قراءة تاريخية وسياسية في أوجه التشابه بين القيادة اليابانية خلال الحرب العالمية الثانية والقيادة الإيرانية المعاصرة، وحدود المقارنة بين مصير الإمبراطور هيروهيتو ومستقبل الجمهورية الإسلامية العقيدة أقوى من حسابات القوة لم تخسر اليابان الحرب العالمية الثانية لأنها افتقرت إلى الشجاعة، ولا لأن قادتها كانوا يجهلون قوة الولايات المتحدة. لقد دخلت حربًا مع خصم يتفوق عليها صناعيًا واقتصاديًا، بعدما أصبحت الخيارات السياسية أسيرة حسابات المؤسسة العسكرية، والخوف من التراجع، والاعتقاد بأن القدرة على إلحاق خسائر بالعدو يمكن أن تعوّض الاختلال الكبير في موازين القوة. هنا تبدأ المقارنة مع إيران المعاصرة. فالمشكلة التي تستحق الدراسة ليست التشابه بين الجيش الإمبراطوري الياباني والحرس الثوري الإيراني في العقيدة أو التنظيم، وإنما التشابه المحتمل في الطريقة التي تُدار بها الأزمات عندما تصبح المحافظة على هيبة النظام ومصداقية ردعه عاملًا قد يطغى على الحسابات الاقتصادية والعسكرية. لكن المقارنة الدقيقة تتطلب الاعتراف منذ البداية بحقيقة أساسية: إيران ليست اليابان الإمبراطورية، والنظام الدولي اليوم ليس نظام عام 1945. ومع ذلك، تقدم التجربة اليابانية درسًا بالغ الأهمية عن الكيفية التي قد تقود بها التقديرات الخاطئة للقدرة على الصمود دولةً إلى نتائج تتجاوز بكثير ما كانت قيادتها مستعدة لقبوله عند بداية المواجهة. المؤسسة العسكرية… شريك كانت اليابان قبل الحرب العالمية الثانية تملك مؤسسات حكومية مدنية، وبرلمانًا، وحكومة يرأسها رئيس وزراء. لكن هذه المؤسسات لم تكن تمتلك السيطرة الكاملة على القوات المسلحة. فقد تمتع الجيش والبحرية اليابانيان باستقلال مؤسسي واسع، واستطاعت القيادات العسكرية التأثير بصورة حاسمة في تشكيل الحكومات والقرارات الاستراتيجية. كما أدى التنافس بين الجيش والبحرية، وتعدد مراكز القرار، إلى صعوبة الوصول إلى سياسة موحدة توازن بين الأهداف العسكرية والموارد المتاحة لتحقيقها. لم يكن الإمبراطور هيروهيتو مجرد رمز منفصل تمامًا عن صنع القرار، كما حاولت بعض الروايات اللاحقة تصويره، فقد كان جزءًا من النظام الذي اتخذ قرارات الحرب، وإن ظلت درجة مسؤوليته المباشرة عن القرارات المختلفة موضع نقاش تاريخي. أما في إيران، فإن العلاقة بين السياسة والعسكر تتخذ شكلًا مختلفًا، لكنها تثير سؤالًا مشابهًا عن توزيع السلطة الفعلية. فالحرس الثوري ليس مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية تنفذ قرارات حكومة مدنية مستقلة عنها، وإنما مؤسسة ذات امتدادات أمنية واقتصادية وسياسية، ترتبط بمنظومة السلطة المحيطة بموقع المرشد الأعلى. ومن ثم، فإن القرارات المتعلقة بالأمن القومي، وبمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، وبالسياسة الإقليمية، لا يمكن فهمها من خلال الحكومة المنتخبة وحدها. وجه الشبه الحقيقي هو وجود مؤسسة عسكرية وأمنية تتمتع بنفوذ سياسي واستراتيجي يتجاوز الوظائف العسكرية التقليدية. لكن الفارق جوهري أيضًا؛ فقد عانت اليابان من انقسامات وتنافس بين مراكز القيادة العسكرية، بينما تقوم البنية الإيرانية على مركز سلطة أعلى ترتبط به مؤسسات أمنية وعسكرية متعددة. ولذلك، لا يجوز الاستنتاج تلقائيًا أن إيران تعاني الانقسام القيادي نفسه الذي عرفته طوكيو. skip render: ucaddon_material_block_quote إرادة القتال لا تعوّض التفوق المادي عندما قررت اليابان مهاجمة بيرل هاربر في السابع من ديسمبر 1941، كان قادتها العسكريون يدركون أن الولايات المتحدة تمتلك قدرات صناعية واقتصادية تفوق قدرات بلادهم. لم تكن خطتهم الأساسية تقوم على غزو الولايات المتحدة أو تدمير قدرتها الصناعية، بل على توجيه ضربة استباقية لأسطولها في المحيط الهادئ، والاستيلاء على مواقع استراتيجية وموارد حيوية، ثم بناء وضع عسكري يجعل استمرار الحرب مكلفًا بما يكفي لدفع واشنطن إلى قبول تسوية. كان الرهان، في جوهره، على أن تحقيق مكاسب عسكرية مبكرة ورفع تكلفة المواجهة يمكن أن يغيّر القرار السياسي الأميركي. لكن هذا الرهان فشل. لم تؤدِّ الضربة اليابانية إلى إخراج الولايات المتحدة من الحرب، بل ساعدت على توحيد الرأي العام الأميركي خلف خوضها، ثم سمح التفوق الصناعي الأميركي بتحويل الحرب الطويلة إلى صراع استنزاف لم تستطع اليابان مجاراته. في الحالة الإيرانية، يظهر وجه شبه محتمل في الاعتماد على الردع غير المتكافئ. فبدلًا من محاولة مضاهاة التفوق الجوي والتكنولوجي الأميركي والإسرائيلي بصورة مباشرة، بنت إيران جانبًا مهمًا من قدرتها على الصواريخ والطائرات المسيّرة وشبكات الحلفاء والشركاء الإقليميين، وعلى إمكان تهديد المصالح العسكرية والاقتصادية لخصومها. هذه الاستراتيجية ليست غير عقلانية بطبيعتها، بل إن الردع غير المتكافئ قد يكون وسيلة فعالة لدولة تواجه خصومًا أكثر تقدمًا عسكريًا. وتبدأ المشكلة إذا افترضت القيادة أن قدرتها على إلحاق الضرر بخصومها تعني بالضرورة قدرتها على فرض شروط إنهاء الحرب. فإيلام العدو شيء، وإجباره على قبول تسوية سياسية شيء آخر. قد تمتلك الدولة الوسائل الكافية لرفع تكلفة المواجهة، من دون أن تمتلك القدرة على منع خصومها من تدمير جزء كبير من بنيتها العسكرية أو الاقتصادية. وهذا تحديدًا أحد أهم الدروس التي تقدمها التجربة اليابانية. التراجع أخطر سياسيًا من المواجهة واجهت القيادة اليابانية في عام 1941 أزمة استراتيجية حقيقية. كانت الحرب في الصين تستنزف الموارد اليابانية، كما أدت العقوبات الأميركية، وخصوصًا القيود النفطية التي بلغت مرحلة شديدة في عام 1941، إلى تهديد قدرة اليابان على مواصلة سياستها العسكرية. وجد القادة اليابانيون أنفسهم أمام خيارات صعبة: تقديم تنازلات كبيرة في الصين والهند الصينية، أو مواجهة تدهور قدرتهم العسكرية بمرور الوقت، أو الدخول في حرب للحصول على الموارد وفرض واقع استراتيجي جديد. لكن هذه الخيارات لم تكن متساوية في نظر المؤسسة العسكرية. فالتراجع كان يعني، بالنسبة إلى قطاعات مؤثرة داخل القيادة، تقويض الإنجازات التي قدمتها للرأي العام باعتبارها دليلًا على عظمة اليابان ومكانتها. هكذا أصبح الدفاع عن الهيبة عنصرًا مؤثرًا في قرار الحرب. في الحالة الإيرانية، ترتبط السياسة الإقليمية والمواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل بتاريخ طويل من الشرعية الثورية والخطاب السياسي والاعتبارات الأمنية. قد تجعل هذه العلاقة تقديم التنازلات أكثر تعقيدًا، لأن بعض الخيارات قد يُفسَّر داخل النظام أو بين مؤيديه بوصفه تراجعًا عن مبادئ أساسية. لكن علينا التمييز بين أمرين: أن يكون التراجع مكلفًا سياسيًا، وأن يكون مستحيلًا. فإيران سبق أن أظهرت قدرة على البراغماتية عندما رأت قيادتها أن استمرار المواجهة يهدد مصالح أكثر جوهرية. وأوضح مثال على ذلك قبول آية الله الخميني قرار وقف إطلاق النار مع العراق عام 1988، بعد حرب استمرت ثماني سنوات، رغم أن هذا القرار كان مؤلمًا سياسيًا ورمزيًا. وبالتالي، لا يصح القول إن القيادة الإيرانية ترفض التسويات بطبيعتها. إنما السؤال الأدق هو: هل تستطيع القيادة الإيرانية، في لحظة أزمة كبرى، الفصل بين بقاء الدولة والنظام من جهة، والحفاظ على صورة الانتصار والمكانة السياسية من جهة أخرى؟ ذلك هو السؤال نفسه الذي تأخرت القيادة اليابانية في الإجابة عنه. الصمود يستنزف الدولة بحلول عام 1944، كانت فرص اليابان في تحقيق نصر عسكري حاسم قد تضاءلت بشدة، ومع ذلك، استمرت الحرب. لم يكن جميع القادة اليابانيين يعتقدون بإمكان تحقيق انتصار شامل. فقد راهن بعضهم على أن إلحاق خسائر هائلة بالقوات الأميركية، خصوصًا عند محاولة غزو الجزر اليابانية، قد يدفع واشنطن إلى تخفيف شروط الاستسلام. هنا
الحرب في الشرق الأوسط لم تعد تجري في الشرق الأوسط وحده. فإذا كانت إسرائيل قد أمضت سنوات وهي تطارد خطوط الإمداد الإيرانية بين طهران وبغداد ودمشق وبيروت، فإن أحد أكثر هذه المسارات حساسية قد ابتعد شمالًا عن ساحات المواجهة التقليدية، واتجه نحو بحر قزوين. للمرة الأولى تقريبًا، يصبح السؤال الإسرائيلي ليس فقط: كيف نقطع الطريق الإيراني؟ بل: كيف نقطع طريقًا قد يمر فوق مصالح روسية مباشرة؟ بحر مختلف في سوريا والعراق، كانت المعادلة مختلفة. قافلة يمكن قصفها، مستودع يمكن تدميره، منشأة يمكن استهدافها، وسفينة يمكن اعتراضها. أما قزوين فليس المتوسط ولا البحر الأحمر. إنه بحر مغلق تحيط به خمس دول، تتداخل فوقه وتحت مياهه حسابات روسيا وإيران وأذربيجان وغيرها، وتصبح فيه أي حركة عسكرية جزءًا من معادلة أكبر بكثير من المواجهة الإسرائيلية ـ الإيرانية. إسرائيل تعرف كيف تقطع طريقًا إيرانيًا عندما يكون الطريق مكشوفًا. لكن ماذا يحدث عندما ينتقل الطريق من سماء الشرق الأوسط إلى مياه قزوين؟ هنا تتغير قواعد اللعبة؛ لأن ضرب خط إمداد إيراني في قزوين لا يعني بالضرورة ضرب إيران وحدها. قد يعني الاقتراب من مصالح روسية، والتعامل مع سفن روسية، والتحرك في منطقة شديدة الحساسية بالنسبة إلى موسكو وطهران وباكو. بعبارة أخرى: الطريق الذي يربط إيران بروسيا قد يحوّل الصراع الإسرائيلي ـ الإيراني من حرب على الإمداد إلى مشكلة مع موسكو. الشريان الشمالي للشرق الأوسط المفارقة أن ما يبدو بعيدًا على الخريطة عن الشرق الأوسط قد يكون مرتبطًا مباشرة بموازين القوى داخله. فإيران لا تحتاج فقط إلى نقل السلاح إلى حلفائها في المنطقة، بل تحتاج أيضًا إلى تأمين شبكة اقتصادية وصناعية ولوجستية تربطها بشمالها وبروسيا. ومع تزايد أهمية الممرات التي تربط البلدين، يصبح بحر قزوين جزءًا من معركة أوسع حول قدرة إيران على الحركة والمناورة والحفاظ على شبكاتها. هنا يصبح السؤال الإسرائيلي أكثر تعقيدًا: هل يمكن قطع شريان إيراني من دون الاصطدام بالشرايين الروسية التي تمر عبره؟ المشكلة ليست عسكرية فقط، بل سياسية وجغرافية أيضًا. فالضربة الجوية، حتى لو أمكن تصورها نظريًا، تتحرك داخل بيئة جوية شديدة الحساسية. والاعتراض البحري المباشر لا يشبه ما يمكن تنفيذه في المتوسط أو البحر الأحمر. أما التخريب، الذي قد يبدو الخيار الأقل كلفة عسكريًا، فقد يتحول إلى الخيار الأعلى كلفة سياسيًا إذا كانت السفينة روسية أو كانت العملية تجري في منطقة مرتبطة مباشرة بالمصالح الروسية. skip render: ucaddon_material_block_quote أذربيجان عند نقطة التقاطع وهنا تدخل أذربيجان إلى المشهد، لا باعتبارها متهمة بتنفيذ عملية محددة، ولا باعتبار أن هناك دليلًا علنيًا يثبت استعدادها لتوفير منصة لأي عمل تخريبي، وإنما لأنها تقع عند واحدة من أكثر نقاط التقاطع حساسية في هذه الخريطة. العلاقة العسكرية والأمنية بين باكو وتل أبيب معروفة، كما أن أذربيجان حافظت في الوقت نفسه على علاقات مع موسكو وطهران. ولذلك فإن أي حادث غامض يستهدف سفينة روسية في قزوين، إذا وقع، لن يبقى حادثًا محليًا طويلًا. ستبدأ فورًا لعبة الاتهامات والشكوك، وستكون باكو، بحكم موقعها وعلاقاتها، واحدة من الأسماء التي ستظهر في الحسابات السياسية. وهنا تكمن المعضلة الأذربيجانية: كيف تحافظ على شراكتها مع إسرائيل من دون أن تتحول إلى ساحة احتكاك بين إسرائيل وإيران، أو إلى مشكلة مباشرة مع روسيا؟ إنها معادلة دقيقة؛ لأن باكو تستطيع أن تكون شريكًا استراتيجيًا لتل أبيب، لكنها لا تستطيع تغيير الجغرافيا. وإيران جارتها، وروسيا قوة محيطة بها، وقزوين ليس بحرًا يمكن لأي طرف أن يتعامل معه باعتباره فراغًا جغرافيًا. من قزوين إلى غزة قد يبدو بحر قزوين بعيدًا عن غزة إلى درجة يصعب معها وضعهما في الجملة نفسها. لكن خرائط الحروب الحديثة لا تُرسم بالمسافات وحدها؛ تُرسم بخطوط الإمداد والممرات البحرية ومصالح الدول وقدرة كل طرف على إبقاء الحرب في حدودها أو دفعها إلى جغرافيا جديدة. ما يحدث في غزة هو الوجه الأكثر وضوحًا للصراع، أما قزوين فقد يكون أحد أعمق مساراته الخلفية. فبينما تُقاس الحرب في غزة بالصواريخ والأنفاق والحدود والمعابر، تُقاس في قزوين بالسفن والموانئ والممرات التجارية والعلاقة بين إيران وروسيا. وما يجمع الطرفين أن المعركة لم تعد تدور فقط حول مكان إطلاق النار، بل حول القدرة على استمرار الحرب وإمدادها وتمويلها وإعادة تشكيل موازين القوة من خلف خطوطها المباشرة. لهذا فإن قزوين ليس بعيدًا عن غزة كما يبدو على الخريطة. غزة هي واجهة الصراع، وقزوين أحد مساراته الخلفية. كل خط إمداد جديد تفتحه إيران شمالًا يفرض على إسرائيل جغرافيا أصعب وإذا كانت إسرائيل قد حاولت في الشرق الأوسط قطع الطرق التي تصل إيران بحلفائها، فإن انتقال جزء من هذه الشبكات شمالًا يعني أن الحرب نفسها بدأت تفرض عليها جغرافيا أوسع: جغرافيا تمتد من شواطئ غزة إلى المياه المغلقة لقزوين، ومن طهران إلى موسكو، مرورًا بباكو. وهنا تكمن المفارقة الأخيرة: قد تستطيع إسرائيل أن تجعل غزة ساحة حرب، وقد تستطيع الضغط على طرق الإمداد في الشرق الأوسط، لكن كلما اتجهت شمالًا لملاحقة الشريان الإيراني، اقتربت من لاعب لا تستطيع تجاهله: روسيا. ومن ثم، فإن المسافة بين غزة وقزوين ليست آلاف الكيلومترات فحسب؛ إنها المسافة بين حرب يمكن محاولة حصرها في ساحاتها، وحرب قد يصبح توسيعها أسهل من احتوائها. skip render: ucaddon_box_testimonial
skip render: ucaddon_box_testimonial لكن أكثر الأخطاء شيوعًا هو اختصار القصة بالقول إن إيران جاءت إلى اليمن، فصنعت الحوثيين، ثم حوّلتهم إلى شيعة. الحقيقة أكثر تعقيدًا… وأكثر خطورة. إيران لم تخترع الحوثيين. الحركة نبتت من تربة يمنية زيدية، ومن شعور حقيقي لدى قطاعات في صعدة بأن هويتها الدينية تتراجع أمام تمدد التيارات السلفية وتهميش المؤسسات الزيدية. لكن طهران وجدت لاحقًا في هذه الحركة شيئًا نادرًا: جماعة محلية، مسلحة، ذات سردية دينية، تقع على الحدود الجنوبية للسعودية وفي جوار واحد من أهم الممرات البحرية في العالم. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد المسألة مجرد دفاع عن الزيدية. بدأت قصة أخرى. قبل الحوثي الزيدية ليست إيرانية. وليست اثني عشرية. وليست نسخة مصغرة عن التشيّع الموجود في إيران أو العراق أو لدى غالبية شيعة لبنان. إنها فرع مستقل من الإسلام الشيعي، استقر في اليمن منذ أواخر القرن التاسع الميلادي، وبنى فيه دولًا وإمامات استمرت بأشكال مختلفة قرونًا طويلة. وقد احتفظت الزيدية تاريخيًا بقدر كبير من القرب الفقهي والاجتماعي من السنّة، ولا سيما الشافعية التي تشكّل المذهب السني الأوسع انتشارًا في اليمن. وتشير دراسات عن المجتمع اليمني إلى أن الانقسام الزيدي-الشافعي لم يكن تاريخيًا جدارًا اجتماعيًا مشابهًا للانقسامات الطائفية التي عرفتها بلدان أخرى في المنطقة. كان اليمني يستطيع أن يكون زيديًا من دون أن يشعر أنه ينتمي إلى «محور شيعي» عابر للحدود. وكان الشافعي والزيدي يلتقيان في القبيلة والمدينة والسوق والسياسة، فيما كانت الصراعات اليمنية تدور غالبًا حول السلطة والقبيلة والمنطقة والمصالح، أكثر مما تدور حول سؤال: من السنّي ومن الشيعي؟ هذه الصورة بدأت تتصدع. صعدة أولًا في العقود التي أعقبت ثورة 1962 وسقوط الإمامة الزيدية، تراجعت المؤسسات الدينية التقليدية للزيدية، وفي المقابل تمددت في شمال اليمن تيارات إسلامية سنية وسلفية، بعضها مدعوم من السعودية. وشعر جزء من النخب الزيدية بأن المذهب الذي حكم شمال اليمن لقرون يتراجع في معقله التاريخي. من هنا ظهرت في التسعينيات حركة «الشباب المؤمن»، بوصفها حركة إحياء زيدي وتعليم ديني وثقافي، قبل أن يبرز حسين بدر الدين الحوثي داخلها بشخصية وخطاب أكثر سياسية وصدامية. إذًا، البداية يمنية، والجرح يمني، والصراع الأول كان يمنيًا. ولهذا فإن القول إن طهران «أنشأت الحوثيين» يختصر التاريخ بطريقة تمنع فهمه. فبحسب مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، لم يؤسَّس الحوثيون بمساعدة إيران، بخلاف تنظيمات إقليمية أخرى ارتبط تأسيسها مباشرة بطهران. لكن الدعم الإيراني العسكري والتقني والسياسي للجماعة توسع لاحقًا وأصبح أكثر أهمية، خصوصًا مع صعودها العسكري وسيطرتها على صنعاء ثم اندلاع الحرب الإقليمية منذ 2015. إيران لم تزرع الشجرة، لكنها أدركت مبكرًا قيمة الثمرة. من حسين إلى عبدالملك حين قُتل حسين الحوثي عام 2004، كان يُفترض نظريًا أن تنتهي الحركة مع مؤسسها. حدث العكس. تحول مقتله إلى عنصر تعبئة، وخاضت الحركة ست جولات من الحروب مع نظام الرئيس علي عبدالله صالح بين 2004 و2010، ثم خرجت من تلك الحروب أكثر خبرة في التنظيم والقتال والتعبئة. ومع انهيار مؤسسات الدولة بعد انتفاضة 2011، تمدد الحوثيون من صعدة باتجاه عمران وصنعاء، حتى دخلوا العاصمة في سبتمبر/أيلول 2014. هناك، تغير كل شيء. لم يعد الحوثي داعية يحمل اعتراضًا على السلطة، صار هو السلطة. ولم تعد الزيدية بالنسبة إلى الجماعة مجرد هوية مذهبية ينبغي حمايتها. أصبحت مصدرًا لشرعية سياسية. عندما دخلت إيران كلما ازدادت قوة الحوثيين، ازدادت قيمة اليمن في الحسابات الإيرانية. فجماعة مسلحة على الحدود السعودية، وعلى مسافة مؤثرة من باب المندب والبحر الأحمر، تملك بالنسبة إلى طهران قيمة استراتيجية استثنائية. تشير الدراسات إلى وجود تقديرات مختلفة لبداية الدعم العسكري الإيراني المباشر، لكن ثمة توافقًا أوسع على أن العلاقة العسكرية أصبحت واضحة قبل أو بحلول سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014، ثم اتسعت بصورة كبيرة في السنوات اللاحقة. وقد وفّرت إيران للجماعة أسلحة ومكونات صاروخية وتقنيات مرتبطة بالمسيّرات وتدريبًا ومساعدة عسكرية، فيما تصف تحليلات حديثة الحوثيين بأنهم شريك إيراني يتمتع بهامش استقلال، وليس مجرد قوة تتلقى أوامرها اليومية من طهران. وهذه النقطة ضرورية، الحوثيون ليسوا «حزب الله اليمني» بالمعنى الحرفي. لكنهم استفادوا من نموذج يشبهه: حركة عقائدية مسلحة، تبني مؤسساتها داخل الدولة، وتستخدم السلاح والسياسة والإعلام والدين في مشروع واحد. ومع السلاح، جاءت اللغة. إيران لم تغيّر القبلة هل أصبح الحوثيون اثني عشرية؟ ليس بهذه البساطة. فالجماعة ما زالت ذات جذور زيدية، وقياداتها الأساسية تنتمي إلى البيئة الزيدية، بينما المذهب الاثنا عشري السائد في إيران يقوم على منظومة عقدية مختلفة في نقاط جوهرية. الاثنا عشرية تؤمن بسلسلة محددة من اثني عشر إمامًا، وتنتهي بالإمام الثاني عشر الذي تؤمن بأنه غاب وسيظهر في آخر الزمان. أما الزيدية فلا تقبل هذه المنظومة المغلقة من الأئمة الاثني عشر، ولا تبني عقيدتها السياسية على الإمام الثاني عشر الغائب. ووفق التصور الزيدي التقليدي، يمكن لعالم مؤهل من ذرية الحسن أو الحسين أن يطالب بالإمامة إذا أعلن دعوته وخرج ضد السلطة التي يراها جائرة. كما أن الزيدية لم تعرف تاريخيًا مؤسسة «ولاية الفقيه» بالشكل الإيراني الحديث. وهنا المفارقة: لم تحتج إيران إلى جعل الحوثيين اثني عشرية. كان يكفي أن تقترب اللغة السياسية للحوثية من لغة الثورة الإيرانية. أحد أهم التحولات التي يجب التوقف عندها هو أن الحوثيين لم يحيوا الزيدية التقليدية كما كانت فقط، بل أعادوا تفسيرها سياسيًا. وتشير دراسة لكارنيغي حول المؤسسات الدينية العربية إلى فروق واضحة بين الفكر الحوثي وبعض التقاليد الزيدية التاريخية، ولا سيما في مسألة موقع القائد والطاعة والهوية الشيعية والعلاقة بالخطاب الإيراني الثوري. كما تشير الدراسة إلى أن حسين الحوثي شدد في خطبه على تعريف الزيديين ضمن الهوية الشيعية وعلى التقارب مع قوى شيعية إقليمية، في حين كان كثير من الزيديين اليمنيين تاريخيًا أقل اهتمامًا بتعريف أنفسهم ضمن الاستقطاب السنّي-الشيعي الإقليمي. وهنا تكمن نقطة التحول الحقيقية، فليس كل زيدي حوثيًا، كما أن معارضة الحوثيين لا تعني معارضة الزيدية. الزيدية عمرها أكثر من ألف سنة في اليمن، أما الحوثية فهي حركة سياسية وعسكرية حديثة. والخلط بينهما يمنح الحركة ما تحتاجه تمامًا: أن يصبح نقدها نقدًا للمذهب، وأن تصبح هي الممثل الوحيد للمذهب. كربلاء تدخل السياسة مع صعود الحوثيين، ازداد حضور رموز ومناسبات دينية وسياسية تحمل أصداء واضحة من البيئة الإيرانية والشيعية الإقليمية. الغدير صار أكثر حضورًا في المجال العام، وعاشوراء اكتسبت بعدًا تعبويًا وسياسيًا أوسع. و«يوم القدس» الذي أطلقته إيراني أصبح جزءًا من روزنامة التعبئة السياسية. وتوسعت لغة «المستضعفين» و«المستكبرين» و«الولاية» و«المسيرة القرآنية»، بالتوازي مع خطاب سياسي يعتبر الجماعة جزءًا من مواجهة إقليمية أوسع. وتوثق دراسات عن الفكر الحوثي تأثير الخطاب الثوري الإيراني في الجماعة مع استمرار خصوصيتها الزيدية واليمنية. لم يتحول اليمن إلى إيران، لكن إيران أصبحت حاضرة في مفردات يمنية لم تكن تحمل هذا الوزن من قبل، وهذا أخطر