في بلادٍ أَنهَكَهَا التاريخُ وما زال، لا تُروَى الحكاياتُ إلّا على لَحنِ الألَم، ولا تُفهَمُ المواقفُ إلّا حينَ تُقاسُ بميزانِ الكرامة. قِصَّةُ اليومِ ليست من خيالِ شاعرٍ، بل من فصلٍ حقيقيٍّ في ذاكرةِ الأُمَّة… حكايةُ ياسر عرفات مع الثورةِ الإيرانية، تلك اللحظةُ التي كُشِفَتْ فيها بوصلةُ القيادةِ الفلسطينيةِ على حقيقتِها: أن تكونَ فلسطينُ أولًا، لا تابعةً لأحدٍ، ولا مُلحقةً بأيِّ وصايةٍ، مهما كانَ بريقُها الثوريُّ أو عمقُها العقائديّ ثورةٌ أرادت أن تُخضِعَ الشرقعامَ 1979، اهتزَّت المنطقةُ تحتَ وقعِ انتصارِ الثورةِ الإسلاميةِ في إيران. بدا المشهدُ آنذاك مفعمًا بالأمل، إذ ظنَّ كثيرونَ أن وِلاَدَةَ نظامٍ “مُعادٍ للإمبريالية” ستعني وِلاَدَةَ سَنَدٍ جديدٍ لفلسطين.ومن بينِ المهنِّئينَ الأوائلِ كانَ الشهيدُ ياسر عرفات، الذي حملَ معه التفاؤلَ الفلسطينيَّ إلى طهران، مؤمنًا بأنَّ إيران التي ساهمَ الفلسطينيونَ في دعمِ ثورتِها ستردُّ الجميل، أو على الأقلِّ ستقفُ معهم في خندقٍ واحدٍ من أجلِ القدس. لكن، في طهران، اصطدمَ عرفاتُ بحقيقةٍ أُخرى: الثورةُ التي حلمَ بها حليفةً، أرادت أن تكونَ وصيَّةً. الخمينيُّ في العُلوّ… وأبو عمار في المبدأدخلَ عرفاتُ مجلسَ الخميني، فوجدَ نفسه في مشهدٍ رمزيٍّ لا يخلو من الرسائل:الخمينيُّ يجلسُ على منصَّةٍ مرتفعةٍ، وعرفاتُ في الأسفل؛ لَمسَةٌ مسرحيةٌ في السياسةِ تعني الكثير — أنَّ المرشدَ لا يرى نفسه نِدًّا، بل “قائدًا” لكلِّ الثورات.ولم يقفِ الأمرُ عند ذلك: الخمينيُّ طلبَ وجودَ مترجمٍ رغمَ إتقانِه اللغةَ العربيةَ بطلاقة، وكأنّما أرادَ أن يُبقي جدارًا بينه وبينَ الضيفِ الذي جاءَه مفعمًا بالودّ. ثم جاءت لحظةُ الحسم، حينَ قالَ الخمينيُّ بثقةٍ:«أُفتي بأنَّ الثورةَ الفلسطينيةَ يجبُ أن تُعلَنَ ثورةً إسلاميةً.» فردَّ عليه عرفاتُ بصلابةٍ لا تصدرُ إلّا عمَّن تربَّى على الكرامة:«وأنا ياسر عرفات الحسيني، أُفتي بأنَّها ثورةُ الإنسانِ الفلسطيني، مسيحيًّا كان أم مسلمًا.» هنا انتهى اللقاء… لكن بدأ تاريخٌ آخر: تاريخُ استقلالِ القرارِ الفلسطينيّ. اليوم، في زمنٍ تذوبُ فيه المفاهيمُ، ويُعادُ تعريفُ الهويةِ الفلسطينيةِ تحتَ وطأةِ الانقسامِ والارتهان، تظلُّ هذه الحكايةُ درسًا لا بُدَّ أن يُروَى. فلسطين تُختصر في إنسانِهامنذ ذلك اليوم، فهِمَ العالمُ أنَّ الثورةَ الفلسطينيةَ ليست بندقيَّةً مُؤجَّرة، ولا لافتةً لغيرِها من الثورات.هي ثورةُ إنسانٍ يرى في ترابِ وطنِه قبلةَ الحرية، وفي وحدتِه الوطنيةِ ضمانةَ بقائه.ولأنَّ الاستقلالَ موقفٌ قبل أن يكونَ سياسة، فقد دفعت منظمةُ التحريرِ ومن خلفَها الشعبُ الفلسطينيُّ أثمانًا باهظةً للحفاظِ على هذا الخطِّ الأحمر.لقد أثبتَ عرفاتُ أنَّ الكرامةَ الوطنيةَ لا تُقاسُ بالتحالفات، بل بقدرةِ القرارِ الفلسطينيِّ على أن يقولَ “لا” في وجهِ من يُحاولُ احتواءَه، أيًّا كانَ اسمُه أو مذهبُه. اليوم، في زمنٍ تذوبُ فيه المفاهيمُ، ويُعادُ تعريفُ الهويةِ الفلسطينيةِ تحتَ وطأةِ الانقسامِ والارتهان، تظلُّ هذه الحكايةُ درسًا لا بُدَّ أن يُروَى.من حقِّ الجيلِ الفلسطينيِّ الفَتِيّ، الذي لم يرَ سوى الموتِ والخِذلان، أن يعرفَ أنَّ لأسلافِه مواقفَ صنعت التاريخَ، لا تبعتْه.ومن واجبِنا أن نُذكِّرَه بأنَّ مَن فقدَ استقلالَه لا يحقُّ له أن يبكي على احترامِه. فيا أبناءَ فلسطين… ليس كلُّ مَن يرفعُ رايةَ القدسِ يعنيها، وليس كلُّ مَن يهتفُ باسمِ الثورةِ يؤمنُ بها. الثورةُ الحقَّةُ هي التي لا تُبدِّلُ ولاءَها، ولا تتنازلُ عن روحِها الإنسانيةِ والوطنيةِ في سبيلِ أيِّ مشروعٍ خارجيّ. كانَ يا ما كان… ولا يزالُ في فلسطينَ مَن يقولُ “لا”، ولو وحدَه.
في الوقتِ الذي يَعِجُّ فيهِ أُفُقُ العاصِمَةِ اللبنانيَّةِ بيروتَ وصيدا، عاصِمَةِ الجنوبِ، بِأَزِيزِ المُسَيَّرَاتِ الإسرائيليةِ الذي لا يَنْقَطِعُ، يَتَصاعَدُ سُؤَالٌ مُزْدَوِجٌ في الأوساطِ الشَّعْبِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ على حَدٍّ سَواءٍ: هل تُرَاقَبُ أَجْهِزَتُنا الذَّكِيَّةُ حَقًّا من الأعلى؟ ومَا الذي يُمكِنُ لتِلْكَ الطَّائِرَاتِ أن «تَلْتَقِطَهُ» حَتّى وإنْ لَم نَكُنْ نَحنُ الهَدَفَ المُبَاشِرَ؟ تَسْتَعْرِضُ هذهِ المَقالَةُ التَّحْلِيلِيَّةُ القُدُرَاتِ التِّقَنِيَّةَ للطِّرازَيْنِ الإسرائيليَّيْنِ Elbit Hermes 900 وHermes 450، وهُما مِنْ أَكْثَرِ المُسَيَّرَاتِ اسْتِخْدَامًا في مَهامِّ المراقَبَةِ والاستخباراتِ فَوْقَ لُبْنَانَ وغَزَّةَ ومَناطِقَ أُخرى. كما تُحَلِّلُ المَقالَةُ أَنواعَ البَياناتِ الَّتي يُمكِنُ جَمْعُها، سَوَاءٌ كانت لاسِلْكِيَّةً أم بَصَرِيَّةً، وتُقَدِّمُ تَوْصِيَاتٍ عَمَلِيَّةً لِلْحَدِّ مِنَ الأَثَرِ الأمنِيِّ على المدنيين. عينٌ لا تَنَام تُصَنِّعُ شَرِكَةُ “Elbit Systems” الإسرائيليةُ هاتَيْنِ المُسَيَّرَتَيْنِ، وتُصَنَّفَانِ ضِمْنَ فِئَةِ الطَّائِرَاتِ بِدونِ طَيَّارٍ مُتَوَسِّطَةِ الارتفاعِ طَوِيلَةِ التَّحَلُّقِ (MALE). تَمْتَازُ كِلَاتاهُمَا بالقُدْرَةِ عَلَى البَقَاءِ في الجَوِّ لِفَتَرَاتٍ تَتَجَاوَزُ 20 ساعةً مُتَوَالِيَةً، مَعَ حَمُولَةٍ مُتَعَدِّدَةِ المَهَامِّ تُمَكِّنُهَا مِنْ تَنْفِيذِ عَمَلِيّاتٍ اسْتِخْبَارِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ. الميزةُ التِّقَنِيَّةُ الوَصْفُ والتَّأْثِيرُ كامِيراتُ التَّصْوِيرِ البَصَرِيِّ والوَضوئِيّ-الحَرارِيِّ (EO/IR) تُتيحُ التَّقاطَ صُورٍ ومَقَاطعَ فِيديو عاليَةِ الدِّقَّةِ لَيْلاً ونهارًا، ممّا يُساعِدُ على رَصْدِ الأَفرادِ وتَحْديدِ هُوِيّاتِهِمْ مِنْ ارتفاعاتٍ شاهِقَةٍ. رَاداراتُ التَّصْويرِ المُتَطَوِّرَةُ (SAR/MTI) قادِرَةٌ على كَشْفِ حَرَكَةِ الأَفرادِ والمَرْكَبَاتِ على الأَرْضِ، حَتّى في الظُّروفِ الجَوِّيَّةِ السَّيِّئَةِ، وتَوْلِيدِ خَرائِطَ ثُلاثِيَّةِ الأَبْعادِ للتّضارِيسِ والأَبْنِيَةِ. أنظِمَةُ اعتراضِ الاتِّصالاتِ والبَثِّ اللاسِلْكِيِّ (COMINT/ELINT) تُسْتَخدَمُ لِلتَّجَسُّسِ الإِلِكْترونِيِّ عبرَ اعْتِراضِ إشاراتِ الهَواتِفِ المُتَحَرِّكَةِ وشَبَكاتِ Wi-Fi والبلوتوث، مِمّا يُمكِّنُ مِنْ تَحْديدِ مَواضِعِ الأَجْهِزَةِ وَتَتَبُّعِها. تُتيحُ هذِهِ المُكَوِّناتُ المُتَكامِلَةُ لِلمُسَيَّرَةِ جَمعَ حُزَمٍ ضَخْمَةٍ مِنَ البَياناتِ مِنَ الجَوِّ، وَدَمْجَها لِتَكْوِينِ «صُورَةٍ اسْتِخْبَارِيَّةٍ مُتَكامِلَةٍ» لِلمِنْطَقَةِ المستهدفة. بِعِبَارَةٍ أُخْرَى، هِيَ لَيْسَتْ طائِرَةَ تَصْويرٍ فَحَسْبُ، بَلْ مَنَصَّةُ مُرَاقَبَةٍ مُتَعَدِّدَةِ الطَّبَقَاتِ قادِرَةٌ عَلَى الرَّبْطِ بَيْنَ إشاراتِ الهاتِفِ، وحَرَكَةِ الأَشْخاصِ، والصُّورِ المَيْدانيّةِ. يُمكِنُ لِلمُسَيَّرَةِ تَحْدِيدَ وُجُودِ أَجْهِزَةٍ مُحَدَّدَةٍ وتَتَبُّعِها زَمَنِيًّا ومَكانِيًّا، حَتّى مِنْ دُونِ النُّفاذِ إلى مُحْتَوى الاتِّصالاتِ أو كَسْرِ التَّشْفِيرِ شَبَكاتُ الهاتِفِ الخَلَوِيِّ مِنْ أَبْرَزِ ما يُمكِنُ لِلمُسَيَّرَاتِ التَّقاطُهُ هُوَ بَياناتُ التَّعْرِيفِ الخَاصَّةُ بِالهَواتِفِ المَحمُولَةِ. فَمِنْ خِلالِ أَجْهِزَةٍ صَغِيرَةٍ تُعْرَفُ بِاسْمِ «لاقِطَاتِ IMSI» (IMSI-catchers)، يُمكِنُ للطَّائِرَةِ أنْ تَتَظَاهَرَ بِأَنَّها بُرْجُ اتِّصالاتٍ قَرِيبٍ، فَتُجْبِرُ الهَواتِفَ المُحِيطَةَ على التَّواصُلِ مَعَهَا، مِمّا يُسَمِّحُ لَهَا بِالتَّقاطِ بَياناتٍ حَيَوِيَّةٍ مِثْلَ: رَقَمُ الهُوِيَّةِ الدَّوْلِيَّةِ لِلمُشْتَرِكِ (IMSI) رَقَمُ الجِهازِ الفَرِيدُ (IMEI) المُعَرِّفاتُ المُؤَقَّتَةُ (TMSI) مُسْتوى إشارَةِ البَثِّ وتَوقِيتها بِذلِكَ، يُمكِنُ لِلمُسَيَّرَةِ تَحْدِيدَ وُجُودِ أَجْهِزَةٍ مُحَدَّدَةٍ وتَتَبُّعِها زَمَنِيًّا ومَكانِيًّا، حَتّى مِنْ دُونِ النُّفاذِ إلى مُحْتَوى الاتِّصالاتِ أو كَسْرِ التَّشْفِيرِ. تُسْتَعْمَلُ هذِهِ التِّقْنِيَّةُ عَادَةً فِي عَمَلِيّاتِ الاِسْتِخْباراتِ المَيْدَانِيَّةِ لِرَسمِ خَرائِطِ التَّواجُدِ البَشَرِيِّ أو رَبْطِ الأَشْخاصِ بِالأَجْهِزَةِ الَّتِي يَحْمِلُونَهَا. إنَّ مُجَرَّدَ وُجُودِ هاتِفِكَ في جَيْبِكَ، مُشَغَّلًا لشَبَكَتِهِ الخَلَوِيَّةِ، يَكْفِي لِيُسَجَّلَ في نِطاقِ تَغْطِيَةِ المُسَيَّرَةِ، حَتّى لوْ لَم تَكُنْ «مُسْتَهْدَفًا» بِالمَعْنَى المُباشِرِ. تَسْرِيبَاتٌ مِن حَياتِنا اليَومِيَّةِ لا تَتَوَقَّفُ الهَواتِفُ الذَّكِيَّةُ عن إِرسَالِ إشاراتِ بَحْثٍ تَلقائِيٍّ عَن شَبَكاتِ Wi-Fi وأَجْهِزَةِ Bluetooth القَرِيبَةِ. تِلْكَ الإِشاراتُ، المَعْرُوفَةُ بِاسْمِ «طَلَبَاتِ التَّحَقُّقِ» (probe requests)، تَتَضَمَّنُ أَحْيانًا أَسْماءَ شَبَكاتٍ سَبَقَ أَنْ اتَّصَلَ بِها الجِهازُ (SSIDs)، وَعَنَاوِينَ تَعرِيفِيَّةً يُمكِنُ اسْتِخْدامُها لِتَتَبُّعِ حَرَكَةِ الأَشْخاصِ. إِنْ لَم تُفَعَّلْ خَاصِّيّةُ «عَشوَائِيَّةِ عُنْوانِ MAC» (MAC Randomization)، فَيُمْكِنُ لِلْجِهَةِ المُراقِبَةِ بِنَاءُ «بُصمَةٍ رَقْمِيَّةٍ» لِجِهازِكَ وَتَتَبُّعُهُ فِي الوَقْتِ الحَقِيقِيِّ. وَهذَا ما يُعْتَقَدُ أَنَّ أنْظِمَةَ المُرَاقَبَةِ الجَوِّيَّةِ الإسرائيليةَ تَفْعَلُهُ، حَيْثُ تَدْمُجُ بَياناتِ الوِي-فاي وَالبْلُوتوث مَعَ بَياناتِ الخَلَوِيِّ لِبِنَاءِ خَرائِطَ انْتِشارِ الأَجْهِزَةِ الذَّكِيَّةِ في الأَحْياءِ السَّكَنِيَّةِ، لِتَتَشَكَّلَ شَبَكَةٌ مِنَ النِّقَاطِ الرَّقْمِيَّةِ الَّتِي تَكْشِفُ أمَاكِنَ تَواجُدِ النَّاسِ، ومَنْ يَتَحَرَّكُ مَعَ مَن، ومَتَى. ما الذي لا تَسْتَطِيعُهُ المُسَيَّرَاتُ؟ عَلَى الرَّغْمِ مِنْ تَفَوُّقِها التِّقَنِيِّ، إِلا أَنَّ المُسَيَّرَاتِ لا تَسْتَطِيعُ التَّقاطَ مُحْتَوى الرَّسائِلِ المُشَفَّرَةِ مِنْ تَطْبِيقَاتٍ مِثْلَ Signal أو WhatsApp أو iMessage، فَتَحْمِيها أنْظِمَةُ تَشفِيرٍ مِن طَرَفٍ إلى طَرَفٍ. لَكِنَّها تَسْتَطِيعُ تَقاطُ «البَيَانَاتِ الوَصْفِيَّةَ» (Metadata)، أَيْ مَنْ تَوَاصَلَ مَعَ مَنْ، ومَتَى، ومِنْ أَيِّ مَوقِعٍ تَقْرِيبِيٍّ. كَذلِكَ، فَتَحْدِيدُ الهُوِيَّةِ الدَّقِيقَةِ مِن صُورَةٍ واحِدَةٍ لَيْسَ مُؤَكَّدًا دَائمًا؛ فَهُوَ يَعْتَمِدُ عَلَى زَاوِيَةِ التَّصْوِيرِ ونَقَاوَةِ الصُّورَةِ وَالظُّرُوفِ الجَوِّيَّةِ. إِلّا أَنَّ دَمْجَ الصُّورِ مَعَ إشاراتِ الرَّاديو يَجْعَلُ الاحْتِمالَ أَقْوَى بِكَثِيرٍ، خُصُوصًا فِي بِيئَاتٍ مَكْتَظَّةٍ مِثْلَ بَيْروتَ. كَيْفَ نَحْمِي أَنْفُسَنَا؟ إِنَّ تَحْقِيقَ دَرَجَةٍ مِنَ الأَمْنِ فِي مُوَاجَهَةِ المُرَاقَبَةِ الجَوِّيَّةِ يَتَطَلَّبُ وَعْيًا تِقَنِيًّا وَسُلُوكِيًّا. فَبَدَلًا مِنَ الاسْتِسْلَامِ لِفِكْرَةِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُرَاقَبٌ، يُمكِنُ اتِّخَاذُ خُطُواتٍ عَمَلِيَّةٍ لِتَقْلِيلِ البُصمَةِ الرَّقْمِيَّةِ بِشَكْلٍ كَبِيرٍ. إِنَّ تَفْعِيلَ وَضْعِ الطَّيَرَانِ أَوْ إِيقافَ الجِهازِ كُلِّيًّا هُوَ الإِجْرَاءُ الأَكْثَرُ فَعَالِيَّةً، حَيْثُ يُوقِفُ كُلَّ انْبِعاثاتِ الإِشارَةِ مِنَ الهَاتِفِ (خَلَوِيّ، Wi-Fi، Bluetooth). إِذَا احْتَجْتَ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ قابِلٍ لِلرَّصْدِ، فَلَا بَدِيلَ عَنْ فَصْلِ الجِهازِ فِعْلِيًّا عَنِ الشَّبَكَةِ. إِضَافَةً إلى ذَلِكَ، يُنْصَحُ بِـتَعْطِيلِ الوِي-فاي والبْلُوتوث يَدَوِيًّا وَمَنْعِ إِعَادَةِ الاتِّصَالِ التَّلْقائِيِّ، حَيْثُ تَمِيلُ الهَواتِفُ الحَدِيثَةُ إِلَى الاتِّصَالِ تِلْقائِيًّا بِالشَّبَكَاتِ المَعْرُوفَةِ، وَهذَا مَا يَكْشِفُ بَيَانَاتٍ قَدِيمَةً. كَذلِكَ، فَتَفْعِيلُ خَاصِّيَّةِ عَشوَائِيَّةِ عُنْوانِ MAC، المَتَاحَةِ فِي مُعْظَمِ أَنْظِمَةِ iOS وَ Android الحَدِيثَةِ، يَجْعَلُ عُنْوانَ جِهازِكَ يَتَغَيَّرُ دَوْرِيًّا، مِمّا يُصَعِّبُ تَتَبُّعَكَ عَبْرَ شَبَكاتِ الوِي-فاي العَامَّةِ. وَلِلحِمَايَةِ القُصْوَى، يُمْكِنُ اسْتِخْدامُ أَكْياسٍ أَو أَغْطِيَةٍ فَاراداي (Faraday Bags)، وهِيَ حاوِيَاتٌ تَمْنَعُ دُخُولَ وخُرُوجَ الإِشَاراتِ الإِلِكْترونِيَّةِ، وتُعْتَبَرُ مُنَاسِبَةً لِلصَّحَفِيِّينَ أَوِ العَامِلِينَ فِي المَيْدانِ عِنْدَ الحَاجَةِ إلى عَزْلِ الأَجْهِزَةِ مُؤَقَّتًا. وَلَكِنَّ يُنْصَحُ بِتَجْرِبَتِها مُسْبَقًا لأَنَّ جَوْدَتَها تَخْتَلِفُ كَثِيرًا. الخُصوصِيَّةُ في زَمَنِ السَّماءِِ الذَّكِيَّةِ لَم تَعُدْ بِيروتُ وَصِيدا مَدِينَتَيْنِ عادِيَّتَيْنِ، بَلْ أَصْبَحَتَا رمْزًا لِلتَّعايُشِ القَسْرِيِّ بَيْنَ المُدَنِيِّ والتِّقَنِيِّ؛ مَدِينَةٌ مَلِيئَةٌ بِالحَيَاةِ، تَعْلُوها أَعْيُنٌ إِلِكْترونِيَّةٌ لا تَنامُ. إِنَّ التَّحَدِّي الحَقِيقِيَّ لَيْسَ فَقَطْ فِي قُدْرَةِ المُسَيَّرَاتِ عَلَى الرَّصْدِ، بَلْ فِي قُدْرَتِنَا كمُجتَمَعٍ مَدَنِيٍّ عَلَى فَهْمِ التِّقْنِيَّةِ وَالتَّكَيُّفِ مَعَهَا. فَالمُسَيَّرَاتُ بِدونِ طَيَّارٍ لا تُميِّزُ بَيْنَ هَدَفٍ عَسْكَرِيٍّ ومُواطِنٍ يَحْمِلُ هاتِفَهُ، والبَياناتُ تُجْمَعُ بالجُمْلَةِ. لَكِنَّ المَعرِفَةَ تَظَلُّ دِرْعًا؛ فَكُلُّ إِجْرَاءٍ تِقَنِيٍّ صَغِيرٍ، مِن تَعطِيلِ البْلُوتوث إلى اسْتِخْدامِ كِيسِ فَاراداي، يُساهِمُ في اسْتِعادَةِ جُزْءٍ مِنَ الخُصوصِيَّةِ المَسلُوبَةِ. لَقَدْ تَحَوَّلَتِ الخُصوصِيَّةُ مِنْ مَسْأَلَةٍ قَانُونِيَّةٍ فَحَسْبُ، إلى مَعْرَكَةِ وَعْيٍ وتِقَنَةٍ في فَضَاءِ أَصْبَحَ مُخْتَبَرًا اسْتِخْبَارِيًّا طائِرًا.
لم تكن نارُ غزّة لتهدأ، لو لم تَعُد مصر، من خلال قمة شرم الشيخ للسلام 2025، التي انعقدت برئاسةِ الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الأميركي دونالد ترامب، لتؤكِّد ما يحاول البعضُ نسيانَه أو تجاهلَه: أن لا تسويةَ حقيقية في المشرق، وأن لا تهدئةَ ممكنة على حدود فلسطين المحتلّة، دون المرور عبر القاهرة لم يكن في هذه العودة، التي تلاقي إعلان نيويورك الذي قادته المملكة العربية السعودية وفرنسا، أيُّ صدفة، بل استعادةٌ لدورٍ أصيلٍ تحكمه الجغرافيا، ويثبِّته التاريخ، وتديره مؤسّساتٌ تعرف متى تَصمت، ومتى تتحرّك، ومتى تتكامل مع أشقائها العرب. الدبلوماسيةُ الهادئةُ والقوةُ الصامتةُ منذ اندلاع الحرب الأخيرة في غزّة، انتهجت مصر مساراً هادئاً، بعيداً عن الصخب الإعلامي الذي يُرافق تحرّكات بعض القوى الإقليمية. عملت وزارةُ الخارجية المصرية وأجهزتُها الأمنية عبر قنواتٍ مزدوجة ـ علنيةٍ وسرّية ـ لتأمين ممرّاتٍ إنسانية، وضمان تدفّق المساعدات، ودفع الأطراف نحو وقف إطلاق النار. لكنّ الأهم أن مصر أعادت تفعيل آليّتِها التقليدية في الوساطة: الجمع بين الحوار الأمني الميداني والضغط السياسي المتدرّج. فبينما انشغلت العواصم الغربية بلغة البيانات، كانت القاهرة تجلس مع وفودٍ من “حماس” ومن إسرائيل، تستمع وتضغط، وتعيد صياغة الشروط بطريقةٍ تحفظ لكل طرفٍ ما يمكن تسويقه لجمهوره. وما لم يُعلَن كثيراً، هو أن مصر لم تكتفِ بالدبلوماسية. ففي الأسابيع الأخيرة، لوحظت تحرّكات عسكرية مصرية منسَّقة في المنطقة المنزوعة السلاح في شمال سيناء، ضمن الحدود التي رسمها اتفاق السلام مع إسرائيل. هذه التحرّكات لم تكن استفزازاً، بل رسالةً مضبوطةَ الإيقاع: أن مصر قادرة على فرض الأمن في نطاقها الحيوي، وأن استقرار سيناء خطٌّ أحمر، وأنها الضامن الموثوق لأي ترتيباتٍ ما بعد الحرب، سواء في غزّة أو على المعابر. فالدور المصري ليس خياراً تكتيكياً في أزمة غزّة، بل ضرورةٌ بنيويةٌ لحفظ توازن الإقليم، وضمان أن الحرب مهما اشتعلت ستنتهي على طاولةٍ تعرف القاهرة كيف تُديرها فعندما تتعقّد الملفات وتختنق القنوات، تعود القاهرة لتضع بصمتها، فتتحرّك الأبواب المغلقة. غيابٌ مقصودٌ وعودةٌ مقرّرةٌ تبدو مصر أحياناً كأنها تنسحب من المسرح الإقليمي، منشغلةً بأولوياتها الداخلية أو متريّثةً أمام زخم القوى الجديدة في المنطقة. لكنّ هذا الغياب غالباً ما يكون استراتيجياً لا عجزاً. فعندما تتعقّد الملفات وتختنق القنوات، تعود القاهرة لتضع بصمتها، فتتحرّك الأبواب المغلقة. إنها سياسة “الصمت الفعّال” التي تميّز المدرسة المصرية في إدارة الأزمات: ترك الآخرين يتقدّمون ويستهلكون أوراقهم، ثم الدخول في اللحظة المناسبة، بالثقل المؤسّسي والأمني الذي لا يملكه أحدٌ سواها. وفي كل مرّة، يتذكّر الجميع أن مصر ليست مجرّد “جارٍ لغزّة”، بل الركيزةُ الأمنية والسياسية للمنطقة بأكملها. وراء هذه الحركة المتقنة تقف المؤسّسة الأمنية المصرية ـ من الجيش إلى المخابرات العامة ـ التي تُدير المشهد بعقلٍ باردٍ وتوازنٍ دقيقٍ بين الأمن والسياسة. هذه المؤسّسة، التي خرجت من حروبٍ وصراعاتٍ طويلة، تعرف طبيعة الخصوم، وتفهم حدود الردع والاحتواء. وبينما يتغيّر الخطاب السياسي في الإقليم، تبقى المؤسّسة المصرية ثابتةً في رؤيتها: لا أمنَ في غزّة دون دورٍ مصري، ولا استقرارَ في إسرائيل دون تنسيقٍ مصري، ولا مستقبلَ للفلسطينيين دون غطاءٍ مصريٍّ عربيٍّ شرعي. تُثبت التجربة مجدّداً أن مصر قد تغيب، لكنها لا تُغاب. حين تسكت، تُحسب خطواتُها، وحين تعود، تعود بثقلها التاريخي وموقعها الجيوسياسي الممتدّ بين المتوسّط والبحر الأحمر، وبين العالم العربي وإفريقيا. فالدور المصري ليس خياراً تكتيكياً في أزمة غزّة، بل ضرورةٌ بنيويةٌ لحفظ توازن الإقليم، وضمان أن الحرب ـ مهما اشتعلت ـ ستنتهي على طاولةٍ تعرف القاهرة كيف تُديرها. من إعلان نيويورك إلى قمة شرم الشيخ للسلام، تحرّكت جمهوريةُ مصر العربية اليوم، كما المملكة العربية السعودية، على إيقاعٍ يعرفه كلُّ من خبرهما: إيقاعُ الدول التي لا تحتاج إلى إعلان نياتها لتُدرَك نتائجُها. * الأمين العام ل"تيّار المستقبل"