لم تكن الدراما السورية يومًا مجرد صناعة ترفيهية. كانت، على امتداد عقود، أحد أهم أدوات تشكيل الوعي العام في الداخل والخارج، ومرآة مدروسة تعكس ما يُسمح بعكسه. وبينما عرف السوريون شاشاتهم عبر الحارات الدمشقية، والأبطال التاريخيين، والحكايات الاجتماعية المشغولة بعناية، كانت هناك سردية أخرى تُدار في الخلفية: سردية السلطة اليوم، بعد الثورة وما أعقبها من تحولات انتهت بسقوط النظام في ديسمبر 2024، تقف الدراما السورية أمام منعطف وجودي. لم يعد السؤال: ماذا ننتج؟ بل: أي حكاية نروي؟ ولمن؟ زمن الدراما المسموح بها خلال عقود حكم حافظ الأسد ثم بشار الأسد، ازدهرت الدراما السورية إقليميًا. نجحت في اقتحام الشاشات العربية، وتفوّقت في الأداء التمثيلي والنصوص الاجتماعية، وخلقت هوية بصرية مميزة. غير أن هذا الازدهار لم يكن حرًا بالكامل. لم تكن الرقابة دائمًا مباشرة أو معلنة، لكنها كانت حاضرة في الوعي المهني لكل كاتب ومنتج. الاقتراب من الفساد الإداري ممكن، لكن المساس بالبنية السياسية للنظام خط أحمر. كان يُسمح بالنقد، شرط ألا يتحول إلى مساءلة. مسلسلات مثل يوميات مدير عام قدّمت صورة ساخرة عن البيروقراطية، لكنها أبقت المسؤولية في إطار “خلل مجتمعي” أو فساد فردي، لا في سياق نظام سياسي مركزي. الحارة بوصفها ملاذًا في المقابل، شهدت الدراما الشامية طفرة إنتاجية. أعمال مثل باب الحارة لم تكن مجرد حنين إلى الماضي، بل إعادة إنتاج نموذج مجتمع تقليدي منضبط، تُدار توازناته عبر سلطة ذكورية وأخلاقية واضحة. يرى نقاد أن هذه الأعمال أدّت وظيفة مزدوجة: توفير مادة جماهيرية جذابة، وفي الوقت نفسه تكريس خيال جمعي محافظ ومنزوع السياسة. الحارة هنا ليست فقط مكانًا، بل استعارة لوطن مضبوط الإيقاع. التاريخ كقناع الدراما التاريخية أيضًا شكّلت مساحة آمنة. عبر العودة إلى عصور بعيدة، طُرحت أسئلة السلطة والخيانة والعدالة ضمن سياق قبلي أو إمبراطوري، ما أتاح إسقاطات رمزية دون مواجهة مباشرة مع الواقع. بهذه المعادلة، أنتجت سوريا دراما قوية تقنيًا، لكنها محكومة بسقف سياسي منخفض. من قبضة الرقابة إلى فوضى الذاكرة… هذه هي معركة الدراما اليوم 2011: لحظة الانقسام مع اندلاع الثورة السورية، دخلت الصناعة مرحلة ارتباك عميق. انقسم الوسط الفني بين مؤيد ومعارض، وهاجر كثير من الممثلين والمخرجين. توقّف بعض الإنتاج، وتحول بعضه الآخر إلى أدوات تعبئة. لم يعد بالإمكان الفصل بين الموقف السياسي والهوية المهنية. الفنان نفسه أصبح موضوعًا للجدل. لكن التحول الأعمق لم يكن آنذاك في الشكل، بل في التراكم. مع استمرار الحرب، تراكمت قصص لم يكن بالإمكان تجاهلها: المعتقلات، القصف، المنفى، النزوح، الاختفاء القسري. ما بعد 2024: كسر المحظور سقوط النظام لم يُعد فقط تشكيل المشهد السياسي، بل أعاد ترتيب وظيفة الدراما نفسها. بدأت مشاريع درامية تتناول مباشرة حقبة حكم آل الأسد، بما فيها ملفات الاعتقال والتعذيب والفساد البنيوي. لم يعد السجن رمزًا، بل واقعًا موثقًا. ولم يعد الفساد ظاهرة هامشية، بل منظومة. أعمال قيد التحضير تتناول مجزرة حماة، وسنوات الثورة، وحكايات المعتقلين، اعتمادًا على شهادات حية وذاكرة شعبية. هنا، تتحول الدراما إلى مساحة استعادة سردية وطنية حاول النظام طمسها. تحوّل البطل اختفى “القبضاي” الذي يحل النزاعات بالعصا، ليحلّ مكانه إنسان ممزق بين فقدان البيت والبحث عن معنى. لم تعد البطولة أخلاقية تقليدية، بل وجودية. لم تعد دمشق وحدها مركز الإنتاج. انتقلت الصناعة جزئيًا إلى بيروت وإسطنبول وأوروبا، وتعددت مصادر التمويل. هذا التشتت يعكس واقع سوريا نفسها: لا مركز واحد، بل روايات متعددة. في سياق المجتمعات الخارجة من النزاعات، تلعب الثقافة دورًا مكملًا لمسارات العدالة الانتقالية. الدراما، بما تمتلكه من قوة سردية وانتشار جماهيري، يمكن أن تصبح وسيلة كشف وتوثيق. إعادة تمثيل الألم ليست مجرد فعل فني، بل مساهمة في بناء ذاكرة جماعية. غير أن هذا الدور يحمل مخاطر أيضًا: خطر التسييس الجديد، أو تحويل المعاناة إلى مادة استهلاكية. سوريا على الشاشة… من سردية الدولة إلى صوت الضحايا تحديات المرحلة الجديدة رغم اتساع هامش الحرية، تواجه الدراما السورية تحديات واضحة، ضعف البنية الإنتاجية بعد سنوات الحرب. اعتماد متزايد على تمويل خارجي قد يفرض أجندات. سوق إقليمي متردد في تبنّي سرديات سياسية حادة. الحرية متاحة أكثر من السابق، لكنها ليست بلا شروط. إذا كانت دراما ما قبل 2011 تعكس استقرارًا مُدارًا بعناية، فإن دراما ما بعد الثورة تعبّر عن قلق مفتوح. تعدد الأصوات حلّ محل الرواية الواحدة. التحول هنا ليس في الموضوعات فقط، بل في الفلسفة: من صناعة وطن متخيّل مستقر، إلى تفكيك وطن جريح يبحث عن تعريف جديد لنفسه. الشاشة كساحة صراع في الحالة السورية، لا يمكن النظر إلى الدراما بوصفها ترفًا. إنها إحدى ساحات الصراع على المعنى. من يروي القصة؟ ومن يُعرّف الضحية والجلاد؟ ومن يملك الذاكرة؟ بين “حارة” مُسيّجة بخطاب أخلاقي، و”معتقل” مفتوح على شهادات الألم، تختصر المسافة الدرامية مسار بلد بأكمله. التحول الذي تشهده الدراما السورية اليوم ليس مجرد تطور فني، بل إعادة تموضع ثقافي. من صناعة تحت سقف السلطة، إلى معركة على الذاكرة والهوية. والسؤال المفتوح: هل ستنجح الدراما في لعب دورها كمساحة نقد ومصالحة، أم ستدخل في دورة سردية جديدة محكومة بتوازنات أخرى؟ الإجابة لم تُكتب بعد. لكن المؤكد أن الشاشة السورية لم تعد كما كانت.
بعد جولاتٍ من اللقاءات والمفاوضات، والأخذِ والردّ، والتخبّطِ السياسيّ، والحقدِ المذهبيّ، والاستخفافِ الإنسانيّ، وافق لبنان على إطلاق سراح الموقوفين والمحكومين السوريّين في سجونه، الذين قضوا أكثر من عشر سنواتٍ من عقوبتهم، ما يسمح بتسليم الغالبيّة منهم، بما في ذلك من أدانتهم المحاكم اللبنانيّة بجرائم قتلِ مدنيّين وعسكريّين لبنانيّين. هكذا سقط مبدأ «المتاجرة» بدمِ الجيش اللبنانيّ وقتلةِ العسكريّين، لكنّه بقي، وبوقاحةٍ عنصريّةٍ فجّة، مسلّطًا على شريحةٍ محدّدةٍ من اللبنانيّين، ممّن تنظر إليهم دولتهم باعتبارهم فائضًا بشريًّا، مواطنين من درجاتٍ دنيا، لا ظهرَ لهم ولا دولَ خلفهم، لا قوى كبرى ولا منظّماتٍ حقوقيّة أو مدنيّة ترى فيهم قضيّةً تستحقّ العناء. لبنانيّون يُعاملون كأنّهم كائناتٌ وافدة، لا يستحقّون لا حقّ المواطنة ولا أبسطَ معايير العدالة والإنسانية. اليوم، بين جدران سجن روميّة العفِنة، هناك لبنانيّون مظلومون يتمنّون لو كانوا سوريّين، لا حبًّا بسوريا، بل كرهًا بدولةٍ لبنانيّة لا ترى في أبناءها إلّا أرقامًا قابلةً للشطب و”التجارة” حين تقتضي الحاجات. يتمنّون أن يكون لهم من يفاوض باسمهم، من يرفع صوتهم، لا من يدفنهم أحياءً ويطمس أسماءهم. بحساباتكم الضيّقة، هو مجرّد ملفٍّ سياسيّ–أمنيّ، ورقةُ تفاوض، تفصيلٌ قابلٌ للإقفال السريع، تمهيدًا لما تسمّونه «تصحيح» العلاقات مع سوريا الجديدة، ولو كان الثمن ما تبقّى من كرامة هذا البلد. أمّا في حسابات المؤمنين بالله وعدالته، فالأمر مختلفٌ تمامًا. إنّه ظلمٌ ثقيل، متراكم، يتجوّل بلا رادع، ويتمدد بلا خوف، ويطاول أناسًا تقتلهم دولتهم بدمٍ بارد، ببطءٍ محسوب، ومن دون أن ترتجف لها يدٌ أو يرفّ لها جفن. باستعلاء. تلك حساباتكم، لكن لنا حساباتنا. حساباتٌ لا تُقاس بالأسماء ولا بالمناصب، ولا تتوقّف عند جوزيف عون ولا أحمد الشرع ولا محمد بن سلمان، ولا حتى دونالد ترامب. حساباتٌ تعرف أنّ الظلم لا يُقفل ببيان، ولا يُمحى بتسوية، ولا يُدفن بقرار. حساباتٌ ترى في صمتِ البحر إنذارًا، وفي هيجانه وعدًا، وفي عمقه كائنًا قد لا يظهر كثيرًا، لكنّه حين يخرج، لا يفاوض ولا يشرح ولا يطلب الإذن. حوتًا، كحوتِ يونس، لا ليبتلع فردًا، بل ليقضم معادلاتٍ كاملة، ويقلب طاولات، ويغير نظام الكون ويعيد كتابة المشهد دفعةً واحدة. وعندها، لن تنفع السجون، ولا الصفقات، ولا الأختام الرسميّة. الظلم لا يموت، بل يتعلّم كيف يعود لينتصر، ولو بعد حين… غدا الجمعة، عند الساعة ١٢:٣٠، دعوة عامة للجميع للاعتصام أما السراى الحكومي في وسط بيروت، نصرة للمظلومين والإنسانية…
في زمنٍ بعيد، وتحديدًا في عام 1864، أشار الفيلسوفُ الإنجليزيّ هربرت سبنسر إلى نظريّةٍ قال إنّها ستحكمُ العالم، وهي «البقاءُ للأصلح»، ففصلَ مملكةَ الإنسان عن مملكةِ الحيوانات بين مخلوقاتِ الله الفاعلة.هذه النظريّة، حتّى اليوم، لم أجدْها مُثبَتة؛ فكلّ ما أراه أنّ البقاءَ دائمًا للأقوى، لمن يفرضُ قوانينَ المعادلات، ويُمسكُ بزمامِ الأمور، ويمتلكُ الأوراق، بل ويُعيدُ كتابةَ اللعبة على الأرض. هذه سوريّا، وبعد عقودٍ من الزمن، لم تنفعْ تمويلاتٌ ولا تدخّلات، لا من هيمنةِ بشّار الفار وأبيه حافظ الأسد، ولا من إنشاءِ مجموعاتٍ من المرتزقة والإرهابيّين كـ«قسد» وحزب العمّال الكردستاني PKK، ولا حتّى جماعاتٍ مواربةِ الدين الإسلامي، أكبرِ نسيجٍ في المنطقة.لقد أثبتَ الصبرُ والوعيُ تقدّمهما على الأرض، بقيادةِ الرئيس السوريّ الحالي أحمد الشرع. لقد حوّل «الجولاني» اللعبةَ لمصلحته، والمالُ على رأسه صار مالَ تنميةٍ وتطويرٍ وقوّة، وكشف أنّ الصبرَ والثباتَ على الموقف، المترافقَين مع الوعي ومعرفةِ القدرات، هو الخيارُ الأنجعُ والأفضل. ترامب، الآتي من خلفيّة اقتصاديّة صرفة، لا يرى السياسة إلّا امتدادًا لحسابات الربح والخسارة. وهو لا يُخفي طموحه في أن يكون قائد النظام العالمي الجديد، لكن ليس عبر استنزاف المال الأميركي، بل عبر مضاعفته وما قضيتُنا إذ نتحدّث عن العالم الجديد؟لقد كانت عصبةُ الأمم نتاجَ الحربِ العالميّة الأولى، وكانت الأممُ المتّحدة نتاجَ الحربِ العالميّة الثانية، واليوم يعملُ رئيسُ الولايات المتّحدة الأميركيّة دونالد ترامب على إنتاجِ مجلسٍ أو واجهةٍ جديدةٍ لتنظيم العالم، هي بكلّ بساطة «مجلسُ السلامِ العالمي». مجلسُ السلام هذا ليس لغزّة، بل للعالم أجمع. فترامب، من خلفيّةٍ اقتصاديّةٍ بحتة، يُطوّعُ السياسةَ للمال. ولأنّه يحلمُ بأن يكون قائدَ العالم الأوحد، ولأنّه لا يُحبّ أن يُسرفَ بمالِ الشعوب التي جمعها من هنا أو هناك لخُطّته الكبرى، بل على العكس، يريدُ أن يُضاعفَها بأيّ طريقة، فهو يفكّرُ بعقليّةٍ اقتصاديّة، كما ذكرنا؛ يُجرّب، يُصوّب، ويمضي. باختصار، سيُدارُ العالمُ بمجلسٍ جديد، عضويّتُه بالمال، والدولُ الحاضرةُ فيه هي الدولُ «الباقية» التي تشتري الرضا، محاولًا الأشقرُ الأميركيّ نزعَ فتيلِ حربٍ عالميّةٍ كبرى وتحويلَها إلى حروبٍ اقتصاديّة، وإن اضطُرّ إلى حروبٍ صغيرةٍ عالميًّا، كبيرةٍ إقليميًّا، ستكون بأقلّ الخسائر الماليّة والأميركيّة بالدرجة الأولى، وحقنًا للدماء بالدرجة الثانية، فهو، كما يطمح، أن يَسِمَ نفسه رجلَ سلام… ولو بالقوّة. من وجهةِ نظري، للأسف، العالمُ يستعدّ لطيّ حقبةِ الأمم المتّحدة، التي لم تُفِدِ العربَ كثيرًا ولا المسلمين، ولكنّها على الأقل كانت تُوارب وتُساير. تُطوى صفحةٌ ليُنشأ مجلسٌ جديد، هو مجلسُ ترامب، أو مجلسُ «الحلم الأميركي» The American Dream، أو كما يُسمّى رسميًّا «مجلسُ السلامِ العالمي».وسيتحكّم لاعبُ المصارعة الأشقر بالدول والأمصال، طوعًا أو ردعًا، فالبقاءُ للأقوى.