في اللحظات المصيرية من تاريخ الأمم، لا يعود التردد ترفًا سياسيًا، ولا تصبح المواربة وجهة نظر. ولبنان اليوم يقف أمام لحظة مفصلية تفرض على الجميع الإجابة عن سؤال واحد: أي دولة نريد؟ دولة الشراكة التي أرساها اتفاق الطائف، أم دولة الغلبة التي أوصلتنا إلى الانهيار والعزلة والخراب؟ لقد أثبتت التجارب المريرة التي عاشها اللبنانيون أن منطق الغلبة لم يبنِ دولة يومًا، ولم يصنع استقرارًا، ولم ينتج شراكة وطنية حقيقية. فكلما حاول فريق فرض إرادته على سائر اللبنانيين بقوة الأمر الواقع، كانت النتيجة مزيدًا من الانقسام والشلل والانهيار. ذلك أن لبنان، بحكم تكوينه وتاريخه ورسالته، لا يُحكم بمنطق المنتصر والمهزوم، بل بمنطق الشريك والشريك. الطائف كعقد وطني من هنا تبرز أهمية اتفاق الطائف، لا بوصفه تسوية سياسية عابرة، بل باعتباره آخر عقد وطني جامع توافق عليه اللبنانيون للخروج من الحرب والدخول إلى الدولة. فالطائف لم يكرّس غلبة أحد على أحد، بل أسقط نهائيًا فكرة الهيمنة الداخلية، ووضع أسس دولة المؤسسات والدستور والمناصفة والعيش المشترك والاحتكام إلى الشرعية وحدها. رفيق الحريري وفلسفة الدولة ولذلك، لم يكن الرئيس الشهيد رفيق الحريري مجرد أحد حماة الطائف، بل كان أحد أبرز المؤمنين بفلسفته الوطنية. فقد أدرك أن إعمار الحجر لا قيمة له من دون إعمار الدولة، وأن الاقتصاد لا ينهض في ظل الانقسام، وأن الاستقرار لا يولد من فائض القوة، بل من عدالة الشراكة. كان مشروعه قائمًا على بناء دولة قوية بمؤسساتها، لا قوية بفريق على حساب فريق، دولة تفتح أبوابها لجميع أبنائها، وتحميهم جميعًا تحت سقف القانون. skip render: ucaddon_material_block_quote أزمة مشروع وطني واليوم، وبعد سنوات طويلة من تعطيل الدولة ومصادرة قرارها وإضعاف مؤسساتها، لم يعد جائزًا الاستمرار في دفن الرؤوس في الرمال. فالأزمة التي يعيشها لبنان ليست مالية فقط، ولا اقتصادية فقط، ولا حتى دستورية فقط؛ إنها أزمة مشروع وطني. أزمة بين من يريد الدولة مرجعية وحيدة للجميع، ومن يريد إبقاءها رهينة موازين القوى ومصالح المحاور وصراعات المنطقة. لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة نتيجة الخروج عن روح الطائف وأحكامه. دفعوا من أمنهم واقتصادهم واستقرارهم وعلاقاتهم العربية والدولية. وكل محاولة للالتفاف على هذا الاتفاق أو تفريغه من مضمونه لم تؤدِّ إلا إلى مزيد من الانهيار والتفكك وفقدان الثقة بالدولة. الدفاع عن فكرة لبنان إن الدفاع عن الطائف اليوم ليس دفاعًا عن نص دستوري فحسب، بل دفاع عن فكرة لبنان نفسها. دفاع عن دولة الشراكة في مواجهة مشاريع الغلبة، وعن الشرعية في مواجهة الأمر الواقع، وعن المؤسسات في مواجهة التعطيل، وعن الانتماء العربي للبنان في مواجهة محاولات عزله عن محيطه الطبيعي والتاريخي. لقد آن الأوان للقول بوضوح إن لبنان لا يمكن أن ينهض إلا بالدولة، ولا دولة مع ازدواجية القرار، ولا دولة مع تعطيل المؤسسات، ولا دولة مع منطق أن فريقًا يقرر عن جميع اللبنانيين مصيرهم وخياراتهم الوطنية. فالشراكة ليست تنازلًا من أحد لأحد، بل هي جوهر الصيغة اللبنانية وضمانة بقائها. الدولة أو اللادولة إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين أحزاب وطوائف، بل بين مشروع الدولة ومشروع اللادولة. بين مشروع اتفاق الطائف الذي أعاد إنتاج الشرعية الوطنية، ومشروع الغلبة الذي لم ينتج إلا الأزمات. وبين هذين الخيارين لا مجال للحياد. إن لبنان الذي حلم به رفيق الحريري، واستشهد من أجل سيادته واستقراره وازدهاره، هو لبنان الدولة الحرة السيدة القادرة، لبنان الاعتدال والانفتاح والشراكة الوطنية الكاملة. أما لبنان الغلبة، فقد جرّبناه طويلًا، وكانت حصيلته انهيارًا اقتصاديًا، وشللًا سياسيًا، وهجرة للشباب، وتراجعًا لمكانة الوطن. طريق الإنقاذ لهذا، فإن الطريق إلى الإنقاذ يبدأ بالعودة الصادقة إلى الدستور واتفاق الطائف، وإلى حصرية القرار بيد الدولة، وإلى إعادة الاعتبار للمؤسسات الشرعية، وإلى تجديد الشراكة الوطنية على قاعدة المساواة الكاملة بين جميع اللبنانيين. ففي هذه المرحلة الحساسة والخطيرة، لا يحتاج لبنان إلى غالب ومغلوب، بل يحتاج إلى دولة. والدولة وحدها هي المنتصرة عندما يتساوى أبناؤها تحت رايتها، ويحتكمون إلى دستورها، ويؤمنون بأن لا مستقبل لهم إلا معًا. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم يعد «التوازن» في التجربة اللبنانية ذلك المفهوم الذي يُبشّر بالاستقرار عبر إدارة التعددية، بل انقلب إلى حالة من الشلل المقنّع، حيث تتوارى الدولة خلف معادلات هشّة، ويتحوّل النظام من مساحة تسويات إلى ساحة تعطيل مفتوح. الأخطر من ذلك أنّ هذا التحوّل لم يُنتج فقط أزمة حكم، بل أسهم في تفكيك معنى الانتماء الوطني نفسه، بحيث بات اللبناني موزّعًا بين ولاءات متنازعة، في ظل غياب مرجعية دولة قادرة على توحيد البوصلة. ضياع وبدائل في هذا السياق، لا يمكن فصل ضياع الانتماء عن غياب القرار. فالدولة التي تعجز عن اتخاذ قرارات سيادية واضحة، وتترك فراغًا في موقعها الطبيعي كمرجعية عليا، تفسح المجال أمام بدائل غير وطنية لملء هذا الفراغ. وهكذا، يتراجع مفهوم المواطنة لصالح الانتماءات الفرعية، سواء كانت طائفية أو فئوية أو مرتبطة بمحاور إقليمية. يصبح الوطن إطارًا شكليًا، فيما تُدار الخيارات المصيرية خارج حدوده أو خارج مؤسساته. لقد قام النموذج اللبناني، في أحد أوجهه المثالية، على فكرة التوازن بين الانتماء الوطني والانفتاح العربي. غير أنّ هذا التوازن اختلّ حين جرى استبدال الانتماء العربي الجامع بانخراط غير متكافئ في صراعات المحاور. ومع تراجع حضور الدولة، ((برزت قوى تملك فائض قوة خارج الشرعية، ما أدّى إلى إعادة تعريف التوازن على قاعدة القوة لا على قاعدة الشراكة.)) هنا، يتحوّل التوازن من أداة لحماية التعدد إلى وسيلة لفرض الأمر الواقع. skip render: ucaddon_material_block_quote فقدان المركز من منظور فكري يتماهى مع رؤية تؤمن بالدولة السيّدة والعادلة، فإنّ جوهر الأزمة اللبنانية يكمن في فقدان مركزية القرار. فالدستور لم يُصمَّم ليكون مجرّد إطار تفاوض دائم، بل ليكون مرجعية حاسمة تُنظّم الحياة السياسية وتضبط إيقاعها. لكن حين تُعلَّق أحكامه لصالح أعراف ظرفية، وحين يُستبدل منطق المؤسسات بمنطق التوافقات القسرية، يصبح القرار رهينة ميزان قوى متقلّب، لا تعبيرًا عن إرادة وطنية مستقلة. في هذا المناخ، يتعمّق ضياع الانتماء. فالمواطن الذي لا يرى دولة تحميه أو تعبّر عنه، يبحث تلقائيًا عن بدائل: طائفته، زعيمه، أو حتى الخارج. ومع مرور الوقت، تتآكل الثقة بالدولة إلى حدّ تصبح فيه فكرة الانتماء الوطني نفسها موضع شك. وهذا ما يفسّر كيف أنّ الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان لم تُواجَه برد فعل وطني موحّد، بل بتباينات حادّة تعكس تشتّت الهوية السياسية. استعادة الدولة إنّ استعادة الانتماء تبدأ من استعادة الدولة. ولا يمكن للدولة أن تُستعاد من دون إعادة الاعتبار لاحتكارها القرار السيادي. فازدواجية السلاح، وتعدّد مراكز القرار، يُفرغان أي حديث عن التوازن من مضمونه، ويجعلان من الشراكة مجرّد واجهة شكلية. التوازن الحقيقي لا يقوم على تقاسم القدرة على التعطيل، بل على وحدة المرجعية في اتخاذ القرار، ضمن نظام ديمقراطي يضمن التمثيل والمساءلة. كذلك، فإنّ إعادة وصل لبنان بعمقه العربي تُشكّل ركيزة أساسية لاستعادة توازنه الطبيعي. فالانتماء العربي لم يكن يومًا عبئًا على لبنان، بل كان عنصر حماية واستقرار. وعندما ابتعد لبنان عن هذا العمق، خسر شبكة أمان سياسية واقتصادية، ووجد نفسه أكثر عرضة للانكشاف أمام صراعات لا قدرة له على تحمّل تبعاتها. من هنا، فإنّ إعادة تثبيت هذا الانتماء لا تعني الانحياز، بل تعني استعادة موقع لبنان الطبيعي كجسر لا كساحة. من الاعتدال المؤسِّس إلى الاعتلال السياسي توازن العجز أما على المستوى الداخلي، فإنّ الخروج من مأزق «توازن العجز» يقتضي الانتقال من منطق التسويات الظرفية إلى منطق الدولة القادرة. دولة تُحترم فيها المهل الدستورية، وتُجرى فيها الانتخابات في مواعيدها، وتُفعَّل فيها المؤسسات بعيدًا عن منطق التعطيل. كما يتطلّب ذلك قضاءً مستقلًا، وإدارة حديثة، ورؤية اقتصادية تعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة. في المحصلة، لا يمكن للبنان أن يستمر في العيش داخل معادلة توازن تُنتج العجز، وانتماء يتآكل تحت ضغط الفراغ. فإمّا أن يُعاد بناء الدولة على أسس واضحة من السيادة والانتماء، وإمّا أن يبقى رهينة دوامة من الشلل والتفكك. وبين هذين الخيارين، تكمن مسؤولية النخب السياسية في إعادة تعريف التوازن، لا كحق في التعطيل، بل كالتزام ببناء دولة جامعة، يكون فيها القرار وطنيًا، والانتماء واحدًا لا يتجزأ. يشكّل الطائف لحظة مفصلية أعادت تعريف «التوازن» في لبنان: نقلته من توازن ميليشيوي خلال الحرب إلى توازن دستوري يُفترض أن يُدار عبر المؤسسات. لكن المشكلة أنّ هذا التوازن، كما طُبّق، تعرّض لاختلال مزدوج: أولًا عبر تعطيل أجزاء أساسية منه، (خصوصًا ما يتعلّق بحصرية السلاح بيد الدولة وبناء الدولة المدنية)، وثانيًا عبر تحويل روحية التوافق فيه إلى أداة تعطيل بدل أن تكون آلية تنظيم. ومن زاوية الاعتدال، فإنّ الطائف نموذج «للاعتدال المؤسِّس» مقابل «الاعتلال السياسي» اللاحق. أي أنّ الاعتدال الحقيقي هو الذي يبني دولة ويُنهي صراعات، لا الذي يساير اختلالات دائمة. فالاعتدال ليس تسوية مفتوحة بلا سقف، بل التزام واضح بقواعد الدولة والدستور. skip render: ucaddon_box_testimonial