في مدينةٍ تبيعُ أوهامها بالتقسيط، لم يَعُدِ السؤالُ عن الحبّ هو ما يفتح الأبواب، بل السؤال عن الخرائط: من مع مَن؟ ومن ضدّ مَن؟ ومن يضع قلبه في جيب أيّ محور. كأنّ العاطفة نفسها صارت بحاجة إلى تصريح عبور، أو إلى ختمٍ أيديولوجي قبل أن يُسمح لها بأن تنبض هذا الصباح، في موعدي اليومي مع القهوة، جلستُ كعادتي أراقب العالم وهو يمرّ من أمامي على شكل وجوهٍ مستعجلة وأحاديثٍ مقطوعة. كنت أظنّ أن القهوة لا تزال ملاذًا صغيرًا من ضجيج هذا الكوكب، تلك السلعة التي يُقال إنّها ثاني أكبر تجارة في العالم بعد النفط، وتجارة المزاج والأحلام المؤجّلة. فنجانٌ صغير يشتري لك هدنةً قصيرة من كل شيء… أو هكذا كنّا نظنّ. جلستُ، وجاءت هي. تشبه هذا الزمن أكثر ممّا تشبه نفسها. تعرف الأغاني نفسها التي أعرفها، وتضحك في الأماكن نفسها، وتحمل تلك الخفّة التي توحي لك أنّ العالم لا يزال قابلًا للاحتمال. حتى إنّها، في لحظةٍ غير متوقّعة، غنّت. نعم، غنّت في منتصف الموعد، وكأنّها تريد أن تُقنعني أنّ الحياة لا تزال تحتفظ ببعض البراءة. تحدّثنا عن أشياء كثيرة: عن الفن، عن التفاصيل الصغيرة، عن المستقبل الذي نؤجّله كما نؤجّل دفع الفواتير. كل شيء كان يسير بسلاسة مريبة، كأنّنا نكتب مشهدًا مثاليًا أكثر ممّا نعيشه. لكن هذا الزمن لا يترك مشهدًا يكتمل. الخوف من حرب أهلية لم يعد فكرة بعيدة، بل هاجسًا يوميًا يتسرّب إلى أبسط التفاصيل هناك دائمًا سؤالٌ يقف في الزاوية، ينتظر لحظته ليفسد كل شيء. سؤالٌ صار اليوم بطاقة التعريف الحقيقية لأي إنسان في هذه البلاد. شعرتُ به يقترب، يكبر، يضغط على صدري، حتى لم يَعُد ممكنًا تجاهله. شبكتُ يديّ، رفعتُ رأسي، وخشّنتُ صوتي أكثر ممّا يجب، وسألتها: أنتِ… مع إيران أم مع إسرائيل؟ لم يكن السؤال فضولًا، بل كان خوفًا متنكرًا. خوفٌ من أن أستيقظ في يومٍ ما فأكتشف أنّني أحبّ شخصًا يقف على الضفة الأخرى من حربٍ قد تبدأ في أي لحظة. في لبنان، لا يُطرح هذا السؤال بدافع المعرفة، بل بدافع النجاة. توقّعتُ جوابًا دبلوماسيًا، تلك الجملة الجاهزة التي نحتمي بها جميعًا: “ما إلي بالسياسة”. لكنّها سكتت. ثوانٍ طويلة، ثقيلة، كأنّها استدعاء لذاكرة كاملة من الانقسامات. ثم بدأت تتكلّم، لا كإنسانةٍ في موعد، بل كمن يقرأ بيانًا غير مكتوب. سردية جاهزة، مصقولة، مليئة بالمقارنات والشعارات، كأنّها إعلان طويل لدولةٍ أو مشروعٍ أو خوفٍ أكبر منها ومنّي. عندها، لم أَعُد أسمع الكلمات. كنت أسمع شيئًا آخر: صدى هذا البلد وهو يتشقّق. في لبنان، الانقسام ليس رأيًا، بل قدرٌ معلّق فوق رؤوسنا. سياسي، مذهبي، طائفي، وعنصري أحيانًا. خطوط تماسّ غير مرئية، لكنّها حاضرة في كل مكان: في الشارع، في البيت، في الحبّ نفسه. والخوف الحقيقي ليس من الاختلاف، بل من اللحظة التي يتحوّل فيها هذا الاختلاف إلى شرارة. إلى شيء يشبه ما عرفناه من قبل… أو ما نخشى أن نعرفه مجددًا. الخوف من حربٍ أهلية لم يَعُد فكرة بعيدة، بل هاجسًا يوميًا يتسرّب إلى أبسط التفاصيل. حتى إلى موعدٍ على فنجان قهوة. أوقفتُها. ليس لأنّني امتلكت جوابًا، بل لأنّني لم أَعُد أحتمل السؤال. طلبتُ الحساب. دفعتُ ثمن القهوة، وثمن الوهم القصير الذي عشته، وسلّمتُ عليها وغادرت. مشهدٌ يبدو عاديًا، لكنّه في داخلي كان إعلان انسحاب من شيءٍ أكبر من هذا اللقاء. في الطريق، أدركتُ أنّ المشكلة لم تكن فيها. كانت في هذا الزمن الذي حوّلنا إلى كائنات تبحث عن الأمان في مواقف الآخرين، لا في إنسانيتهم. زمنٌ صارت فيه العلاقات صفقات، والمشاعر استثمارات عالية المخاطر. والأغرب أنّ العالم كله يسير بهذا الاتجاه. سوقٌ ضخم لتجارة الأحلام، حيث تُباع القناعات كما تُباع العقارات. هناك من يؤجّر لك هوية، ويضعك في بيتٍ فكري جاهز، ويتركك تدفع الإيجار من عمرك. بيوت الأجر هذه، في السياسة والفكر، أرباحها تفوق بكثير بيوت الإيجار التقليدية. تُسكنك موقفًا، وتمنحك شعورًا زائفًا بالانتماء، ثم تكتشف أنّك لم تَعُد تملك نفسك. حتى القهوة، تلك التي كانت حيادية كصمت الصباح، لم تسلم. صارت تُشرب على إيقاع الاصطفافات. فنجانك لم يَعُد لك بالكامل؛ هناك دائمًا من يسألك: مع مَن تحتسيه؟ والمفارقة الأكثر مرارة أنّني، ككاتب، أبحث كل يوم عن قصة. لكنّني اليوم لم أجد قصة أكتبها… بل وجدتُ نفسي داخلها. موعدٌ عادي تحوّل إلى مرآة لوطنٍ كامل، وطنٍ يخاف من نفسه أكثر ممّا يخاف من أعدائه. ربّما الدرس الذي خرجتُ به ليس أن أسأل مبكرًا: “أنتِ مع مَن؟”، بل أن أفهم لماذا صرنا عاجزين عن أن نكون مع بعض، ولو للحظة، خارج هذه الخرائط القاسية. لأنّ أخطر ما نعيشه اليوم في لبنان ليس الانقسام بحدّ ذاته، بل اعتيادنا عليه… حتى صار شرطًا لأي علاقة، وأي حلم، وأي فنجان قهوة.
لم يَعُدِ السؤالُ في الحروب الحديثة: ماذا تُخفي؟ بل: ما الذي تتركه خلفك من دون أن تُدرك؟ في زمنٍ تتقدّم فيه الخوارزميّات على الحدس البشري، لم تعد السرّيةُ مسألةَ إخفاءٍ مُحكَم، بل إدارةَ آثارٍ لا يمكن محوُها بالكامل المنشآتُ العسكريّةُ تحت الأرض، التي مثّلت لعقودٍ ذروةَ التحصينِ الاستراتيجي، بدأت تفقد ميزتَها الأساسيّة: القدرةَ على الاختفاء. ليس لأنّ العيونَ في السماء أصبحت ترى أعمق، بل لأنّ العقولَ الاصطناعيّةَ تعلّمت كيف تُفكّك المشهد، وكيف تربط بين تفاصيلَ صغيرةٍ لتبنيَ منها صورةً كاملة. العمق الذي يتحوّل عبئًا قامت فلسفةُ التحصينِ العميق على فكرةٍ بسيطة: كلّما ابتعدتَ عن السطح، اقتربتَ من الأمان. داخل الجبال، حيث الصمتُ والكتلةُ الصخريّةُ الهائلة، وُلدت منظوماتٌ كاملةٌ من الأنفاقِ والمنشآتِ المصمَّمة لتنجوَ من أيّ ضربة. لكنّ العمق، على قسوته، لا يمحو الأثر. فكلُّ نشاطٍ بشري، مهما كان معزولًا، يترك بصمتَه. ومع تطوّر أدواتِ التحليل، لم يَعُدِ العمقُ يحجب الحقيقة، بل يؤخّر ظهورَها فقط. في قلبِ أيِّ منشأةٍ نشطةٍ تحت الأرض، هناك طاقةٌ تُستهلك، وهواءٌ يُضخّ، وآلاتٌ تعمل بلا توقّف. هذه الدورةُ المستمرّةُ تولّد حرارة، والحرارةُ بطبيعتها لا تُحبّ الأسر. تتسلّل عبر طبقاتِ الصخور، ببطءٍ ولكن بثبات، حتى تصل إلى السطح كإشارةٍ ضعيفة، لكنّها عنيدة. ما تغيّر ليس وجودَ هذه الإشارة، بل القدرةَ على قراءتها. الخوارزميّاتُ الحديثة لا تكتفي بلقطةٍ حراريّةٍ عابرة، بل تبني تاريخًا زمنيًّا كاملًا، تُقارن، وتُحلّل، وتبحث عن الاستثناء داخل النمط. وعندما تظهر بقعةٌ دافئةٌ في منطقةٍ يُفترض أن تكون باردةً تمامًا، فإنّ الصمتَ الحراريّ يتحوّل إلى اعترافٍ غير مباشرٍ بوجودِ ما تحت السطح. لم يَعُدِ التحدّي في الاختباء، بل في تقليل البصمات أو إعادة تشكيلها؛ فالأرض نفسها لم تعد حائطًا صامتًا، بل أرشيفًا مفتوحًا يمكن قراءته اتصالاتٌ تهمس في الفراغ إذا كانت الحرارةُ تكشف الأثرَ الفيزيائي، فإنّ الاتصالاتَ تكشف الإيقاعَ الداخليّ للحياة. لا يمكن لأيّ منشأة، مهما بلغت درجةُ عزلها، أن تعمل في فراغٍ تام. هناك دائمًا بياناتٌ تتحرّك، وأوامرُ تُنقل، وإشاراتٌ تعبر الفضاء. في الأماكنِ النائية، حيث يغيب الضجيجُ البشري، تصبح أبسطُ إشارةٍ حدثًا غير عادي. الخوارزميّاتُ لا تحتاج إلى فهمِ مضمون الاتصال، بل تُراقب سلوكَه: تكرارَه، وتوقيتَه، وتمركزَه. وحين يتكرّر النمطُ في نقطةٍ معزولة، يصبح الصمتُ نفسه دليلًا، ويغدو الفراغُ مسرحًا لإشاراتٍ لا يمكن تجاهلُها. الجيولوجيا… الذاكرةُ التي لا تنسى لكنّ أكثرَ ما يغيّر قواعدَ اللعبة هو أنّ الأرضَ نفسها أصبحت جزءًا من التحقيق. فاختيارُ موقعٍ تحت الأرض ليس قرارًا عشوائيًّا؛ إنّه رهينٌ بطبيعةِ الصخور، وبمرونتِها، وبقدرتِها على التحمّل. غير أنّ الحفر، مهما كان دقيقًا، يعيد تشكيلَ ما حوله. تتحرّك الكتلةُ الصخريّة، وتتغيّر أنماطُ تصريفِ المياه، وتظهر فروقاتٌ دقيقةٌ في سطح الأرض، وربّما يتبدّل الغطاءُ النباتيّ بشكلٍ خافت. هذه التغيّراتُ لا تُرى بالعين، لكنّها تُلتقط عبر الزمن. الخوارزميّاتُ تقرأ هذه التحوّلات كما تُقرأ المخطوطاتُ القديمة، حرفًا حرفًا، وطبقةً فوق طبقة. وفي بعض الحالات، تصبح الأرضُ نفسها جهازَ استشعار، حيث تُفسَّر الاهتزازاتُ الدقيقةُ على أنّها أثرٌ لنشاطٍ داخليٍّ لا يُرى. الخوارزميات التي تسمع همس الأرض عالمٌ بلا أعماقٍ آمنة كلُّ إشارةٍ بمفردها قد تبدو قابلةً للتأويل: حرارةٌ هنا، وإشارةٌ هناك، وتغيّرٌ طفيفٌ في التضاريس. لكن حين تتقاطع هذه الخيوط، تختفي المساحةُ الرماديّة. ما كان احتمالًا يصبح نمطًا، وما كان نمطًا يتحوّل إلى استنتاج. القوّةُ الحقيقيّةُ تكمن في هذا الدمج، في تحويلِ التفاصيلِ الصغيرة إلى قصّةٍ كاملة. لم يَعُدِ الكشفُ يعتمد على دليلٍ واحدٍ حاسم، بل على تراكمِ قرائنَ لا يمكن تجاهلُها مجتمعةً. ما يتكشّف اليوم يتجاوز مسألةَ منشآتٍ بعينها. نحن أمام تحوّلٍ في جوهرِ التفكيرِ العسكري. لم يَعُدِ التحدّي في الاختباء، بل في تقليلِ البصمات أو إعادةِ تشكيلها. لم تَعُدِ الجبالُ حائطًا صامتًا، بل أرشيفًا مفتوحًا يمكن قراءتُه. في هذا العالم، تصبح الأرضُ شفّافةً لمن يعرف كيف يسألُها. وتتحوّل الحربُ إلى معركةِ تفسير: من يقرأ الإشاراتِ أوّلًا، ومن ينجح في تضليلِ قراءتِها. لم تَعُدِ المواجهةُ بين من يرى ومن يختبئ، بل بين من يفهم ومن يترك أثرًا. التحدّي لم يَعُد بناءَ منشأةٍ لا تُرى، بل بناءَ واقعٍ لا يمكن تفكيكُه. وفي زمنٍ تتقدّم فيه الخوارزميّاتُ على الحدس، قد لا يكون السؤال: أين تُخفي قوّتَك؟ بل: هل تستطيع إقناعَ من يقرأ الأرض… أنّك لم تترك شيئًا خلفك؟
في الحروب الحديثة، لم تَعُدِ المفارقاتُ مجرّدَ تفصيلٍ جانبيّ؛ بل أصبحت هي العنوان. أن تُروى قصّةٌ عن طائرةٍ تُسقَط بثمن شقّةٍ صغيرةٍ في ضاحيةٍ عاديّة، فيما تساوي هي ميزانيّةَ دولةٍ صغيرة، فهذا ليس مجرّد خبرٍ عسكريّ، بل نصٌّ ساخرٌ كتبته التكنولوجيا بيدٍ باردة هكذا خرج بيانُ الحرس الثوري الإيراني، مفعمًا بنبرةِ انتصارٍ واثقة: طائرةُ إنذارٍ مبكرٍ من طراز E-3 Sentry، جوهرةُ المراقبةِ الجويّةِ الأميركيّة، سقطت — أو هكذا قيل — بضربةٍ مركّبةٍ من مسيّراتٍ وصواريخَ منخفضةِ الكلفة. 30 ألف دولار في مواجهةِ ما يزيد على مليارٍ و300 مليون. معادلةٌ تبدو وكأنّها خرجت من روايةٍ ساخرة، لا من غرفةِ عمليّات. تحوّل أم إعلام؟ لكن قبل أن نُسلّم للدهشة، يجب أن نسأل: هل نحن أمام تحوّلٍ استراتيجيٍّ حقيقيّ، أم أمام عرضٍ إعلاميٍّ متقنِ الإخراج؟ الصمتُ الذي التزمته القيادةُ المركزيّةُ الأميركيّة لا يقلّ دلالةً عن البيان نفسه. في عالمِ الصراعات، أحيانًا يكون النفيُ الصريح أقلَّ خطورةً من الصمتِ المدروس. فالصمتُ يترك المجالَ مفتوحًا: هل الحدثُ أكبرُ من أن يُنفى؟ أم أصغرُ من أن يُعلَّق عليه؟ الصورُ المتداولة — التي يُقال إنّها تُظهر أضرارًا جسيمةً في طائرات، من بينها KC-135 Stratotanker — تزيد المشهدَ تعقيدًا. الصورةُ هنا ليست دليلًا نهائيًّا، بل عنصرٌ في حربِ السرديّات. فالحربُ الحديثة لا تُخاض فقط بالصواريخ، بل بالعدسات أيضًا. ما يهمّ فعليًّا ليس إن كانت الطائرةُ قد دُمّرت بالكامل أم جزئيًّا، بل ما يكشفه هذا الادّعاء من تحوّلٍ أعمق: انتقالُ ميزانِ التأثير من “من يملك الأغلى” إلى “من يستخدم الأرخص بذكاء”. هذا هو منطقُ “الحرب غير المتكافئة”، وقد بلغ ذروته. طائرةٌ تُحلّق كعينٍ استراتيجيّةٍ على ارتفاعاتٍ شاهقة، تواجه تهديدًا من آلةٍ صغيرةٍ قد تُشترى بثمنِ سيّارةٍ مستعملة. قد لا يكون السؤال الأهم: هل دُمّرت الطائرة فعلًا؟ بل: لماذا نريد تصديق هذه القصة بهذه السرعة؟ لأنها تُرضي خيالنا عن عالمٍ يمكن فيه للضعيف أن يُربك القويّ… ولو مؤقتًا إعادة تعريف الأمرُ لا يتعلّق فقط بإيران أو الولايات المتحدة، بل بإعادةِ تعريفِ القوّةِ العسكريّةِ نفسها. فحين تصبح الكلفةُ معيارًا للسخرية، لا للردع، فإنّنا نكون أمام انقلابٍ في الفلسفةِ القتاليّة. الجيوشُ التي بُنيت على التفوّقِ التكنولوجيّ الباهظ تجد نفسها فجأةً في مواجهةِ خصومٍ يتقنون لعبةَ “الإغراق الرخيص”: أسرابٌ من المسيّرات، وكلفةٌ منخفضة، وأثرٌ نفسيٌّ واستراتيجيٌّ مضاعف. ومع ذلك، لا ينبغي أن ننخدع بسهولة. فالتاريخُ العسكريّ مليءٌ بادّعاءاتِ “الضربة القاضية” التي تبيّن لاحقًا أنّها مجرّدُ جولةٍ في معركةٍ أطول. كما أنّ تدميرَ منصّةٍ واحدة — إن صحّ — لا يعني إسقاطَ منظومةٍ كاملة. فالقوّةُ الأميركيّة، مثلُ غيرها من القوى الكبرى، لا تقوم على قطعةٍ واحدة، مهما بلغت قيمتُها. لكنّ السخريةَ تبقى قائمة، بل لاذعة: هل نحن أمام عصرٍ يمكن فيه لطائرةٍ بلا طيّار، تكلفتُها بالكاد تُذكر، أن تُحرج إمبراطوريّةً عسكريّة؟ أم أنّنا أمام مسرحٍ كبير، حيث تُضخَّم الأرقامُ لتخدم روايةً سياسيّةً أكثر ممّا تعكس واقعًا ميدانيًّا؟ قد لا يكون السؤالُ الأهم: هل دُمّرت الطائرةُ فعلًا؟ بل: لماذا نريد تصديقَ هذه القصّة بهذه السرعة؟ لأنّها ببساطة تُرضي خيالَنا عن عالمٍ يمكن فيه للضعيف أن يُربكَ القويّ… ولو مؤقّتًا.