حين أشعلتِ التكنولوجيا شرارةَ المواجهة بين القوى الكبرى، بدا المشهد وكأنّه صراعٌ على المستقبل الرقمي: شبكات الجيل الخامس، الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات. لكن ما تبيّن لاحقًا هو أن هذه الحرب لم تكن سوى الطبقة الظاهرة من صراعٍ أعمق بكثير، إنّه صراعٌ على التحكّم بالبنية التحتية للحياة الاقتصادية نفسها، أي الطاقة ومساراتها… إذا كانت “الحرب الباردة الجديدة” قد بدأت تقنيًا بين واشنطن وبكين، فإنها سرعان ما تمدّدت إلى المجال الأكثر حساسية في النظام الدولي: أمن الطاقة. فالصين، التي باتت أكبر مستوردٍ للطاقة في العالم، تعتمد بشكلٍ كبير على تدفّقات النفط والغاز القادمة من مناطق جغرافية مضطربة بطبيعتها. وهذا الاعتماد تحوّل إلى نقطة ضعفٍ استراتيجية تحاول الولايات المتحدة استغلالها وإعادة هندستها. في هذا السياق، يمكن فهم سلسلةٍ من التحرّكات الأميركية، لا كأحداثٍ منفصلة، بل كأجزاء من استراتيجيةٍ أشمل تهدف إلى “تطويق الشريان الطاقوي الصيني”. فنزويلا… الظفر بالمصدر تمثّل فنزويلا واحدةً من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وقد أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد المورّدين المحتملين للصين في إطار سعي بكين إلى تنويع مصادرها بعيدًا عن النفوذ الأميركي. من هنا، لم يكن الضغط السياسي والاقتصادي الأميركي على كاراكاس مجرد خلافٍ أيديولوجي مع نظامها، بل محاولةً لإعادة إدماج هذا المورد الحيوي ضمن الفلك الغربي، أو على الأقل حرمان الصين من الاستفادة المستقرة منه. أيّ تغييرٍ في بنية الحكم هناك قد يعيد رسم خريطة تدفّقات النفط عالميًا. إيران وهرمز… معركة الممر أمّا في الخليج، فإن المواجهة تأخذ طابعًا أكثر خطورة. فإيران لا تمثّل فقط قوةً إقليمية، بل تتحكّم بشكلٍ مباشر أو غير مباشر بأحد أهم الممرات البحرية في العالم، مضيق هرمز، الذي تمرّ عبره نسبةٌ ضخمة من تجارة النفط العالمية. ما يعني أن أي اضطرابٍ في هذا المضيق لا يضرب فقط الأسواق، بل يضرب تحديدًا الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد، وفي مقدّمتها الصين. من هنا، فإن التصعيد العسكري أو السياسي مع إيران، أو حتى مجرد إبقاء المنطقة في حالة توترٍ دائم، يمكن قراءته كوسيلة ضغطٍ استراتيجية على بكين، عبر إبقاء إمداداتها الحيوية تحت تهديدٍ مستمر. باب المندب… توسيع الضغط لكن الصورة لا تكتمل عند هرمز. فالممر التالي في سلسلة الإمداد هو باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، ويُعدّ بوابةً أساسية نحو قناة السويس. أيّ اضطرابٍ في هذا المضيق، سواء عبر تصعيدٍ في اليمن أو توتراتٍ إقليمية أوسع، يعني عمليًا تعريض طريق التجارة بين آسيا وأوروبا للاهتزاز. هنا يظهر نمطٌ واضح: ليس الهدف فقط السيطرة على مصادر الطاقة، بل التحكّم في “طرق عبورها”. فالممرات البحرية أصبحت بمثابة “نقاط خنق” يمكن استخدامها في لحظةٍ معيّنة لإعادة تشكيل موازين القوى دون الحاجة إلى حربٍ شاملة. الممرّاتُ البحرية لم تعد مجرّدَ خطوطِ عبور، بل تحوّلت إلى أدواتِ ضغطٍ قادرةٍ على إعادة تشكيل موازين القوى أدوات جبايةٍ استراتيجية لا يقتصر الصراع على الممرات البحرية على تهديد الإمدادات أو تعطيلها فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى نمطٍ أكثر تعقيدًا يمكن تسميته بـ”اقتصاد الحماية”. ففي ظل تصاعد الاضطرابات الأمنية في نقاط الاختناق البحرية، تبدأ كلفة التأمين والشحن بالارتفاع بشكلٍ ملحوظ، لتظهر تدريجيًا أنظمةٌ غير مباشرة لفرض “رسوم عبور” تحت مسمّياتٍ مختلفة، مثل تكاليف الحماية، أو مرافقة السفن، أو التأمين ضد المخاطر. يخلق هذا الواقع نموذجًا جديدًا من التحكّم. فبدلًا من إغلاق الممرات بالكامل، وهو خيارٌ مكلف وخطير، يجري إبقاؤها في حالة “هشاشةٍ دائمة”، تسمح بمرور التجارة ولكن بكلفةٍ أعلى وتحت شروطٍ محددة. هنا تتحوّل القوى القادرة على التأثير في أمن هذه الممرات، سواء بشكلٍ مباشر أو عبر وكلاء، إلى أطرافٍ تتحكّم بإيقاع التجارة العالمية من خلال فرض تكاليف مستمرة على حركة السفن. في هذا الإطار، لا يعود الهدف فقط تعطيل الخصم، بل “استنزافه ماليًا” على المدى الطويل. فالدول المعتمدة على الاستيراد، وفي مقدّمتها الصين، تجد نفسها مضطرةً إلى دفع كلفةٍ إضافية ثابتة لضمان تدفّق الطاقة والبضائع، ما يشكّل ضغطًا اقتصاديًا مستمرًا دون الحاجة إلى مواجهةٍ عسكرية مباشرة. حربٌ بلا جبهاتٍ واضحة بهذا المعنى، تتحوّل مضائق مثل هرمز وباب المندب من مجرد نقاط عبور إلى أدوات “إدارةٍ قسرية” للنظام التجاري العالمي. فالقوة لم تعد في الإغلاق الكامل، بل في القدرة على ضبط مستوى التهديد، رفعه حينًا لزيادة الكلفة، وخفضه حينًا للحفاظ على تدفّق التجارة. وهذا ينسجم مع طبيعة الحرب الباردة الجديدة، التي لا تسعى دائمًا إلى الحسم السريع، بل إلى بناء منظومات ضغطٍ طويلة الأمد، تُضعف الخصم تدريجيًا وتعيد تشكيل سلوكه الاقتصادي والاستراتيجي. ما نراه اليوم ليس مجرد صراعٍ بين دول، بل إعادة تعريفٍ لطبيعة الحرب نفسها. فبدلًا من المواجهة المباشرة، نشهد استخدام أدواتٍ متعددة: العقوبات الاقتصادية الحروب بالوكالة التوترات الإقليمية السيطرة على سلاسل الإمداد كلّ ذلك في إطار صراعٍ واحد، هدفه النهائي: تحديد من يملك مفاتيح الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين. ما يجري ليس صراعًا على النفط فقط، بل معركةٌ على من يملك حقَّ التحكّم بإيقاع الاقتصاد العالمي من التكنولوجيا إلى الجغرافيا السياسية للطاقة ما بدأ كسباقٍ على شبكات الجيل الخامس، تحوّل إلى معركةٍ على خطوط الأنابيب والمضائق البحرية. وإذا كانت الحرب الباردة القديمة قد دارت حول الأيديولوجيا والردع النووي، فإن الحرب الباردة الجديدة تدور حول “الاعتماد المتبادل” ومن يستطيع تحويله إلى أداة ضغط. مع تصاعد هذا التوتر، تكتسب اللقاءات السياسية بين القادة الكبار أهميةً استثنائية. ففي ظل الحديث عن لقاءٍ مرتقب في شهر أيار المقبل بين دونالد ترامب وشي جين بينغ، لا يبدو هذا الاجتماع مجرد محطةٍ دبلوماسية عادية، بل قد يشكّل مؤشرًا على كيفية إدارة هذا الصراع المركّب: هل يتجه الطرفان نحو وضع قواعد اشتباكٍ تضبط التنافس وتمنع الانزلاق إلى مواجهةٍ مفتوحة، أم أن الحوار سيكون مجرد هدنةٍ مؤقتة في سياق صراعٍ طويل على التحكّم بشرايين الاقتصاد العالمي؟ ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: هل نحن أمام احتواءٍ استراتيجي للصين… أم أمام عالمٍ يقترب تدريجيًا من لحظة الانفجار؟ في هذا العالم الجديد، لم تعدِ القوةُ تُقاسُ فقط بما تملكه الدولُ من تكنولوجيا، بل بقدرتها على تأمين أو تعطيل تدفّق الطاقة والموارد. وبين فنزويلا وهرمز وباب المندب، تتشكّل خريطةُ صراعٍ صامت، لكنه قد يكون الأكثر تأثيرًا في رسم مستقبل النظام الدولي. * الأمين العام ل"تيار المستقبل"
الجميع يتحدث اليوم عن إيران: عن المرشد، عن إسرائيل، عن الضربات والردود. الضجيج مرتفع، لكن الصورة الأوضح غالبًا ما تختبئ خلفه. ما يجري ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل خيط واحد يمتد عبر القارات، حيث تُدار المعركة الحقيقية بلغة الاقتصاد قبل الصواريخ حدثان متباعدان… وسؤال غائب في فنزويلا، أطاحت عملية أميركية بنيكولاس مادورو. سارع كثيرون إلى الاحتفال بسقوط “ديكتاتور”، بينما انشغل آخرون بسجالات القانون الدولي. لكن سؤالًا بسيطًا غاب: من كان يشتري النفط الفنزويلي بكثافة؟الإجابة: الصين.كانت كاراكاس تضخ نحو 800 ألف برميل يوميًا إلى بكين. ومع سقوط النظام، انقطع أحد الشرايين الحيوية.في إيران، تكررت المشهدية بشكل مختلف. ضربة عسكرية كبرى، وقراءات متناقضة بين من رأى نهاية تهديد، ومن رأى خرقًا للقانون الدولي. لكن السؤال نفسه لم يُطرح بما يكفي: من كان الزبون الأكبر للنفط الإيراني؟الإجابة لم تتغير: الصين.كانت طهران تصدّر ما يقارب 1.5 مليون برميل يوميًا إلى السوق الصينية. ومع اندلاع الحرب، تعرّض هذا الخط لضربة مباشرة.بلدان مختلفان، قارتان مختلفتان، مبررات مختلفة، لكن المستهلك واحد. وهنا تبدأ القصة الحقيقية. الجغرافيا أداة ضغط المسألة ليست صدفة. إنها نمط يتكرر حين تقترب قوة صاعدة من منافسة القوة المهيمنة. لحظة الاحتكاك بين قوة قائمة وأخرى صاعدة تكون غالبًا لحظة صدام أو إعادة تشكيل قاسية للتوازنات.التاريخ يقدّم شواهد واضحة. صعود ألمانيا في مواجهة بريطانيا انتهى بالحرب العالمية الأولى. وصعود اليابان في المحيط الهادئ قاد إلى الحرب العالمية الثانية. أما الصراع بين واشنطن وموسكو، فترجم إلى الحرب الباردة.اليوم، تقف الصين على أعتاب موقع مشابه. اقتصادها ينتج نحو 28% من إجمالي الإنتاج الصناعي العالمي، وتزداد حصتها عامًا بعد عام. وتشير تقديرات عديدة إلى أنها قد تصبح الاقتصاد الأكبر عالميًا بحلول عام 2030. محرك بلا وقود كافٍ رغم هذا الصعود، تعاني الصين من نقطة ضعف جوهرية: الطاقة. فهي تستورد نحو 73% من احتياجاتها النفطية، ويبلغ استيرادها اليومي قرابة 11 مليون برميل. هذا يعني أن اقتصادًا بحجم قارة يعتمد على تدفق مستمر من الخارج. ومع تعطل خطوط الإمداد من فنزويلا وإيران، فقدت الصين ما يقارب 2.3 مليون برميل يوميًا خلال فترة قصيرة، أي نحو 20% من وارداتها النفطية. المنطق هنا بسيط: لإبطاء محرك ضخم، لا تحتاج إلى تدميره، بل يكفي أن تقلّص الوقود الذي يغذّيه. لكن الطاقة ليست كل شيء. الصين كانت تعمل، بالتوازي، على مشروع استراتيجي ضخم لإعادة تشكيل التجارة العالمية عبر “مبادرة الحزام والطريق”، وهو مشروع يمتد عبر عشرات الدول، ويربط آسيا بأوروبا من خلال موانئ وسكك حديد وخطوط نقل. الهدف واضح: السيطرة على شرايين التجارة العالمية. وقد بدأت أوروبا تميل تدريجيًا نحو هذا الاتجاه. أصبحت الصين الشريك التجاري الأول لعدد من الاقتصادات الأوروبية الكبرى، وارتفعت التبادلات التجارية بين الطرفين إلى مئات المليارات من الدولارات سنويًا. وهنا تبرز إيران مجددًا، ليس فقط كمصدر للطاقة، بل كممر جغرافي أساسي. فأي اضطراب فيها لا يوقف النفط فقط، بل يعرقل أحد أهم المسارات البرية التي تربط الصين بالقارة الأوروبية. العقدة التي تختصر القرن في قلب هذا المشهد، تقف تايوان بوصفها أحد أهم المفاصل الاستراتيجية في العالم. فهي تنتج نحو 90% من الشرائح الإلكترونية المتقدمة التي يعتمد عليها الاقتصاد الرقمي العالمي. هذه الشرائح تدخل في كل شيء: الهواتف، السيارات، أنظمة الدفاع، والذكاء الاصطناعي.ومن يسيطر على هذه الصناعة، يملك مفتاح التفوق التكنولوجي في القرن الحادي والعشرين. الولايات المتحدة تؤكد دعمها لتايوان، بينما تصر الصين على أنها جزء من أراضيها. وبين هذين الموقفين، تتصاعد احتمالات المواجهة. الربح وسط الفوضى في موازاة ذلك، لا يمكن تجاهل البعد الاقتصادي المباشر للحروب. فكل تصعيد عسكري في الشرق الأوسط يرفع الطلب على السلاح، ويؤدي إلى توقيع صفقات بمليارات الدولارات. وخلال السنوات الأخيرة، تجاوزت موازنات الدفاع في بعض دول الخليج عشرات المليارات سنويًا، ما يجعل المنطقة واحدة من أكبر أسواق السلاح في العالم. بهذا المعنى، لا تقتصر النتائج على إضعاف الخصوم، بل تمتد إلى تحقيق مكاسب مالية مباشرة. من فنزويلا إلى إيران: الحرب الحقيقية اسمها الصين الحرب التي تُدار من خلف الدخان خيط واحد ما يبدو أحداثًا متفرقة، في فنزويلا، وإيران، وروسيا، وأوروبا، يمكن قراءته بوصفه أجزاء من استراتيجية واحدة متكاملة: تقليص إمدادات الطاقة، تعطيل طرق التجارة، إعادة توجيه التحالفات، والاستفادة من اقتصاد الحروب. العالم لا يشهد حروبًا منفصلة، بل إعادة رسم لموازين القوة. والعنوان الحقيقي لكل ذلك ليس ساحة معركة بعينها، بل اسم قوة صاعدة واحدة: الصين.
يُختزل الحديث عمّا يُسمّى “صراع تركي – إسرائيلي” على أراضٍ عربية، مشهداً بالغ التعقيد أكثر ممّا يبدو للبعض، خصوصاً عند التوقّف أمام “الفارق الجوهري” ما بين تركيا كدولة إقليمية طاعنة في تاريخ الشرق الأوسط بحضارتها وحضورها الفاعل في الجغرافيا والسياسة والاقتصاد، وعلاقاتها المتجذّرة مع شعوب المنطقة، وبين إسرائيل ككيانٍ محتلٍّ لأراضي دولة فلسطين العربيّة، بلا أي جذر أو تاريخ في المنطقة بدو المشهد شديد التعقيد في ظلّ الواقع الذي يفيد بـ”تنافس جغرافي – أمني” على “الحواف” السوريّة، واللبنانيّة، والعراقيّة، واليمنيّة، وبـ”إعادة رسم” خرائط الطاقة والممرّات (غاز شرق المتوسّط / جنوب القوقاز / قناة السويس – البحر الأحمر). يأتي هذا التنافس في ظلّ تصادم شبكات نفوذ، بين محور أميركي – أوروبي يضمّ إسرائيل، وبين محور روسي – إيراني له أذرع في لبنان واليمن والعراق، في حين تنفرد تركيا بدورها كـ”لاعب محوري” يناور بين المحورين. شراكة… فقطيعة في التاريخ، وبجردة مختصرة، يتبيّن أن الشراكة التركيّة – الإسرائيليّة بلغت ذروتها في تسعينيات القرن الماضي، من خلال اتفاقيات تعاون عسكري وُقّعت بين البلدين عام 1996، وتبادل تدريبات وصناعات دفاعية، قبل أن تتدهور هذه الشراكة بعد حادثة سفينة “مافي مرمرة” عام 2010، ثمّ تتقارب مجدّداً على موجات متقطّعة، حتى انفجرت بعد حرب غزّة 2023 – 2025، وما رافقها من إعلان أنقرة عن قطع العلاقات في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، وتعليق التبادل التجاري تدريجياً. أما في الجغرافيا، فثمة أكثر من منطقة تشهد على تماس بين تركيا وإسرائيل، وهي: 1- سوريا ولبنانبينما تستمر إسرائيل في أعمالها العدائية التي ما تزال تستهدف لبنان منذ أواخر العام 2024، كما استهدفت سوريا مؤخّراً، تراقب تركيا هذا المسرح عبر عدستين: أمن حدودها شمال سوريا، وميزان القوى مع إيران وإسرائيل. 2- العراقرسّخت أنقرة حضوراً عسكرياً شمال العراق ضدّ حزب العمال الكردستاني (PKK)، وتنسّق اقتصادياً عبر مشروع “طريق التنمية” الممتد من ميناء الفاو في البصرة إلى مرسين التركية، وهو مشروع استراتيجي مهم من شأنه أن يعيد تشكيل تدفّق البضائع من الخليج إلى أوروبا. 3- اليمن والبحر الأحمرتضغط هذه المنطقة على سلاسل التوريد للطاقة والبضائع معاً، بعد أن عطّلت الهجمات الحوثيّة طريق السويس – باب المندب، ورفعت كلفة النقل عالميّاً، الأمر الذي دفع واشنطن إلى الردّ بضربات واسعة، ومعها إسرائيل التي نفّذت مؤخّراً ضربات نوعيّة في صنعاء طالت قيادات حوثيّة، فيما استمرّ إطلاق الحوثيّين صواريخ ومسيّرات على سفن مرتبطة بإسرائيل. الغاز والخطوط… وتغيّر السياسة تنطلق أهمية ممرّات الطاقة في فهم خلفيات الصراع وتغيّر السياسة، وأهمّها: شرق المتوسّطخط EastMed (إسرائيل – قبرص – اليونان – إيطاليا) ظلّ مشروعاً معلّقاً، وتراجع الدعم الأميركي له، قبل أن تأتي حرب غزّة لتزيد من صعوبة تنفيذه. في المقابل، عاد خيار ضخّ الغاز الإسرائيلي إلى مصر للتسييل أو الاستهلاك بقوّة عبر اتفاق “ليفياثان – مصر” (130 مليار م³ حتى 2040) الموقّع في آب/أغسطس 2025، ليقلّل من جاذبية أي مسار بحري – برّي مباشر عبر تركيا في المدى القريب، رغم “حالة الضجيج” التي أُثيرت بعد تسريبات إسرائيليّة عن توجيه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بعدم المضيّ في تمديد “اتفاق الغاز” مع مصر دون مراجعته، وما قابلها من تأكيدات مشتركة على أن “الاتفاق ماضٍ في طريقه”، وأن ما يقوم به نتنياهو “مجرد مناورة”. تركيا كممرّ أوروآسيويتبقى أنقرة “عنق الزجاجة” لغاز أذربيجان وأحياناً لروسيا نحو أوروبا: TANAP → TAP مع قابليّة رفع السعة إلى ~31/20 مليار م³ سنوياً، وTurkStream الذي يواصل تمرير الغاز الروسي إلى البلقان – وسط أوروبا، برغم مساعي تقليص الاعتمادات. الأمر الذي يعطي تركيا وزناً تفاوضياً كبيراً مع واشنطن وموسكو معاً. بدائل الشحن والربط التجاريأعاد تعطيل ممرّ البحر الأحمر بفعل حرب غزة الاعتبار لممرّات برّية – بحرية بديلة مثل: IMEC (الهند – الشرق الأوسط – أوروبا)، وتَعزّز الاعتماد عليها بفعل تسويق أنقرة وبغداد لمشروع “طريق التنمية” العراقي كبديل سريع بين الخليج وأوروبا، انطلاقاً من ضرورة إحلال الاستقرار في سوريا والعراق. تنفرد تركيا بدورها كـ”لاعب محوري” يناور بين محور أميركي – أوروبي يضمّ إسرائيل، ومحور روسي – إيراني له أذرع في لبنان واليمن والعراق أين روسيا وأميركا؟ تساندالولايات المتحدة إسرائيل عسكرياً وسياسياً، وتقود أمن الملاحة في البحر الأحمر عبر عملية متعددة الشركاء، وتعمل على مشاريع ربط تجاري (IMEC)، وتحاول كبح تمدّد إيران في العراق وسوريا، وضبط التصعيد مع تركيا في ملفّ “قسد”. من جهتها رسّخت روسيا وجودها العسكري في سوريا منذ العام 2015، وهي تحافظ على قنوات “فضّ الاشتباك” مع إسرائيل، وتنتقد ضرباتها لضرورات ديبلوماسية. اقتصادياً، تعتمد أكثر فأكثر على TurkStream بفعل تداعيات الحرب مع أوكرانيا، وتعذّر عبور الغاز عبرها، ما يمنح أنقرة “ورقة ضغط نادرة” على موسكو. لا يبدو سيناريو تقاسم النفوذ التركي – الإسرائيلي وارداً، بل الأرجح تعدّد أقطاب وصفقات مؤقتة وممرّات متنافسة هل تتقاسم تركيا وإسرائيل النفوذ بعد هزيمة إيران؟ رأي وازن يستبعد ذلك، ويضع خمسة أسباب بنيويّة: الدور العربي (مصر – السعودية – الإمارات – العراق – قطر) الذي بات يمتلك أدوات تأثير مستقلّة. استمرار حضور الأذرع الإيرانية (لبنان – سوريا – العراق – اليمن)، وقدرتها على امتصاص الضربات. الخلاف التركي – الإسرائيلي العميق في غزّة والقدس. القيود الأميركية – الأوروبية على أي تمدّد روسي – إيراني، في مقابل القيود الروسية على أي شراكة تركيّة – إسرائيليّة. الميل إلى حلول “متعدّدة الممرّات” لا أحادية المحور. السيناريوهات المحتملة يبدو سيناريو “تقاسُم النفوذ” غير وارد بفعل ما سبق ذِكره من معطيات، لكن ماذا عن سيناريوهات السنوات الثلاث أو الخمس المقبلة؟ تثبيت “الهدوء الساخن”استمرار الاشتباك المتقطِّع بين إسرائيل و”حزب الله” في لبنان، في موازاة ضربات إسرائيلية في سوريا، واحتواء تركي في شمالي سوريا والعراق ضدَّ الـPKK، مع إدارة أزمات الملاحة في البحر الأحمر عبر تفاهمات مؤقّتة.يُرجَّح في هذا السيناريو توسُّع تصدير الغاز الإسرائيلي إلى مصر أكثر من إحياء الخطّ مع تركيا. قفزة تكامل لوجستيتقدُّم “طريق التنمية” وربما عودة زخم IMEC إذا هدأت جبهة غزّة – لبنان، وتموضع سلاسل الإمداد بعيدًا من باب المندب – السويس جزئيًّا، بحيث تربح تركيا بوصفها عقدة عبور، وتربح إسرائيل عبر ربط موانئها في شرق المتوسّط كمحطّات وصل. انفجار واسعفرضية توسُّع الحرب في لبنان من شأنها أن تدفع أوروبا إلى طلب غاز بديل سريع (LNG/مصر/أذربيجان عبر تركيا)، وهذا ما سيُعرقل أيَّ مسار غاز بحري جديد شرق المتوسّط. تصعيد بحري طويليطيل الالتفاف حول أفريقيا، ويزيد كلفة الشحن، ويدفع إلى اعتماد أوسع على الممرّات البرّية – السككية (السعودية – الأردن – إسرائيل/مصر) إذا أمكن، وعلى تركيا كجسرٍ برّي – أنبوبي لأوروبا. ماذا يعني كلّ ذلك إذا عدنا إلى الجغرافيا ومناطق التماس في سوريا، لبنان، العراق واليمن؟ يعني ذلك أنَّ سوريا ولبنان سيظلّان مجال تنافس بالوكالة: إسرائيل مقابل محور إيران، مع “حياد عملي” تركي تجاه الجنوب وتركيز على الشمال.