قبلَ أيّامٍ، انتشرَ تسريبٌ مُصوَّرٌ لمحادثةٍ تعودُ لشخصيّةٍ أمنيّةٍ سوريّةٍ كانت جزءًا من النظامِ السابقِ الذي سقطَ سياسيًّا وأخلاقيًّا وإنسانيًّا، ويُفترضُ أنّه أصبحَ من الماضي. في التسجيل، يظهرُ الرجلُ وهو يُهاجمُ “المقاومة” لفظيًّا، ويطلبُ مساعدةً وتبادلَ معلوماتٍ استخباراتيّةٍ مع جهةٍ تبيَّنَ لاحقًا أنّها تنتحلُ صفةَ ضابطٍ إسرائيليّ المشهدُ بحدّ ذاته فاضح، لكنّه لم يكن الأخطر. الأخطرُ كان الاحتفالَ العلنيّ بهذا السلوك من قبلِ شرائحَ سياسيّةٍ وشعبيّةٍ، وكأنّ الانتماءَ السابقَ للنظامِ الساقطِ لم يعد تهمةً، بل مجرّدَ تفصيلٍ قابلٍ للمحوِ متى تغيّرَ موقعُ الخصومة. التسريبُ يتحوّلُ إلى بروفة لم تمضِ أيّامٌ حتّى خرجَ إلى العلنِ خبرٌ عن تفاهمٍ دوليٍّ شاركت فيه سوريا وإسرائيل والولايات المتّحدة، يقضي بإنشاءِ آليّةِ اتصالٍ لتبادلِ المعلوماتِ الاستخباراتيّة تحتَ عنوانِ “خفضِ التّصعيد”، وبرعايةٍ أميركيّةٍ مباشرة. فجأةً، ما كان يُصنَّفُ خيانةً عندما صدرَ عن شخصٍ محسوبٍ على نظامٍ منبوذ، صار ممارسةً سياسيّةً “واقعيّةً” عندما دخلَ في إطارِ تفاهمٍ دوليّ. المفارقةُ ليست في مضمونِ الاتّفاقِ وحده، بل في سرعةِ الانتقالِ من الإدانةِ إلى التطبيعِ السياسيّ للفكرةِ نفسها. وكأنّ المشكلةَ لم تكن يومًا في مبدأِ تبادلِ المعلوماتِ مع العدوّ، بل فقط في هويّةِ من يقومُ به وتوقيتهِ الإعلاميّ. الخطابُ الرسميّ يتحدّثُ عن “خفضِ التّصعيد”، لكنّ التجربةَ الإقليميّةَ تُعلّمُنا أنّ هذا المصطلحَ غالبًا ما يكونُ غطاءً لتفاهماتٍ أعمقَ تتعلّقُ بالأمنِ، والسلاحِ، وحركةِ الفاعلين غير المرغوب فيهم.ليس السؤالُ هنا ساخرًا، بل سياسيًّا بامتياز: هل نحنُ أمامَ تبادلٍ تقنيٍّ بريء، أم أمامَ إعادةِ رسمٍ لخرائطِ النفوذِ وضبطِ الساحات، خصوصًا تلكَ المرتبطةَ بفلسطين وما تبقّى من هوامشِ دعمها؟تجاهلُ هذا السؤالِ ليس سذاجةً، بل خيارٌ متعمَّدٌ لإبقاءِ الرأيِ العامّ خارجَ المعادلة. الأخطرُ من السياسةِ نفسها هو استدعاءُ الدينِ لتغطيةِ هذا التحوّل. إطلاقُ اللحية، رفعُ الشعاراتِ الدينيّة، والإكثارُ من الخطابِ الوعظيّ لا يحوّلُ الصفقاتِ السياسيّةَ إلى أفعالٍ أخلاقيّة من “خيانة” إلى “حنكة” الأمرُ الأكثرُ فجاجةً هو الازدواجيّةُ الصارخةُ في الخطاب. عندما عبّرَ معارضون سابقون عن قناعاتٍ مشابهة، أو لمّحوا إلى استحالةِ الاستمرارِ في منطقِ العداءِ المفتوح، جرى تخوينُهم وتحويلُهم إلى عبرة. اليوم، تُقدَّمُ الأفكارُ ذاتُها بوصفها دهاةً سياسيّة، وحكمةَ دولة، وخطوةً ضروريّةً “لحمايةِ البلاد”. المعيارُ لم يكن يومًا أخلاقيًّا أو وطنيًّا، بل سلطويًّا بحتًا: من هو داخلَ السلطةِ يُبرَّرُ له كلُّ شيء، ومن هو خارجَها يُدانُ حتّى لو قالَ الحقيقةَ ذاتَها. الدينُ كأداةِ تبرير الأخطرُ من السياسةِ نفسها هو استدعاءُ الدينِ لتغطيةِ هذا التحوّل. إطلاقُ اللحية، رفعُ الشعاراتِ الدينيّة، والإكثارُ من الخطابِ الوعظيّ لا يحوّلُ الصفقاتِ السياسيّةَ إلى أفعالٍ أخلاقيّة. استخدامُ الدينِ كدرعٍ يمنحُ قداسةً زائفةً للقرارات لا يحمي الدولة، بل يدمّرُ المعنى الأخلاقيّ للدينِ نفسه. حينَ يصبحُ التقاربُ مع القوى الدوليّة والإقليميّة “ضرورةً شرعيّةً”، بينما يُجرَّمُ النقدُ بوصفه خروجًا عن الجماعةِ أو خيانةً، نكونُ أمامَ تديينٍ للسياسةِ لا علاقةَ له بالقيم، بل بالضبطِ والسيطرةِ وإسكاتِ الأصواتِ المخالِفة. الشرعيّةُ الحقيقيّةُ لا تمرّ عبرَ السماءِ وحدها في واقعِ المنطقة، بات واضحًا أنّ من يريدُ الحفاظَ على الحكم، سواء جاءَ عبرَ السلاحِ أو الانتخاباتِ أو الأمرِ الواقع، لا يملكُ ترفَ تجاهلِ واشنطن أو تل أبيب. هذه حقيقةٌ سياسيّةٌ لا تحتاجُ إلى إنكار. لكن تحويلَها إلى “مبدأ”، وتسويقَها كخيارٍ أخلاقيٍّ أو دينيّ، هو الاحتيالُ الحقيقيّ.الشرعيّةُ لا تُبنى على النفاق، ولا على تقسيمِ الناسِ إلى “سحيجة” و”خونة” بحسبِ المصلحة، بل على وضوحِ الموقفِ واستعدادهِ لتحمّلِ كلفته. سقوطُ الأقنعةِ أسرعُ من سقوطِ الأنظمة في وقتٍ لم تجفّ فيه دماءُ غزّة، ولم تُرفعْ فيه الأنقاضُ عن أجسادِ الضحايا، يبدو الحديثُ عن تنسيقٍ أمنيٍّ وتبادلِ معلوماتٍ بلا أيّ حساسيّةٍ أخلاقيّة، انفصالًا كاملًا عن الواقع. ليس المطلوبُ خطاباتٍ عاطفيّة، بل الحدّ الأدنى من الصدق: الاعترافُ بأنّ ما يجري هو سياسةُ مصالح، لا بطولة، ولا مقاومة، ولا فتحٌ مبين. ما نراهُ اليومَ ليس ولادةَ نظامٍ أخلاقيٍّ جديد، بل إعادةُ تدويرٍ قديمةٍ لخطابِ السلطة، مع وجوهٍ وشعاراتٍ مختلفة. النظامُ السابقُ سقط، لكن أدواتِه في التبريرِ والتخوينِ واستخدامِ المقدّس ما زالت حيّة. السياسة التي تحتاج إلى السماء لتبرير نفسها، تعترف ضمنًا بفشلها على الأرض. وحين يُستدعى المقدّس لحماية الصفقة، فهذا لأنّ الحقيقة لم تعد قادرة على الوقوف وحدها. في النهاية، لا يبقى من “خفض التصعيد” سوى اسمه، أمّا ما يُخفَّض فعليًّا، فهو سقف الأخلاق.
ستكشف حيثيّات مقتل السوري غسّان نعسان السخني، المعروف بـ«الطرماح»، قائد مجموعة «الطراميح» التي عملت ضمن الفرقة 25 في جيش نظام بشّار الأسد البائد، ما إذا كان لبنان، أمس، أمام نقطة تحوّل في تعاطي دمشق الجديدة مع بلاد الأرز. فإن صحّت التأويلات بأن مقتل المجرم «الطرماح» ليس جريمة عاديّة على خلفيّة خلافٍ مالي، كما ذكرت الرواية الرسميّة اللبنانيّة، فإنّنا نكون أمام أوّل اغتيال سياسي «واضح» تنفّذه المخابرات السوريّة الجديدة في الحقبة الجديدة، ما يُنذر بسلسلة تداعيات وأحداث سيكشفها القادم من الأيّام. فالمؤشّرات والتحليلات الأمنيّة تشير إلى احتماليّة وجود أبعاد سياسيّة وأمنيّة أعمق لهذه العمليّة، تعكس الصراعات المستمرّة في المنطقة، واحتمال تحوّل لبنان إلى ساحة لتصفية حسابات مرتبطة بسقوط النظام السوري. ملابسات الاغتيال عثرت الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة على جثّة غسّان نعسان السخني في منطقة كسروان، شمالي بيروت، بعد ساعات من اختفائه، ليل الأحد 22 ديسمبر 2025. ووفقًا للمعلومات الأمنيّة الأوّليّة، استقلّ السخني سيارة من طراز «هيونداي» بيضاء اللون، كان يقودها شخص مجهول، قبل أن تنقطع أخباره. وعند العثور على جثّته، تبيّن أنّه أُطلق عليه الرصاص برصاصة في الرأس، كما عُثر على آثار طعنة سكين في رجله. أعلن بيان صادر عن الجيش اللبناني توقيف المشتبه به، السوري (و.د)، الذي استدرج السخني إلى بلدة كفرياسين في قضاء كسروان، حيث أطلق النار عليه بمسدّس حربي. وقد تمكّن الموقوف من الفرار بعد الجريمة، لكن الأجهزة الأمنيّة ألقت القبض عليه لاحقًا في بلدة تلبيرة الحدوديّة في عكّار، هو يحاول الفرار إلى الأراضي السورية. في اللغة العربية، تعني كلمة «طرماح» الرجل الطويل القامة، الضخم الجسم، القويّ البنية، وقد يُقصد بها أيضًا الشخص الشجاع والمقدام في القتال الرواية الرسمية قدّمت السلطات اللبنانيّة تفسيرًا رسميًا للجريمة، يقوم على وجود «خلاف مالي» بين القاتل والضحيّة. وبحسب البيان الرسمي للجيش اللبناني، تمّ توقيف الموقوف «على أثر خلاف مالي بينهما»، وتحويل الملف إلى القضاء المختصّ برئاسة النائب العام الاستئنافي في جنوب لبنان، القاضي سامي صادر. غير أنّ هذا التفسير اعتبر تبسيطًا مفرطًا لجريمة تحمل دلالات أعمق، في سياق التطوّرات الأمنيّة والسياسيّة الراهنة في المنطقة. من هو غسّان النعسان؟ ينحدر غسّان نعسان السخني من بلدة قمحانة في ريف حماة الشمالي، وهي منطقة عُرفت تاريخيًا بكونها خزانًا بشريًا للتشكيلات العسكريّة الموالية لنظام الأسد. برز اسمه كأحد القادة الميدانيّين في ما عُرف بـ**«فوج الطرماح»**، وهو تشكيل قتالي من قوات النخبة، عمل ضمن «قوات النمر»، التي تحوّلت لاحقًا إلى الفرقة 25 مهام خاصّة في جيش نظام الأسد. تولّى السخني رئاسة مجموعة «الطراميح» في بلدته قمحانة، وشارك في عدد من المعارك البارزة التي خاضها النظام خلال سنوات الحرب السوريّة. وكان معروفًا بلقب «الطرماح»، وارتبط اسمه بعمليّات عسكريّة دامية في عدّة مناطق سوريّة، من بينها دير الزور، وحلب، والغوطة الشرقيّة، وريف إدلب الجنوبي. كان السخني يرتبط بعلاقات وثيقة مع العميد سهيل الحسن، الملقّب بـ**«النمر»**، أحد أبرز قادة المخابرات الجويّة السوريّة، والمقرّبين من الرئيس المخلوع بشّار الأسد. وكانت الفرقة 25 التي قادها الحسن تُعدّ من أكثر التشكيلات العسكريّة قسوة وفتكًا في جيش النظام. السقوط والفرار مع سقوط نظام بشّار الأسد، بدأ عدد من الضبّاط والعناصر العسكريّة والأمنيّة السابقين بالفرار من سوريا. اتّجه البعض إلى روسيا، حيث استقبلت موسكو عددًا من كبار القادة العسكريّين والأمنيّين السابقين، فيما اختار آخرون، ومن بينهم غسّان النعسان، الإقامة في لبنان. استقرّ السخني في البداية في منطقة طبرجا شمالي بيروت، حيث أقام في شاليه على الساحل، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى شقّة سكنيّة في المنطقة نفسها. وكان اختيار طبرجا وكسروان غير تقليدي، مقارنة بالمناطق التي يلجأ إليها عادة رموز النظام السابق، كالبقاع أو الضاحية الجنوبيّة لبيروت، ما أثار تساؤلات حول طبيعة إقامته وأنشطته. عاش السخني حياة منخفضة الظهور الإعلامي في لبنان، ولم تُعرف تفاصيل كثيرة عن تحرّكاته أو علاقاته، غير أنّ معلومات أمنيّة تشير إلى احتفاظه بعلاقات مع عناصر أخرى من النظام السابق المتواجدين في لبنان. عثرت الأجهزة الأمنيّة اللبنانيّة على جثّة السخني في منطقة كسروان بعد ساعات من اختفائه زيارة الوفد الأمني السوري في 19 ديسمبر 2025، أي قبل ثلاثة أيّام من مقتل السخني، زار وفد أمني سوري لبنان، ضمّ العميد عبد الرحمن دبّاغ، مساعد مدير المخابرات في الحكومة السوريّة الجديدة. وعقد الوفد سلسلة لقاءات مع مدير المخابرات في الجيش اللبناني، العميد طوني قهوجي، إضافة إلى مسؤولين أمنيّين لبنانيّين آخرين. قُدّمت الزيارة رسميًا في إطار التعاون الأمني بين البلدين، وتمحورت حول مكافحة تنظيم داعش، وضبط الحدود، والملفّات الأمنيّة المشتركة. غير أنّ معلومات أمنيّة وتقارير إخباريّة أشارت إلى أنّ الهدف الحقيقي كان مختلفًا. بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، تمحورت الاجتماعات حول ملف وجود ضبّاط وعناصر من جيش وأجهزة أمن النظام السابق داخل الأراضي اللبنانيّة، وسعي دمشق إلى إقناع السلطات اللبنانيّة بتسليم عدد منهم. وذكرت معلومات أنّ الوفد السوري سلّم لائحة بأسماء ضبّاط محسوبين على نظام الأسد المخلوع، وطالب بتسليمهم. كما تحدّثت تقارير عن سعي دمشق لفتح «مكتب تسوية أوضاع» لمؤيّدي النظام السابق الموجودين في لبنان. غير أنّ السلطات اللبنانيّة قابلت هذه الطلبات برفض واضح، مؤكّدة أنّه لم يُقدَّم أي طلب رسمي، بل محاولات غير رسميّة، وهو ما يتقاطع مع رفض لبناني سابق لطلبات مماثلة في مراحل سابقة. جريمة ماليّة أم تصفية سياسيّة؟ رغم الرواية الرسميّة التي تحدّثت عن خلاف مالي، يرى محلّلون أمنيّون أنّ الجريمة تحمل أبعادًا أعمق، مستندين إلى عدّة عوامل: التوقيت المريب: وقوع الجريمة بعد ثلاثة أيّام من زيارة الوفد السوري. المكان غير التقليدي: كسروان ليست بيئة مألوفة لرموز النظام السابق. الطريقة الدموية: استخدام الرصاص والسكين معًا. السياق الأوسع: صراعات ما بعد سقوط النظام، وخشية تحويل لبنان إلى ساحة تصفية. تصفية مخطّط لها وفقًا لتحليلات أمنيّة، فإن فشل المسار السياسي – الأمني دفع دمشق إلى خيارات أكثر خطورة، تشمل عمليات تصفية واغتيال، عبر فصائل موالية، بهدف فرض وقائع بالقوّة وترهيب خصوم النظام السابق. ويشير المرصد السوري إلى أنّ هذه العمليّات لا تقتصر على الاغتيالات، بل تشمل الاستدراج والابتزاز، في إطار حملة أوسع لتصفية الحسابات. ليست رصاصة كسروان تفصيلاً أمنيًا، ولا سكين «الخلاف المالي» سوى كذبة باردة واهنة أمام مشهد أكبر وأخطر. اغتيال غسّان النعسان لم يكن حادثًا عابرًا، بل رسالة دم مكتوبة بوضوح: من نجا من سقوط النظام، قد لا ينجو من ذيله. حين يُقتل ضابط نظام سابق بهذه الطريقة، وفي هذا التوقيت، وبعد زيارة وفد أمني سوري، فالمسألة لم تعد جنائيّة، بل سياديّة بامتياز. السؤال من قرّر أن يكون لبنان ساحة تصفية مفتوحة؟ الأخطر ليس عودة المخابرات السوريّة إلى لبنان، بل عودة لبنان إلى زمن الاغتيال كلغة تفاوض، وأن الرصاص بات أسرع من أي مذكرة دبلوماسية. اغتيال «الطرماح» قد يكون الأوّل… وما لم يُكسر هذا المسار الآن، فلن يكون الأخير.
بعد عامٍ على سُقوطِ نِظامِ بَشّارِ الأسد، يَقِفُ أحمدُ الشَّرع، المَعروفُ سابِقًا بـ”أبو مُحمَّدٍ الجولاني”، في قَلبِ المُعادلةِ السُّوريّةِ الجديدة. الرَّجُلُ الّذي قادَ هُجومَ المُعارَضةِ الخاطِفَ نحو دِمشق، يَتربَّعُ اليومَ على رأسِ السُّلطةِ الانتقالية، ويُواجِهُ سُؤالًا مَصيريًّا يَتردَّدُ في أروِقةِ السّياسةِ الإقليميّةِ والدَّولية: هل هو مُجرَّدُ قائِدٍ لِمَرحلةٍ انتقاليةٍ سيُسَلِّمُ بَعدَها السُّلطة؟ أم أنّهُ يَطمَحُ لِيكونَ حاكِمَ سوريّا الدّائم؟ التَّحوُّلُ البِراغماتي لِفَهمِ مُستقبلِ أحمدَ الشَّرع، لا بُدَّ من فَهمِ ماضِيه. لقد أظهرَ الرَّجُلُ قُدرةً لافِتةً على التَّحوُّلِ والتَّكَيُّف، مِن زَعيمٍ لِجبهةِ النُّصرةِ التّابعةِ لِتنظيمِ القاعِدة، إلى قائِدٍ لِهيئةِ تَحريرِ الشّام الّتي فَكَّتِ ارْتِباطَها بِالتّنظيماتِ العالميّة، وُصولًا إلى شَخصيّةٍ سياسيّةٍ بِراغماتيةٍ تُقَدِّمُ نَفسها كَبَديلٍ مَقبولٍ مَحليًّا ودَوليًّا. لم يَكُن هذا التَّحوُّلُ مُجرَّدَ تَغييرٍ في الِاسْم، بَل كانَ استِراتيجيّةً مَدروسةً تَضَمَّنَت عِدّةَ عَناصِرَ أساسيّة. أَوَّلُها كانَ فَكَّ الِارْتِباطِ الأيديولوجي، مِن خِلالِ الِابتِعادِ عنِ الخِطابِ الجِهاديِّ العالَميّ والتَّركيزِ على “الشَّأنِ السُّوريِّ” حصرًا. ثانيها تَمثَّلَ في بُناءِ مُؤسَّساتِ حُكمٍ عَبرَ إنشاءِ “حُكومةِ الإنقاذ” في إدلب، كَنَموذَجٍ أَوَّليٍّ لإدارةِ المَناطِقِ المُحرَّرة، مِمّا أعطى انطِباعًا بِالقُدرةِ على الحُكمِ وليس مُجرَّدِ القِتال. ثالثها كانَ الِانفِتاحَ على الخَارِجِ، مِن خِلالِ إجْراءِ مُقابَلاتٍ مع وَسائلِ إعلامٍ غَرْبيةٍ وتَقديمِ تَطميناتٍ لِلأقلّياتِ والقُوى الإقليميّةِ والدَّولية. هذهِ البِراغماتيةُ هي الّتي مَكَّنتهُ مِن تَوحيدِ فَصائِلِ المُعارَضة، وكَسبِ قَبولٍ ضِمنيٍّ مِن قُوى دَوليةٍ كانَت تَراهُ إرهابيًّا، وُصولًا إلى قِيادةِ المَرحلةِ الانتقاليةِ في دِمشق. نَجَحَ الشَّرع في تَقديمِ نَفسهِ كَرَجُلِ دَولةٍ واقِعيّ، قادِرٍ على التَّعامُلِ مع التَّعقيداتِ السياسيّةِ والأمنيّة، بَعيدًا عنِ الأيديولوجيا الصَّلبة الّتي مَيَّزتْ بداياتِه. حَقلُ ألغامٍ يُهَدِّدُ الِاستقرار على الرَّغمِ مِنَ النَّجاحِ العَسكريِّ والسّياسيّ، يَسيرُ الشَّرعُ على حَبلٍ مَشدودٍ داخليًّا. فالتَّحدّياتُ الّتي تُواجِهُهُ هائلة، وأيُّ خَطأٍ في التَّعامُلِ مَعها قد يَنسِفُ المَرحلةَ الانتقاليةَ بِأكمَلِها. وَرِثَتِ الحُكومةُ الانتقاليةُ اقتصادًا مُدمَّرًا وبُنيةً تَحتيةً مُهترئة. تُشيرُ التَّقديراتُ إلى أنّ الاقتصادَ السُّوريَّ خَسِرَ نحو ثَمانمِئةِ مِليارِ دولار خِلالَ سَنواتِ الحَرب، ودُمِّرتِ البُنيةُ التَّحتيةُ بشكلٍ شِبهِ كامِل، وانْهارَتِ القِطاعاتُ الِإنتاجية، ووَصَلَت نِسبةُ الفَقرِ إلى ما يُقارِبُ تِسعين في المِئة. ورَغمَ رَفعِ بَعضِ العُقوباتِ الدَّولية، فإنّ إعادةَ الإعمارِ تَتطلّبُ مِلياراتِ الدَّولاراتِ واسْتقرارًا أمنيًّا وسياسيًّا لِجَذبِ الِاستثمارات. الفَشلُ في تَحسينِ الوَضعِ المَعيشيِّ لِلسُّوريين بشكلٍ مَلموسٍ وسَريع قد يُؤدّي إلى اضطِراباتٍ اجتماعيةٍ تُقَوِّضُ شَرعِيّةَ السُّلطةِ الجديدةِ وتُهَدِّدُ استِقرارَها. قد يَرى الشَّرعُ أنّ بَقائَه في السُّلطة ضَروريٌّ لِلحِفاظ على الِاستقرارِ ومَنعِ انزِلاقِ البِلاد مُجدَّدًا نحوَ الحَربِ الأهليّة. في هذا السِّيناريو، قد يَعمَلُ على تَرسِيخِ حُكمِه مِن خِلالِ تَعديلاتٍ دُستوريةٍ أو انتِخاباتٍ شَكلية العَدالةُ الانتقالية يُطالِبُ مَلايينُ السُّوريين بالعَدالةِ والمُحاسبةِ عن جَرائمِ الحَربِ الّتي ارْتُكِبَت على مَدى عُقود. أطلقَ الشَّرعُ مَشروعًا لِلعَدالةِ الانتقالية، لكنّهُ يُواجِهُ مَعْضِلةَ التَّوازُنِ الدَّقيق بينَ مَطلبِ المُحاسبةِ الكامِلةِ وضَرورةِ المُصالحةِ الوَطنية، خاصّةً مع وُجودِ آلافِ المُتورِّطين السّابِقين في مُؤسّساتِ الدَّولة الّذين لا يُمكِنُ الِاستغناءُ عنهم لِإدارةِ البِلاد. كما يُواجِهُ الشَّرعُ تَحدّي طَمأنةِ الأقَلّياتِ الدّينيةِ والإثنية، خاصّةً العَلويةَ والمَسيحيةَ والدّرزيةَ والكُردية، الّتي كانَت تَخشَى مِن خَلفيّتهِ الإسلاميةِ وماضيه الجِهادي. وقد أظهرَ مَرونةً سياسيةً مَلحوظةً وأكّد مِرارًا على الوَحدةِ الوطنيةِ واحترامِ التَّنوّع، لكنّ بُناءَ الثّقةِ الحقيقيّةِ يَتطلّبُ أكثَرَ مِن خِطابات. يَحتاجُ إلى إجراءاتٍ مَلموسةٍ تَضمنُ حُقوقَ كافّةِ المُكوِّناتِ في الدُّستورِ الجديدِ والمُؤسّساتِ الحُكومية، وتَمنَعُ أيَّ تَمييزٍ أو تَهميش. أيُّ حادِثةٍ طائفيةٍ أو انتِهاكٍ لِحُقوقِ الأقَلّيات قد يُشعِلُ فَتيلَ صِراعٍ جديدٍ ويُقَوِّضُ كُلَّ ما تَمَّ بُناؤه. ولا يَحظى الشَّرعُ بإجماعٍ كامِل داخلَ المُعارَضةِ السُّوريةِ نَفسها. فهُناكَ انتِقاداتٌ مِن شَخصياتٍ مُعارِضةٍ علمانيةٍ ولِيبرالية تَخشى مِن هَيمنةِ تَيّاره الإسلاميّ على مُستقبلِ سوريّا، وتُطالِبُ بِمُشاركةٍ أوسَع في السُّلطة وضَماناتٍ أكبر لِلحُريّاتِ المدنية. كما أنّ سُلوكَ بَعضِ مُؤيّديه المُتشدّدين يُثيرُ مَخاوِفَ مِن عَودةِ أساليبِ القَمعِ القديمة، مِمّا يَضَعُ الشَّرع أمامَ تَحدّي ضَبطِ قائِدتهِ الشَّعبية وتَطويرِ خِطابِه ليكونَ أكثَرَ شُموليةً وديمقراطية. لُعبةُ الأُمَم يَعتمدُ مُستقبلُ الشَّرع بشكلٍ كبيرٍ على قُدرتهِ على إدارةِ شَبكةٍ مُعقّدةٍ مِن العَلاقاتِ الخارجية. وقد نَجَحَ حتّى الآن في تَحقيقِ قَبولٍ دَوليٍّ واسِع، لكنّ هذا القَبولَ مَشروطٌ ومَحفوفٌ بالمَخاطر. صَفَ الشَّرعُ عَلاقاتِه مع تُركيا والسّعودية وقطر والإمارات بـ”المِثالية”، ومع مِصرَ والعِراقِ بـ”المَقبولة”. هذا الدَّعمُ الخَليجيُّ والتُّركيُّ أساسيٌّ لِتحقيقِ الِاستقرارِ الاقتصاديّ والسياسيّ. تُركيا تُعَدُّ الدّاعمَ الأكبرَ له، سواءً عَسكريًّا أو سياسيًّا، ولَها مَصالِحُ استراتيجيّةٌ في استقرارِ سوريّا وعَودةِ اللاجئين. أمّا دُوَلُ الخليج، فَتَنظُرُ إليه كَحَليفٍ مُحتَمَلٍ في مُواجهةِ النُّفوذِ الإيراني، وهي مُستعِدّةٌ لِضَخِّ استِثماراتٍ ضَخمة شَرطَ أن يَلتزِمَ بِخطٍّ سياسيٍّ مُعتدِلٍ ومُنفتح. لكنّ هذا الدَّعمَ ليسَ مُطلَقًا، وقد يَتراجعُ إذا شَعرت هذه الدُّوَل بأنّ الشَّرعَ يَنحَرِفُ نحو التَّطرُّفِ أو يَفشَلُ في تَحقيقِ الِاستقرار. القَبولُ الغَربي يَبدو أنَّ الولاياتِ المتحدةَ وأوروبا تُعامِلانِ الشَّرعَ بمَنطِقِ “الرَّجُلِ المَوجود” الّذي يُمكِنُهُ تَحقيقُ الِاستقرارِ ومَنعُ عَودةِ الفَوضى أو صُعودِ جَماعاتٍ مُتطرِّفةٍ أخرى. وقد حَظيَ بِدَعمٍ أمريكيٍّ مُباشِرٍ مِن إدارةِ ترامب، الّتي رَأت فيهِ فُرصةً لِإخراجِ النُّفوذِ الإيرانيّ مِن سوريّا وإعادةِ تَوجيهِ البِلاد نحوَ المَعسكرِ الغَربيّ. لكنّ هذا الدَّعمَ سيَبقى مَرهونًا بِمدى التِزامِه بِالتحوُّلِ الدّيمقراطيّ وحُقوقِ الإنسانِ واحترامِ الأقَلّيات. أيُّ انتِهاكاتٍ جَسيمةٍ أو تَحوُّلٍ نحوَ الِاستبداد قد يَقلبُ الموقِفَ الغَربيَّ ضِدَّه، خاصّةً مع وُجودِ ضُغوطٍ مِن مُنظَّماتِ حُقوقِ الإنسانِ ومَجموعاتِ الضَّغطِ في الغَرب. ورَغمَ أنّ رُوسيا كانَتِ الدّاعمَ الأكبرَ لِنظامِ الأسد، إلّا أنّها تَعامَلَت بواقِعيةٍ مع سُقوطِه. وقد أكّدَ الشَّرعُ على وُجودِ “مَصالِحَ استراتيجيّة” مع موسكو، في إشارةٍ إلى رَغبتهِ في الحِفاظِ على عَلاقةٍ تَضمنُ عَدَمَ تَحوُّلِ رُوسيا إلى قُوّةٍ مُعرقلة. رُوسيا لَديها قَواعِدُ عَسكريةٌ في سوريّا تَعتبِرُها حَيويةً لِنفوذِها في المتوسِّطِ والشّرقِ الأوسط، وهي مُستعدّةٌ لِلتَّعامُلِ مع أيِّ قِيادةٍ تَضمنُ هذهِ المَصالِح. هذهِ البِراغماتيةُ المُتبادَلة قد تَسمَحُ بِبِناءِ عَلاقةٍ جديدة، لكنها ستَبقى هَشّةً وقابِلةً لِلتَّغَيُّرِ بِحَسَبِ التَّطوّراتِ الإقليميّةِ والدَّولية. سِيناريوهاتُ المُستقبل بِناءً على ما سَبق، يُمكِنُ رَسمُ ثلاثةِ سِيناريوهاتٍ رَئيسيةٍ لِمُستقبلِ أحمدَ الشَّرع في السُّلطة: “رَجُلُ الدَّولة” الّذي يُسَلِّمُ السُّلطةفي هذا السِّيناريو، يَنجَحُ الشَّرعُ في قِيادةِ مَرحلةٍ انتقاليةٍ ناجِحة، ويُشرفُ على صِياغةِ دُستورٍ جديدٍ يَضمنُ الحُرياتِ والحُقوق، وبِناءِ مُؤسّساتِ دَولةٍ قَوِيّةٍ ومُستقلّة، وإجراءِ انتِخاباتٍ حُرّةٍ ونَزيهةٍ تحتَ إشرافٍ دَوليّ، ثُمَّ يُسَلِّمُ السُّلطةَ طَوعًا لِحُكومةٍ مُنتخَبة. هذا الخِيارُ سيُكَرِّسُ صُورَته كَبَطلٍ وطنيٍّ حقيقيٍّ ومُؤَسِّسٍ لِسوريّا الجديدة. “الحاكِمُ القَوِيّ” الّذي يَبقى في السُّلطةقد يَرى الشَّرعُ أنّ بَقائَه في السُّلطة ضَروريٌّ لِلحِفاظ على الِاستقرارِ ومَنعِ انزِلاقِ البِلاد مُجدَّدًا نحوَ الحَربِ الأهليّة. في هذا السِّيناريو، قد يَعمَلُ على تَرسِيخِ حُكمِه مِن خِلالِ تَعديلاتٍ دُستوريةٍ أو انتِخاباتٍ شَكلية، مُتَحوِّلًا بِالتَّدريجِ مِن قائِدٍ انتقالِيٍّ إلى رَئيسٍ دائِم. الانهيارُ والفَوضىفي هذا السِّيناريو، يَفشَلُ الشَّرعُ في إدارةِ التَّحدّياتِ أو يَفقِدُ الدَّعمَ الخارجيَّ الحاسم، مِمّا قد يُؤدّي إلى انزِلاقِ البِلاد نحوَ الفَوضى مُجدَّدًا. الإجابةُ على سُؤالِ "هل يُكمِلُ الشَّرعُ في حُكمِ سوريّا؟" ليست بَسيطةً ولا حَتمية. فالرَّجُلُ الّذي أظهرَ دهاءً سياسيًّا استثنائيًّا وقُدرةً على التَّحوُّل، يُواجِهُ اليومَ اختِبارًا تاريخيًّا. إنَّ مُستقبلهُ السياسيَّ، ومُستقبلَ سوريّا بأكمَلِها، مَرهونٌ بِقُدرتهِ على تَرجمةِ وُعودهِ بالإصلاحِ والعَدالةِ والدّيمقراطية إلى واقِعٍ مَلموس.