في لحظات التحوّل الكبرى، لا تتقدّم الوقائع وحدها إلى مسرح التاريخ، بل تتزاحم معها السرديّات، والأساطير، وحتى ما يبدو أقرب إلى “الخزعبلات”. السؤال، إذًا، ليس بسيطًا كما يبدو: هل يمكن لوهمٍ مُحكَم البناء أن ينافس واقعًا مترهّل الإرادة؟ أم أنّ التاريخ، في نهاية المطاف، لا يعترف إلا بميزان القوّة الصلب، مهما تزيّن بالخيال؟ ثمّة مسلّمات صغيرة، لكنها حاسمة، ترسم مآلات كبرى. هذا ما أدركه الأدب قبل السياسة. ففي نهاية رجل شجاع لحنا مينه، لا يسقط البطل دفعة واحدة، بل يتآكل عبر سلسلة من الخيارات الصغيرة التي تفضي إلى قدرٍ محتوم. وفي اللاز للطاهر وطار، تتشكّل شخصية مأزومة من بيئة فوضوية، حيث تختلط البطولة بالعدمية، والواقعية بالهذيان. بين هذين العملين، يمكن قراءة السياسة المعاصرة بوصفها رواية مفتوحة، أبطالها ليسوا بالضرورة عقلانيين، ونهاياتها ليست دائمًا منطقية. في قلب هذه الرواية يقف دونالد ترامب، بوصفه شخصية تتجاوز السياسة التقليدية نحو شيء أقرب إلى “اللاز” المعاصر: مزيج من الشعبوية، والتحدّي، والاندفاع نحو المجهول. غير أنّ السؤال الحقيقي لا يتعلّق بقراراته الخارجية، سواء تجاه إيران أو غيرها، بل بما يختبئ خلف هذا الضجيج: معركة داخلية على تعريف الدولة نفسها. لا تنتصر الخرافة لأنها أكثر إقناعًا، بل لأنها تجد من يملك القوة الكافية لفرضها كحقيقة منذ عودته إلى السلطة، سعى ترامب إلى إعادة تشكيل البنية الأمنية والعسكرية، ليس فقط من باب الإصلاح، بل من باب إعادة ضبط الولاءات. هذا السلوك، الذي قد يبدو للبعض تعزيزًا للسيطرة، يعكس في جوهره إدراكًا عميقًا لهشاشة اللحظة السياسية. فالقائد الذي يخشى المستقبل لا يعيد ترتيب الخارج، بل يعيد هندسة الداخل. الاقتصاد، كعادته، لا يكذب طويلًا. التضخّم، وتآكل القدرة الشرائية، واتّساع الفجوة الاجتماعية، كلّها مؤشرات لا تحتاج إلى خطاب سياسي لتفسيرها. ومع اقتراب الانتخابات النصفية، تبدو المؤشرات مائلة ضد الحزب الحاكم، ما يفتح الباب أمام سيناريوهات تصعيدية، ليس أقلّها الطعن في النتائج أو رفض التسليم بها. هنا تبدأ المنطقة الرمادية، حيث تتحوّل الديمقراطية من نظام مستقر إلى ساحة نزاع مفتوح. فإذا قرّر رئيس في موقع البيت الأبيض أن يشكّك في شرعية المؤسسات، فإنّ الأزمة لا تعود سياسية فحسب، بل تصبح وجودية. الدولة، في هذه الحالة، تدخل في اختبار غير مسبوق: هل الولاء للنص الدستوري، أم للشخص الذي يجسّد السلطة؟ السيناريو الذي يتحدّث عن انقسام في الأجهزة، أو تموضع بعض القطاعات الأمنية إلى جانب القيادة السياسية ضد مؤسساتها، قد يبدو أقرب إلى الخيال. لكنه ليس بلا سوابق تاريخية. فالإمبراطوريات لا تنهار دائمًا بفعل هزيمة خارجية، بل كثيرًا ما تتفكّك من الداخل، حين تفقد النخبة قدرتها على الاتفاق على قواعد اللعبة. استحضار انهيار الاتحاد السوفيتي ليس من باب المقارنة السطحية، بل من باب التذكير بأنّ التماسك الظاهري قد يخفي تصدّعات عميقة. ومع ذلك، يبقى الفارق الجوهري أنّ الولايات المتحدة تمتلك مؤسسات أكثر مرونة، واقتصادًا أكثر تنوّعًا، ونظامًا سياسيًا اعتاد امتصاص الصدمات، ولو بعد حين. لكن الأخطر من كل ذلك ليس السيناريو بحد ذاته، بل الإيمان به. فملايين من التيارات الدينية والسياسية، خصوصًا داخل ما يُعرف بالإنجيليين الجدد، يتعاملون مع هذه الفوضى المحتملة بوصفها مرحلة انتقالية نحو “نبوءة” أكبر، حيث يُعاد رسم مركز الثقل العالمي، وتُمنح القدس دورًا يتجاوز الجغرافيا إلى الميتافيزيقا السياسية. هنا، لا تعود السياسة مجرد إدارة مصالح، بل تتحوّل إلى تحقيق سردية. في هذه النقطة تحديدًا، يلتقي الخيال بالواقع بشكل مقلق. فحين تصبح الأسطورة دافعًا للقرار، لا يعود بالإمكان الفصل بين ما هو عقلاني وما هو اعتقادي. والتاريخ، كما نعلم، لا يرفض الأساطير إذا امتلكت أدوات القوة، بل أحيانًا يكافئها. ومع ذلك، ثمّة مبالغة كامنة في تصوير الانهيار الوشيك. فالولايات المتحدة ليست كيانًا هشًا يمكن تفكيكه بسهولة، ولا هي إمبراطورية كلاسيكية تعيش لحظة أفول تقليدية. لكنها أيضًا ليست بمنأى عن أزمات عميقة، خصوصًا إذا استمر تآكل الثقة بين المجتمع ومؤسساته. يبقى السؤال مفتوحًا، كما في كل الروايات الكبرى: هل تنتصر “الخزعبلات” على الواقع؟ ربما الأدق أن نقول إنّ الواقع نفسه قد يُعاد تشكيله حين يؤمن عدد كافٍ من الناس بالخرافة، ويعملون على تحويلها إلى حقيقة. عندها، لا يعود الانتصار للخيال أو للواقع، بل لمن يمتلك القدرة على فرض روايته. حتى الآن، لا تزال الكفّة تميل لصالح المؤسسات، لا الأوهام. لكن التاريخ لا يُكتب بالنوايا، بل بالنتائج. وما بين الاثنين، مساحة واسعة يمكن أن تولد فيها أكثر السيناريوهات جنونًا… أو أكثرها واقعية.
كشفت مصادر دبلوماسية مطّلعة في بيروت لصحيفة “البوست” عن مخاوف جدّية من دخول الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مرحلة أكثر خطورة خلال الأيام المقبلة، مؤكدةً أن لا مؤشرات فعلية حتى الآن إلى أفق قريب للحل، خلافًا لما قد توحي به بعض القراءات المتفائلة. وبحسب المصادر، فإن الحديث المتداول عن مفاوضات بين الجانبين لا يكفي للرهان على تهدئة وشيكة، إذ إن المسار الميداني والسياسي المفتوح يوحي بمزيد من التأزّم والتصعيد، لا بتراجع حدّة المواجهة أو احتوائها في المدى المنظور. ولفتت المصادر إلى أن الساحة اللبنانية لن تكون بمنأى عن هذا المسار، مرجّحةً أن تشهد بدورها مزيدًا من التصعيد لا الانحسار، بصرف النظر عمّا قد تفضي إليه المفاوضات الأميركية – الإيرانية، إن حصلت، أو عن طبيعة النتائج التي يمكن أن تخرج بها.
لم يَعُدِ السؤالُ في الحروب الحديثة: ماذا تُخفي؟ بل: ما الذي تتركه خلفك من دون أن تُدرك؟ في زمنٍ تتقدّم فيه الخوارزميّات على الحدس البشري، لم تعد السرّيةُ مسألةَ إخفاءٍ مُحكَم، بل إدارةَ آثارٍ لا يمكن محوُها بالكامل المنشآتُ العسكريّةُ تحت الأرض، التي مثّلت لعقودٍ ذروةَ التحصينِ الاستراتيجي، بدأت تفقد ميزتَها الأساسيّة: القدرةَ على الاختفاء. ليس لأنّ العيونَ في السماء أصبحت ترى أعمق، بل لأنّ العقولَ الاصطناعيّةَ تعلّمت كيف تُفكّك المشهد، وكيف تربط بين تفاصيلَ صغيرةٍ لتبنيَ منها صورةً كاملة. العمق الذي يتحوّل عبئًا قامت فلسفةُ التحصينِ العميق على فكرةٍ بسيطة: كلّما ابتعدتَ عن السطح، اقتربتَ من الأمان. داخل الجبال، حيث الصمتُ والكتلةُ الصخريّةُ الهائلة، وُلدت منظوماتٌ كاملةٌ من الأنفاقِ والمنشآتِ المصمَّمة لتنجوَ من أيّ ضربة. لكنّ العمق، على قسوته، لا يمحو الأثر. فكلُّ نشاطٍ بشري، مهما كان معزولًا، يترك بصمتَه. ومع تطوّر أدواتِ التحليل، لم يَعُدِ العمقُ يحجب الحقيقة، بل يؤخّر ظهورَها فقط. في قلبِ أيِّ منشأةٍ نشطةٍ تحت الأرض، هناك طاقةٌ تُستهلك، وهواءٌ يُضخّ، وآلاتٌ تعمل بلا توقّف. هذه الدورةُ المستمرّةُ تولّد حرارة، والحرارةُ بطبيعتها لا تُحبّ الأسر. تتسلّل عبر طبقاتِ الصخور، ببطءٍ ولكن بثبات، حتى تصل إلى السطح كإشارةٍ ضعيفة، لكنّها عنيدة. ما تغيّر ليس وجودَ هذه الإشارة، بل القدرةَ على قراءتها. الخوارزميّاتُ الحديثة لا تكتفي بلقطةٍ حراريّةٍ عابرة، بل تبني تاريخًا زمنيًّا كاملًا، تُقارن، وتُحلّل، وتبحث عن الاستثناء داخل النمط. وعندما تظهر بقعةٌ دافئةٌ في منطقةٍ يُفترض أن تكون باردةً تمامًا، فإنّ الصمتَ الحراريّ يتحوّل إلى اعترافٍ غير مباشرٍ بوجودِ ما تحت السطح. لم يَعُدِ التحدّي في الاختباء، بل في تقليل البصمات أو إعادة تشكيلها؛ فالأرض نفسها لم تعد حائطًا صامتًا، بل أرشيفًا مفتوحًا يمكن قراءته اتصالاتٌ تهمس في الفراغ إذا كانت الحرارةُ تكشف الأثرَ الفيزيائي، فإنّ الاتصالاتَ تكشف الإيقاعَ الداخليّ للحياة. لا يمكن لأيّ منشأة، مهما بلغت درجةُ عزلها، أن تعمل في فراغٍ تام. هناك دائمًا بياناتٌ تتحرّك، وأوامرُ تُنقل، وإشاراتٌ تعبر الفضاء. في الأماكنِ النائية، حيث يغيب الضجيجُ البشري، تصبح أبسطُ إشارةٍ حدثًا غير عادي. الخوارزميّاتُ لا تحتاج إلى فهمِ مضمون الاتصال، بل تُراقب سلوكَه: تكرارَه، وتوقيتَه، وتمركزَه. وحين يتكرّر النمطُ في نقطةٍ معزولة، يصبح الصمتُ نفسه دليلًا، ويغدو الفراغُ مسرحًا لإشاراتٍ لا يمكن تجاهلُها. الجيولوجيا… الذاكرةُ التي لا تنسى لكنّ أكثرَ ما يغيّر قواعدَ اللعبة هو أنّ الأرضَ نفسها أصبحت جزءًا من التحقيق. فاختيارُ موقعٍ تحت الأرض ليس قرارًا عشوائيًّا؛ إنّه رهينٌ بطبيعةِ الصخور، وبمرونتِها، وبقدرتِها على التحمّل. غير أنّ الحفر، مهما كان دقيقًا، يعيد تشكيلَ ما حوله. تتحرّك الكتلةُ الصخريّة، وتتغيّر أنماطُ تصريفِ المياه، وتظهر فروقاتٌ دقيقةٌ في سطح الأرض، وربّما يتبدّل الغطاءُ النباتيّ بشكلٍ خافت. هذه التغيّراتُ لا تُرى بالعين، لكنّها تُلتقط عبر الزمن. الخوارزميّاتُ تقرأ هذه التحوّلات كما تُقرأ المخطوطاتُ القديمة، حرفًا حرفًا، وطبقةً فوق طبقة. وفي بعض الحالات، تصبح الأرضُ نفسها جهازَ استشعار، حيث تُفسَّر الاهتزازاتُ الدقيقةُ على أنّها أثرٌ لنشاطٍ داخليٍّ لا يُرى. الخوارزميات التي تسمع همس الأرض عالمٌ بلا أعماقٍ آمنة كلُّ إشارةٍ بمفردها قد تبدو قابلةً للتأويل: حرارةٌ هنا، وإشارةٌ هناك، وتغيّرٌ طفيفٌ في التضاريس. لكن حين تتقاطع هذه الخيوط، تختفي المساحةُ الرماديّة. ما كان احتمالًا يصبح نمطًا، وما كان نمطًا يتحوّل إلى استنتاج. القوّةُ الحقيقيّةُ تكمن في هذا الدمج، في تحويلِ التفاصيلِ الصغيرة إلى قصّةٍ كاملة. لم يَعُدِ الكشفُ يعتمد على دليلٍ واحدٍ حاسم، بل على تراكمِ قرائنَ لا يمكن تجاهلُها مجتمعةً. ما يتكشّف اليوم يتجاوز مسألةَ منشآتٍ بعينها. نحن أمام تحوّلٍ في جوهرِ التفكيرِ العسكري. لم يَعُدِ التحدّي في الاختباء، بل في تقليلِ البصمات أو إعادةِ تشكيلها. لم تَعُدِ الجبالُ حائطًا صامتًا، بل أرشيفًا مفتوحًا يمكن قراءتُه. في هذا العالم، تصبح الأرضُ شفّافةً لمن يعرف كيف يسألُها. وتتحوّل الحربُ إلى معركةِ تفسير: من يقرأ الإشاراتِ أوّلًا، ومن ينجح في تضليلِ قراءتِها. لم تَعُدِ المواجهةُ بين من يرى ومن يختبئ، بل بين من يفهم ومن يترك أثرًا. التحدّي لم يَعُد بناءَ منشأةٍ لا تُرى، بل بناءَ واقعٍ لا يمكن تفكيكُه. وفي زمنٍ تتقدّم فيه الخوارزميّاتُ على الحدس، قد لا يكون السؤال: أين تُخفي قوّتَك؟ بل: هل تستطيع إقناعَ من يقرأ الأرض… أنّك لم تترك شيئًا خلفك؟