في زمن تتكاثر فيه الخطابات الصلبة وتضيق فيه مساحات الشك، يظهر كتاب Thou Shalt Not Stand Idly By – Jews of Conscience on Palestine كوثيقة تتحدى القوالب الجاهزة وتقتحم منطقة الصمت الأخلاقي في النقاش الغربي حول فلسطين. لا يأتي العمل بوصفه مجرد تجميع لمقالات، بل كفعل فكري وسياسي يربك الاصطفافات التقليدية ويعيد رسم حدود الممكن في الحديث عن العدالة والهوية والمسؤولية. هنا لا يتحدث “الآخر” عن إسرائيل، بل يتكلم “الداخل” بلغته الخاصة، مستدعياً مرجعيات دينية وإنسانية لطالما استُخدمت لتبرير سياسات الدولة، ليحوّلها إلى أدوات مساءلة ونقد. تفكيك السردية الأحادية يضع الكتاب القارئ أمام مشهد غير مألوف في الإعلام الغربي؛ أصوات يهودية تتحدى فكرة التطابق بين الهوية اليهودية والدعم غير المشروط لإسرائيل. هذا التحول لا يقتصر على كسر الصورة النمطية، بل يفتح الباب أمام إعادة تعريف النقاش نفسه. فحين يتحدث “يهود الضمير” عن فلسطين، تنهار الثنائية السطحية التي اختزلت الصراع طويلاً بين معسكرين مغلقين، ويظهر فضاء ثالث يعترف بالتعقيد والتعدد والانقسام الداخلي.من هنا، يتحول الكتاب إلى فعل سياسي بامتياز، لأنه يسحب الشرعية الخطابية من فكرة الاحتكار، ويعيد توزيعها بين أصوات متعددة. لا يعود النقد صادراً من “الخارج” فقط، بل ينبع من داخل التجربة اليهودية نفسها، ما يفرض على الإعلام الدولي إعادة النظر في أدواته اللغوية والتصنيفية. النص الديني يصبح أداة مساءلة يحمل عنوان الكتاب دلالة عميقة تستدعي نصاً دينياً يحض على عدم الوقوف موقف المتفرج أمام الظلم. هذه الاستعادة ليست زخرفاً لغوياً، بل إعلاناً عن معركة أخلاقية داخلية. المؤلفون يوظفون التراث الديني بوصفه مرجعية للعدالة لا درعاً للسياسة، فيقلبون معادلة طالما اعتُمدت لتبرير السياسات الحكومية. بهذا المعنى، يصبح النص الديني ساحة صراع تأويلي، تتنافس فيها قراءات متباينة حول معنى المسؤولية الجماعية.النتيجة ليست مجرد نقد سياسي، بل إعادة تعريف للهوية نفسها، حيث يظهر الالتزام الأخلاقي بوصفه امتداداً للإيمان لا خروجاً عليه. هذا التحول يمنح الكتاب قوة خطابية خاصة في المجتمعات الغربية التي ما زالت ترى في المرجعيات الدينية مصدراً للشرعية الأخلاقية. فسيفساء الانقسام الداخلي يتشكل الكتاب من مقالات وشهادات وتحليلات متنوعة، ما يجعله أقرب إلى أرشيف حي للضمير المعاصر. هذا التعدد يمنح النص ثراءً لافتاً، لكنه يطرح أيضاً تحدياً منهجياً؛ إذ لا يقدّم العمل أطروحة سياسية موحدة بقدر ما يفتح مساحة للنقاش والتباين. من منظور أكاديمي، يمكن قراءة هذه البنية كمرآة لانقسام حقيقي داخل المجتمعات اليهودية حول إسرائيل، حيث لم يعد الإجماع ممكناً أو مرغوباً. قد يربك غياب الخط النظري الصارم القارئ الباحث عن تحليل استراتيجي شامل، لكنه في الوقت ذاته يعكس واقعاً سياسياً معقداً، ويمنح العمل صدقية مستمدة من تعددية الأصوات لا من وحدة الموقف. سياسياً، يقدّم الكتاب مادة خطابية حساسة في المعركة الإعلامية العالمية. وجود أصوات يهودية ناقدة يضعف الاتهامات الجاهزة التي تساوي بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية، ويفتح مساحة جديدة للحديث عن الحقوق الفلسطينية بلغة أقل استقطاباً وأكثر تعقيداً. لم يعد النقاش محصوراً في ثنائية تقليدية، بل أصبح ميداناً تتقاطع فيه الهويات والروايات. في هذا السياق، يتحول العمل إلى أداة لإعادة صياغة النقاش، لأنه لا يقدّم حججاً جديدة فحسب، بل يعيد تعريف من يملك حق الكلام ومن يحدد معايير الشرعية الأخلاقية. قراءة نقدية مزدوجة رغم قوته الرمزية، لا يخلو الكتاب من حدود واضحة. تركيزه على البعد الأخلاقي يمنحه عمقاً إنسانياً لكنه قد يترك فراغاً في التحليل الجيوسياسي المفصل، كما أن طبيعته النخبوية قد تحد من انتشاره خارج الدوائر الأكاديمية والنشاطية. ومع ذلك، فإن هذه الحدود لا تلغي قيمته كمؤشر على تحول سردي أعمق داخل الغرب، حيث تتصدع المسلمات القديمة وتتسع مساحة الشك والمراجعة. لا يقدّم Thou Shalt Not Stand Idly By وصفة سياسية جاهزة، لكنه يغيّر شروط النقاش حول فلسطين عبر إعادة تعريف العلاقة بين الهوية والعدالة. أهميته تكمن في قدرته على نقل النقد من الهامش إلى الداخل، وتحويل الضمير الفردي إلى حدث سياسي يفرض نفسه على الإعلام وصنّاع القرار والجمهور معاً. في عالم يتنازع فيه الخطابان الصارخان، يقدّم الكتاب مساحة ثالثة لا تدّعي الحياد بقدر ما تدعو إلى مساءلة الذات قبل الآخر، وتذكّر بأن المعركة الحقيقية تبدأ حين يرفض الإنسان أن يقف متفرجاً.
في زمنٍ باتت فيه منصّاتُ التواصل الاجتماعي تُشبه غرفَ تحريرٍ خفيّة، تحكمها الخوارزميّات أكثر ممّا تحكمها الحقيقة، يطلّ تطبيق Upscrolled بوصفه فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون منتجًا رقميًا.ليس لأنّه تطبيقٌ جديد، بل لأنّه جاء من مكانٍ لا يُفترض به أن يُنتج حرّية: من قلب التضييق، ومن هامش الصوت العالمي، ومن تجربةٍ فلسطينيّة دفعت ثمن الكلمة قبل أن تُكافأ عليها. لم يُؤسَّس Upscrolled كردّ فعلٍ عاطفي على حجب منشور أو إغلاق حساب، بل كإجابةٍ واعية على سؤالٍ أخطر: ماذا يحدث للعالم عندما تُخنق الحقيقة باسم «المعايير المجتمعيّة»؟ وماذا يبقى من الإعلام عندما تُدار الحريّات كامتياز، لا كحقّ؟ خلل بنيوي السبب الجوهري لولادة هذا التطبيق كان واضحًا منذ اللحظة الأولى: التضييق الممنهج الذي تمارسه كبرى منصّات التواصل على حرّية التعبير، وفي القلب منها القضيّة الفلسطينيّة. ليست هذه مبالغةً خطابيّة، بل واقعٌ موثّق عاشه صحافيّون وناشطون ووسائل إعلامٍ كاملة، حين تحوّلت فلسطين إلى استثناءٍ دائم في سياسات النشر، وكأنّ الحقيقة، حين تكون فلسطينيّة، تصبح عبئًا تقنيًا يجب تقليصه أو إخفاؤه. Upscrolled وُلد من هذا الخلل البنيوي. وُلد لأنّ هناك من قرّر ألّا يُفاوض على صوته، ولا ينتظر إذنًا ليقول ما يجب أن يُقال. المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أنّ مؤسّس التطبيق يقيم في أستراليا. وهذه ليست تفصيلةً جغرافيّة عابرة، بل حقيقة سياسيّة كاملة الدلالة. فلو كان هذا المؤسّس لاجئًا في لبنان، أو مقيمًا في أيّ بلدٍ عربي يرزح تحت قيودٍ قانونيّة وأمنيّة واقتصاديّة خانقة، لما كان لهذا المشروع أن يرى النور أصلًا. ليس لضعف الفكرة، بل لأنّ البيئة نفسها لا تسمح للفكرة الحرّة أن تتنفّس، فضلًا عن أن تتحوّل إلى منصّة عالميّة. حين تحجب الخوارزميات الحقيقة… منصّة فلسطينيّة تكسر الصمت فرصة حرّية هنا تحديدًا تتكشّف المعادلة غير العادلة في عالمنا: الحرّية ليست موزّعة بالتساوي، حتّى في الفضاء الرقمي الذي يُفترض أنّه بلا حدود. Upscrolled هو نتيجة مباشرة لفرصة الحرّية، لا لامتياز المال، وهو في الوقت نفسه إدانة صامتة لكلّ نظام يمنع الفلسطيني من أن يكون منتجًا، لا مجرّد موضوع. الفلسطيني، حين يُمنح الحرّية، لا يُبدع لفلسطين وحدها. هذه حقيقة يغفلها الغرب كثيرًا، ويتجاهلها العرب أكثر. الفلسطيني يولد وهو يفهم معنى القيد، ولذلك حين يكتب، أو يُصوّر، أو يؤسّس منصّة، فإنّه لا يفعل ذلك من موقع الضحيّة، بل من موقع الإنسان الذي اختبر غياب العدالة ويريد تصحيح ميزانها. إعطاء الفلسطيني حرّية الإبداع لا يخدم روايته فقط، بل يخدم العالم كلّه، لأنّه يُضيف إلى المشهد الإنساني صوتًا غير مروّض، وغير مصلحي، وغير مزيّف. من هنا، لا يمكن قراءة Upscrolled كتجربة تقنيّة بحتة. هو أقرب إلى موقفٍ إعلاميٍّ أخلاقيّ يعيد تعريف دور الصحافة ذاتها. فالإعلام، في جوهره، لم يُخلق ليُرضي السلطة، ولا ليُهادن السوق، بل ليؤدّي وظيفة أعمق: النداء. النداء وهنا نستعيد ما يمكن تسميته بسياسة إبراهيم عليه السلام الإعلاميّة. إبراهيم لم يكن صاحب جيش، ولا مال، ولا منصّة، لكنّه كان صاحب نداء. قال كلمته في وجه القوّة، ولم يكن مطلوبًا منه أن يُقنع الجميع، بل أن يُعلن الحقيقة.«عليك النداء وعلينا الإجابة» ليست عبارةً رمزيّة، بل فلسفة إعلاميّة كاملة. على الإعلاميّ أن ينادي بالحقيقة دون حسابات الخوارزميّة، وعلى المجتمع الإنساني أن يقرّر إن كان لا يزال قادرًا على الاستجابة. Upscrolled اختار هذا الطريق الأصعب. لم يقل: «كيف نُرضي الجميع؟»، بل سأل: «كيف نحمي الصوت؟». لم يسأل: «ما الذي يُسمح بنشره؟»، بل: «من الذي لا يُسمح له بالكلام، ولماذا؟». في عالمٍ يُعاد فيه تعريف الحرّية كلّ يوم وفق ميزان القوّة، تأتي مثل هذه المنصّات لتذكّرنا أنّ الإعلام، حين يفقد شجاعته، يتحوّل إلى مجرّد ترف. وحين يستعيدها، يصبح مسؤوليّة تاريخيّة. Upscrolled ليس نهاية الطريق، لكنّه علامة فارقة على أنّ الصحافة الحرّة لم تمت، وأنّ الفلسطيني، متى كُسرت قيوده، لا يطالب بمكانٍ على الطاولة، بل يُعيد تصميم الطاولة نفسها.