في الدول الطبيعية، النقد حق.في الدول المأزومة، النقد يتحوّل إلى سلاح.أما في لبنان، فقد أصبح، في كثير من الأحيان، امتيازًا انتقائيًا: يُمارَس بحرية على البعض، ويُحظَر عمليًا على البعض الآخر. ليست المشكلة في الجرأة الإعلامية، بل في انتقائيتها. ما شهدناه مؤخرًا من حملات تطال رموزًا دينية، من مفتي الجمهورية إلى البطريرك الماروني بشارة الراعي، لا يمكن فصله عن سياق أوسع: سياق يسمح بكسر هيبة بعض المرجعيات، بينما يفرض خطوطًا حمراء صارمة حول مرجعيات أخرى، سواء أكانت دينية أو سياسية أو عسكرية. هنا لا يعود الإعلام سلطة رقابية، بل يصبح جزءًا من منظومة نفوذ.ينتقد حيث يُسمح له، ويصمت حيث يُمنع. skip render: ucaddon_material_block_quote الأخطر من ذلك، أن هذا الخلل لا يُدار دائمًا من داخل المؤسسات الإعلامية نفسها، بل من خارجها: عبر بيئات سياسية وأمنية تفرض، بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يمكن قوله وما يجب تجنّبه. والنتيجة مشهد عبثي:خطابٌ عالي السقف في اتجاهٍ واحد، وصمتٌ كثيف في اتجاهٍ آخر. هذا ليس إعلامًا حرًا.هذا إعلام مُوجَّه بذكاء. في هذا المناخ، تنشأ ظاهرة أخطر: احتكار الضحية واحتكار الحقيقة.بعض القوى تتقن لعب الدورين معًا، تنتقد الجميع بلا سقف، لكنها تعتبر أي نقدٍ موجّه لها اعتداءً أو “استهدافًا سياسيًا”. وهنا يتحوّل النقاش العام إلى ساحة غير متكافئة: طرفٌ يهاجم بلا قيود، وآخر يُطالَب دائمًا بضبط النفس. هل يمكن لمجتمع أن يحافظ على توازنه في ظل هذه المعادلة؟الإجابة واضحة في الواقع اللبناني: مزيد من الانقسام، ومزيد من فقدان الثقة، ومزيد من التشكيك بكل شيء. الإساءة إلى الرموز الدينية ليست فقط تجاوزًا أخلاقيًا، بل مؤشر على انهيار المعايير. لكن الأخطر منها هو الانتقائية في الدفاع عن هذه الرموز. حين يُدافَع عن رمزٍ هنا ويُتجاهَل رمزٌ هناك، يفقد الدفاع نفسه معناه، ويتحوّل إلى أداة سياسية. وهكذا، نعود إلى جوهر المقولة: إعلام بلا ضمير لا يعني فقط إعلامًا كاذبًا، بل إعلامًا غير عادل. لبنان اليوم لا يعاني من فائض حرية، بل من اختلال في توزيعها.حريةٌ كاملة للبعض، ومقيّدة للبعض الآخر. وما لم يُكسر هذا الاحتكار، احتكار النقد، واحتكار الحصانة، واحتكار الحقيقة، فإن أي حديث عن وعيٍ جماعي سيبقى مجرّد وهم جميل. لأن الوعي لا ينمو في بيئةٍ خائفة، ولا في ساحةٍ غير متكافئة، ولا تحت إعلامٍ يعرف جيدًا متى يتكلم… ومتى يصمت.
انسجامًا مع روح القانون اللبناني، ونزولًا عند طلب نقابة المحررين واتحاد الصحافيين والصحافيات في لبنان، لم يمثُل رئيس تحرير جريدة «البوست»، الزميل نادر صباغ، أمام المباحث الجنائية في قصر العدل في بيروت اليوم، على اعتبار أنّ «أحكام المادتين 28 و29 من قانون المطبوعات تنصّ على أنّ جميع القضايا المتعلّقة بالمطبوعات تنظر بها محكمة المطبوعات فقط». وبما أنّ المطلوب الاستماع إليه صحافي، فهو يخضع لقرار مجلس نقابة محرّري الصحافة اللبنانية، التي أعلنت أكثر من مرة قرارًا مبدئيًا بالتقيّد بأحكام المادتين المشار إليهما أعلاه. وقد تبيّن أنّ الجهة المدّعية هي صاحب أحد المولّدات الخاصة في مدينة صيدا، المدعو محمد أبو سيدو، عبر النيابة العامة، بجرم القدح والذمّ، بعدما هاله ما نُشر عنه من مخالفات في موضوع التسعيرة التي يتقاضاها، موثّقةً بالمستندات والأدلّة، فسعى إلى محاولة إسكات الصوت الذي ينادي بحقوق الناس والمواطنين، ويطالب بتنفيذ القانون وفق الأصول المرعيّة الإجراء. وهو ما لم يكن له ما أراد… https://al-post.com/wp-content/uploads/2026/04/al-post-trial.mp4
صدر عن نقابة محرّري الصحافة اللبنانية اليوم البيان التالي: تعليقًا على استدعاء عضو النقابة الزميل نادر صبّاغ إلى مكتب المباحث الجنائية لنشره خبرًا بناءً على دعوى من أصحاب العلاقة، كرّر نقيب محرّري الصحافة اللبنانية أنّه “في ضوء أحكام المادتين 28 و29 من قانون المطبوعات، فإنّ جميع القضايا المتعلقة بالمطبوعات تنظر بها محكمة المطبوعات فقط. وتابع: “وإذا اقتضت الدعوى تحقيقًا قضائيًا، فيقوم به قاضي التحقيق. وبما أنّ المطلوب الاستماع إليه هو صحافي، فهو يخضع لقرار مجلس نقابة محرّري الصحافة اللبنانية، التي أعلنت أكثر من مرة قرارًا مبدئيًا بالتقيّد بأحكام المادتين المشار إليهما أعلاه. وبالتالي فإنّ الزملاء الصحافيين لا يمثلون إلا أمام محكمة المطبوعات، وليس أمام الأجهزة الأمنية، مع كل الاحترام لهذه الأجهزة”.