلق في النهاية بفنجان قهوة، ولا بطائرة هبطت في المكان الخطأ فحسب، بل تكشف شيئًا أوسع عن القوة الناعمة للثقافة. قد تستطيع الخطب السياسية أن تشرح الموقف، وقد تستطيع البيانات الرسمية أن ترسم حدوده، لكن رمزًا ثقافيًا واحدًا يستطيع أحيانًا أن يختصر كل ذلك في لحظة. هنا تكمن المفارقة الجميلة: كلما ازدادت البشرية اتصالًا، لم تختفِ اللغات المحلية، بل أصبحت أكثر قدرة على الانتشار عالميًا. صورة صغيرة خرجت من مجلس سعودي استطاعت أن تعبر القارات، لأن العالم الرقمي لا ينقل الكلمات وحدها؛ إنه ينقل الرموز أيضًا. في زمنٍ صار فيه الجميع يريد أن يكون له آخر كلام، جاء فنجان القهوة ليقول إن بعض الرسائل لا تحتاج إلى كلام أصلًا. يكفي أن يكون الفنجان ممتلئًا. وأن يفهم الضيف الرسالة.