ربما تكون إسرائيل قد ارتكبت خطأً استراتيجياً أكبر من كل أخطائها العسكرية: جعلت الولايات المتحدة تبدو وكأنها تدفع فاتورة حروب ليست لها. فالحليف الذي كان يُسوَّق في واشنطن باعتباره «رصيداً استراتيجياً» بدأ يتحول، مع اتساع الحروب وتراكم الأزمات، إلى حساب مفتوح لا يعرف أحد أين أو كيف ينتهي. هذه ليست دعوة إلى إعلان نهاية التحالف الأميركي الإسرائيلي، ولا نبوءة بانهياره غداً. إنها قراءة أكثر برودة للوقائع، ماذا يحدث عندما يصبح الحليف الذي يفترض أن يزيد قوة الدولة الكبرى سبباً في استنزاف نفوذها، وإرباك تحالفاتها، وتوسيع خصوماتها؟ الرصيد يصبح فاتورة لعقود، بدت إسرائيل بالنسبة إلى الولايات المتحدة صفقة رابحة. قوة عسكرية متقدمة، جهاز استخبارات متطور، قاعدة متقدمة في منطقة شديدة الاضطراب، وحليف مستعد لخوض المعارك التي لا تريد واشنطن خوضها مباشرة. لكن الشرق الأوسط لم يبقَ كما كان، وإسرائيل أيضاً لم تعد كما كانت في الحسابات الأميركية. فالدولة التي كان يفترض أن تساعد واشنطن في إدارة المنطقة باتت تحتاج بصورة متزايدة إلى واشنطن كي تدير أزمات المنطقة التي ساهمت سياساتها في تفجيرها. وكلما اتسعت دائرة النار، اتسعت معها الحاجة إلى الطائرات الأميركية والسلاح الأميركي والغطاء الدبلوماسي الأميركي. وهكذا انقلبت المعادلة بهدوء: بدلاً من أن تكون إسرائيل ذراعاً أميركية في المنطقة، أصبحت الولايات المتحدة ذراعاً لإنقاذ إسرائيل من المنطقة. 7 أكتوبر لم يكسر غزة وحدها كان السابع من أكتوبر 2023 زلزالاً إسرائيلياً قبل أن يكون زلزالاً إقليمياً. ففي ساعات قليلة انهارت أسطورة الردع المطلق، وتصدعت صورة الجيش الذي يرى كل شيء ويسبق خصومه بخطوة، وتحوّل التفوق التكنولوجي إلى سؤال عن قيمة التكنولوجيا عندما تفشل الدولة في حماية حدودها ومواطنيها.لكن الكارثة الأكبر جاءت لاحقاً. فالحرب لم تستنزف الخصم وحده، بل استنزفت الصورة الإسرائيلية في العالم، وخصوصاً داخل المجتمعات الغربية التي اعتادت النظر إلى إسرائيل من خلال عدسة أمنية وأخلاقية مختلفة. ومع صور غزة، ارتفعت الأسئلة المحرجة داخل الجامعات والشوارع والبرلمانات والإعلام: هل يمكن أن تبقى إسرائيل استثناءً دائماً من القواعد التي تطلب واشنطن من الآخرين احترامها؟ هنا بدأت المشكلة تتحول من أزمة إسرائيلية إلى مشكلة أميركية. واشنطن تدفع ثمن حليفها أخطر ما يمكن أن يحدث لتحالف استراتيجي ليس أن يختلف طرفاه، بل أن يصبح أحدهما مضطراً إلى تبرير الطرف الآخر أمام العالم. وهذا ما بدأت الولايات المتحدة تواجهه بصورة متزايدة. فهي لا تدعم إسرائيل عسكرياً فقط، بل تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن خياراتها السياسية، واحتواء تداعيات حروبها، وإدارة علاقتها مع دول عربية، وتهدئة خصوم إقليميين، ومحاولة منع حرب أوسع قد تجر القوات والمصالح الأميركية إلى مواجهة لا تريدها. الحليف الذي كان يفترض أن يساعد واشنطن على خفض كلفة وجودها في الشرق الأوسط صار يرفعها. وهذه ليست مسألة أخلاقية فقط، بل حساب قوة بارد. skip render: ucaddon_material_block_quote أخطر ما يمكن أن يحدث للحليف أن يتحوّل من مصدر للقوة إلى سبب لاستنزافها إسرائيل تدخل البيت الأميركي الأخطر أن إسرائيل لم تعد قضية خارجية في الولايات المتحدة. لقد دخلت إلى قلب السياسة الأميركية نفسها. تتصاعد الخلافات حول حجم الدعم العسكري، وتظهر فجوة متنامية بين الأجيال، وتتراجع قدرة الخطاب التقليدي على إغلاق النقاش حول إسرائيل باعتبارها قضية محسومة. وحين يصبح حليف خارجي جزءاً من الاستقطاب الداخلي الأميركي، فإن طبيعة العلاقة تبدأ بالتغير حتى لو بقيت الأسلحة والمساعدات والاتفاقيات قائمة. فالدعم الذي كان يوماً محل إجماع واسع يتحول تدريجياً إلى موضوع انتخابي وحزبي وأخلاقي. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: إسرائيل تستطيع أن تتعامل مع تغير حكومة أميركية، لكنها لا تستطيع بسهولة التعامل مع تغير المجتمع الأميركي نفسه. من الحماية إلى الاعتماد المشهد الأكثر دلالة أن إسرائيل، التي طالما قدمت نفسها باعتبارها قوة إقليمية قادرة على حماية نفسها وردع خصومها، أصبحت أكثر اعتماداً على المظلة الأميركية كلما اتسعت المواجهة. هذا الاعتماد ليس مجرد مسألة أسلحة. إنه اعتماد على الذخيرة، والاستخبارات، والدعم السياسي، والغطاء الدبلوماسي، والقدرة الأميركية على منع تحول المواجهات المتعددة إلى حرب إقليمية شاملة. وعندما يحتاج «الوكيل» إلى حماية «الأصيل»، يصبح تعريف الوكالة نفسه موضع سؤال. الرصيد الذي أكل صاحبه قد لا تتخلى واشنطن عن إسرائيل، ولن تختفي المصالح المشتركة فجأة. لكن التاريخ لا يقيس التحالفات بالشعارات، بل بالكلفة والعائد. وإذا أصبحت إسرائيل تحتاج إلى الولايات المتحدة أكثر مما تحتاج الولايات المتحدة إليها، وإذا أصبحت سياساتها تُحرج واشنطن أمام حلفائها وتعمق الانقسام داخل مجتمعها وتستنزف نفوذها في منطقة تتغير بسرعة، فإن وصفها بأنها «رصيد استراتيجي» يصبح أقرب إلى العادة السياسية منه إلى الحقيقة الاستراتيجية. المشكلة إذن ليست أن إسرائيل خسرت حرباً أو معركة، بل أنها بدأت تخسر شيئاً أكثر خطورة: وظيفتها في الحساب الأميركي. وحين يصل الحليف إلى هذه النقطة، لا يحتاج صاحب القرار إلى إعلان الطلاق. يكفي أن يفتح دفتر الحسابات. هناك، لا توجد صداقات أبدية ولا تحالفات مقدسة. توجد أرقام فقط. skip render: ucaddon_box_testimonial
كان العالم يظن أن لصوص العصر الحديث يحتاجون إلى مسدس وقناع وسيارة للهروب. ثم جاءت التكنولوجيا لتصحّح هذا التصوّر الساذج، لا حاجة إلى مسدس، ولا إلى قناع، ولا حتى إلى الخروج من غرفة النوم. يكفي حاسوب، وبعض المهارة، وباب إلكتروني نسي أحدهم أن يغلقه. وهكذا وجد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي نفسه أمام واحدة من أكثر المفارقات إثارة للسخرية في عصر الأمن الرقمي: المؤسسة التي تطارد القراصنة وتحقّق في الجرائم الإلكترونية، أصبحت هي نفسها هدفًا لهجوم أدى إلى سرقة بيانات موظفين وعملاء، فيما أعلنت مجموعة «شايني هانترز» أنها حصلت على نحو ثلاثة تيرابايتات من البيانات. ثلاثة تيرابايتات ليست مجرد «ملف كبير». إنها مدينة كاملة من المعلومات. والأكثر طرافة أن المدينة، بحسب ما أُعلن، خرجت من مؤسسة يُفترض أنها تعرف جيدًا كيف تمنع الآخرين من الدخول. اللص يسرق دفتر الشرطة المشكلة ليست في أن مؤسسة ما تعرّضت لاختراق؛ فالهجمات السيبرانية أصبحت جزءًا من واقع المؤسسات والدول والشركات. المشكلة السياسية والأمنية تكمن في المفارقة التي يحملها الحدث: ماذا يحدث عندما تصبح البيانات التي يُفترض أن تحمي أصحابها مادة جاهزة للتداول والابتزاز؟ البيانات المسروقة، بحسب ما عرضته المجموعة، شملت معلومات لآلاف العملاء وبيانات مرتبطة بموظفين حاليين وسابقين، كما ظهرت معلومات تخص مدير المكتب كاش باتيل. وفي المقابل، أقرّ الـ«إف بي آي» بوقوع اختراق وسرقة بيانات، لكنه قال إن مصدر الاختراق ما زال قيد التحقيق. أي إن الشرطة دخلت مرحلة التحقيق المعتادة، لكن هذه المرة كان عليها أن تبدأ التحقيق بالسؤال الذي لا يحب أي جهاز أمني أن يسمعه: من ترك الباب مفتوحًا؟ skip render: ucaddon_material_block_quote ثلاثة تيرابايتات من الإحراج في عالم الأمن التقليدي، كلما زادت الخزائن زادت الحماية. أما في العالم الرقمي، فقد يحدث العكس أحيانًا: كلما زادت البيانات، زادت قيمة المؤسسة بالنسبة إلى المهاجم. ثلاثة تيرابايتات تعني أن اللص الرقمي لا يحمل حقيبة على كتفه، بل يحمل شيئًا أخطر بكثير: نسخة من الذاكرة. وهنا تكمن المشكلة. يمكن تغيير قفل الباب بعد السرقة، لكن لا يمكن تغيير ذاكرة آلاف الأشخاص الذين أصبحت معلوماتهم خارج السيطرة. البيانات المسروقة لا تعود إلى الخادم بمجرد إغلاق الثغرة؛ لقد خرجت، وبدأت حياة جديدة في أماكن لا تعرف المؤسسة أين تقع. القرصان لا يحتاج إلى دبابة الحروب القديمة كانت تحتاج إلى جنود. الحروب الرقمية تحتاج إلى ثغرة. كان اقتحام مؤسسة أمنية يتطلب في الماضي شبكة من العملاء والوثائق المزورة والمركبات السرية. أما اليوم، فقد يستطيع شخص بعيد آلاف الكيلومترات أن يدخل إلى نظام معلوماتي، ينسخ ما يريد، ثم يترك خلفه سؤالًا محرجًا أكثر من أي قنبلة: كيف حدث ذلك؟ والأخطر أن البيانات يمكن أن تتحول إلى سلاح بعد سرقتها. ليست قيمتها في بيعها فقط، وإنما في استخدامها للضغط والابتزاز وكشف العلاقات ونقاط الضعف. وهنا تصبح المعلومة المسروقة أشبه برصاصة لا تحتاج إلى إطلاقها فورًا. يكفي أن يعرف صاحبها أنها موجودة. في الحرب الرقمية، ثغرة واحدة قد تكون أقوى من دبابة الأمن الذي يتحول إلى سلعة المفارقة الأكبر أن مجموعة القرصنة قالت إن الهجوم جاء ردًا على بيان نشره المكتب ضدها، وهددت بإتاحة البيانات في حال عدم إزالة ما اعتبرته معلومات مضللة. هكذا يتحول الفضاء الرقمي إلى سوق غريبة: مؤسسة أمنية تنشر بيانًا، ومجموعة قرصنة ترد باختراق، ثم تلوّح بالبيانات كأنها فاتورة مستحقة الدفع. لم تعد المواجهة بين الدولة والقرصان مجرد مطاردة قانونية. إنها حرب على النفوذ، حيث يمكن للبيانات أن تصبح وسيلة للردع، والابتزاز، والتشهير، وحتى إعادة كتابة ميزان القوة. الذكاء الاصطناعي يدخل الحفلة والسؤال الذي يطل من خلف المشهد هو الذكاء الاصطناعي. لا توجد، في هذه الواقعة، أدلة منشورة تثبت أن الذكاء الاصطناعي كان أداة الاختراق، لكن مجرد طرح السؤال يكشف حجم التحول الذي يعيشه العالم. فالأداة التي تُستخدم لبناء أنظمة أكثر ذكاءً يمكن أن تُستخدم أيضًا لتسريع الهجوم عليها. وبذلك يصبح سباق التكنولوجيا غريبًا إلى حد العبث: نبني آلة لحماية النظام، ثم نبني آلة أخرى لمحاولة خداعها. انتهى زمن الخزائن المشكلة الحقيقية ليست في ثلاثة تيرابايتات، بل في الفكرة التي تقف خلفها. لقد انتهى زمن الخزائن الحديدية التي تستطيع الدولة أن تحصي مفاتيحها. اليوم توجد خزائن بلا أبواب، ومفاتيح بلا أقفال، وملفات تستطيع أن تعبر نصف العالم في ثوانٍ. ولذلك فإن الأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد يعني أن تمنع الآخرين من الدخول فقط، بل أن تفترض دائمًا أنهم سيحاولون الدخول، وأن تعرف ماذا سيحدث إذا نجحوا. فالقرصان لا يحتاج إلى احتلال المؤسسة. يكفيه أن يسرق ذاكرتها. skip render: ucaddon_box_testimonial
مع تصاعد التوتر في الملف الإيراني، وعودة الأسئلة الثقيلة حول حصيلة التدخلات والحروب الأميركية في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية، تقف واشنطن اليوم أمام فرصة نادرة قد لا تتكرر بسهولة: أن تصنع في سوريا قصة نجاح حقيقية، بدل أن تضيف إلى سجل المنطقة أزمة جديدة تُدار ولا تُحل. المسألة تتجاوز بكثير ترميم صورة الولايات المتحدة أو تحسين حضورها السياسي في الشرق الأوسط. فإذا نجحت سوريا في الانتقال من سنوات الحرب والعزلة والانهيار إلى دولة مستقرة، واقتصاد منتج، ومؤسسات قادرة على حماية مواطنيها وتأمين مستقبلهم، فإن هذا النجاح سيصبح أكثر تأثيرًا من آلاف الخطب والرسائل السياسية الأميركية. فالشعوب لا تغيّر قناعاتها بالوعود وحدها، ولا تؤمن بالنماذج لأنها تُسوَّق لها إعلاميًا. إنها تصدّق عندما ترى أمامها تجربة حيّة تثبت أن التغيير ممكن، وأن الخروج من الخوف والعزلة والفقر ليس شعارًا، بل مسارًا يمكن تحقيقه. سوريا جسر الثقة إذا أرادت الولايات المتحدة أن تخاطب الشعب الإيراني بلغة مقنعة عن الحرية والفرص وتغيير الواقع، فهي تحتاج أولًا إلى بناء جسر من الثقة. وهذا الجسر لا يُبنى بالتصعيد العسكري والعقوبات والرسائل السياسية وحدها، بل بنموذج نجاح ملموس في دولة مجاورة مثل سوريا. فسوريا تمتلك ما يكفي لتكون هذا النموذج: شعبًا متعلمًا، وموقعًا استراتيجيًا استثنائيًا، وموارد بشرية كبيرة، وإرثًا حضاريًا عميقًا، وصلات تاريخية وثقافية واسعة بمحيطها العربي والعالم. واليوم، تجتمع في سوريا عناصر قلّما تتوافر في لحظة واحدة: قيادة منفتحة على التعاون الخارجي، ورغبة شعبية جارفة في الاستقرار وإعادة البناء، ومناخ إقليمي أكثر استعدادًا لمساندة البلاد بدلًا من حصارها وعزلها. ورغم حجم الدمار الذي أصاب سوريا، فإنها ما زالت أرضًا واسعة للفرص: في البنية التحتية والطاقة والزراعة والصناعة، وفي التعليم والصحة والسياحة والتكنولوجيا، فضلًا عن عملية إعادة إعمار يمكن أن تتحول إلى واحدة من أكبر ورش الاستثمار في المنطقة خلال السنوات المقبلة. لذلك، لم يعد السؤال: هل تستطيع أميركا أن تساعد سوريا؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا تنتظر؟ skip render: ucaddon_material_block_quote الفراغ لا ينتظر واشنطن ترك سوريا معلّقة بين الوعود والانتظار لن يعني بقاء الأمور على حالها، لأن الفراغ في السياسة لا يبقى فراغًا طويلًا. هناك دائمًا من سيتقدّم لملئه. وتركيا تدرك ذلك جيدًا. فهي تتحرك بوضوح لحماية مصالحها، وترسيخ حضورها الاقتصادي والسياسي، وتوسيع نفوذها داخل سوريا، ولن تنتظر واشنطن حتى تحسم خياراتها. وإذا استمرت الإدارة الأميركية في التردد، فقد تستيقظ بعد سنوات على واقع جديد تكون فيه أنقرة قد أصبحت الشريك الأكثر حضورًا وتأثيرًا في سوريا، بينما تبدو الولايات المتحدة قوة بعيدة اكتفت بالتصريحات ولم تنجح في تحويل خطابها عن الاستقرار والديمقراطية والازدهار إلى نتائج يلمسها الناس. عندها، لن تكون واشنطن قد خسرت مجرد فرصة استثمارية أو سياسية، بل ربما خسرت موقعًا استراتيجيًا كاملًا كان في متناولها. رصيد أميركي لم ينفد بعد لو سألت مواطنًا سوريًا عاقلًا اليوم: من تفضّل أن يكون شريكًا أساسيًا في دعم مستقبل سوريا، الولايات المتحدة أم تركيا؟ فقد يميل كثيرون إلى الولايات المتحدة. ليس لأن السوريين يرفضون تركيا، أو يقلّلون من أهمية العلاقة معها، بل لأن أميركا ما زالت، رغم كل الأخطاء والخيبات، تمتلك في المخيال السوري رصيدًا مرتبطًا بالجامعات والعلوم والتكنولوجيا والاقتصاد والاستثمار والانفتاح على العالم. ولا يزال كثيرون ينظرون إليها باعتبارها قوة قادرة، إذا أرادت، على فتح أبواب الاقتصاد العالمي أمام سوريا، وجذب رؤوس الأموال الكبرى، والمساهمة في بناء المؤسسات، وربط البلاد بمستقبل اقتصادي يتجاوز حدود الجغرافيا الإقليمية الضيقة. لكن هذا الرصيد ليس شيكًا مفتوحًا إلى الأبد, فالثقة تتآكل حين تبقى الوعود معلّقة، والفرص تضيع عندما لا تتحول النيات إلى قرارات، والشعوب التي تُترك وحيدة في اللحظات المصيرية تبحث، عاجلًا أم آجلًا، عن شركاء آخرين. نجاح سوريا قد يعيد شيئًا فقدته أميركا في المنطقة: صدقية النموذج الأميركي ترامب وصفقة القرن السوري الرئيس دونالد ترامب معروف بعقلية الصفقات، وبميله إلى اقتناص الفرص التي يراها الآخرون معقّدة أو عالية المخاطر. ومن هذه الزاوية تحديدًا، ينبغي النظر إلى سوريا. فسوريا اليوم ليست بالضرورة عبئًا يجب على أميركا الهروب منه، بل قد تكون واحدة من أكبر الفرص السياسية والاقتصادية والاستراتيجية المتاحة لها في الشرق الأوسط منذ عقود. بل إن نجاح التجربة السورية يمكن أن يمنح واشنطن ما لم تمنحها إياه عشرات العمليات العسكرية: نموذجًا تقول من خلاله لشعوب المنطقة إن الشراكة مع الولايات المتحدة يمكن أن تقود إلى الاستقرار والنمو والانفتاح، لا إلى الحرب والفوضى فقط. إن دعم استقرار سوريا، وتخفيف العوائق أمام اقتصادها، وتشجيع الشركات والاستثمارات على دخولها، ومساندة مؤسسات الدولة كي تقف على قدميها، ليس عملًا خيريًا تقدّمه واشنطن للسوريين. إنه استثمار أميركي مباشر في استقرار الشرق الأوسط، وفي تقليص مساحات الفوضى والتطرف، وفي الحد من نفوذ الخصوم والمنافسين، وفي بناء شريك جديد في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. والأهم أنه يمنح الولايات المتحدة فرصة لاستعادة شيء فقدته تدريجيًا في المنطقة: صدقية النموذج الأميركي نفسه. قصة نجاح بدل حرب جديدة ربما لا تحتاج أميركا اليوم إلى حرب أخرى في الشرق الأوسط كي تثبت قوتها. لديها من الحروب ما يكفي، ومن التجارب المريرة ما يكفي، ومن الأسئلة حول نتائج تلك الحروب ما يكفي أيضًا. ما تحتاج إليه هو قصة نجاح. وسوريا تستطيع أن تكون هذه القصة. دولة خرجت من حرب مدمرة، ونجحت في إعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها، واستعادت موقعها في العالم، وتحولت من ساحة صراع بين القوى إلى نموذج للاستقرار والتنمية. مثل هذا الإنجاز سيخاطب الإيراني والعراقي واللبناني وكل شعوب المنطقة بلغة أقوى من أي خطاب: لغة النتيجة. skip render: ucaddon_box_testimonial