في عالمٍ يلهثُ خلفَ الأرقام، مهووسٍ بالأداء ومؤشّراته القياسيّة التعجيزيّة والباعثة على الإحباط أحياناً، يعودُ البعضُ إلى الفلسفات القديمة لتصويب الحاضر ومنحه بعضَ المعنى. هكذا حضرت الـ«وابي-سابي» — وهي فلسفة يابانيّة قديمة لا طبقَ سوشي — لتتعاطف مع الهشاشة، وترى في الكسور حِكمةً وجمالاً قد يَخفيان على الكثيرين. وقد جسّد «الكينتسوجي» هذه الفلسفة خيرَ تجسيد. والكينتسوجي فنٌّ يابانيّ تقليديّ عريق يعود إلى القرن الخامس عشر. تقول الأسطورة إنّ أحد حكّام اليابان أرسل وعاءً مكسوراً إلى الصين لإصلاحه، لكنّ الوعاء عاد مشوّهاً، وقد شُدَّت أوصالُه بدبابيسَ معدنيّةٍ خشنة. لم يُرضِ هذا الشكلُ الحرفيّين اليابانيّين، فبحثوا عن طريقة ترميم تحفظ القطعة وتصون روحها، وتوصّلوا إلى حلٍّ عمليّ وفلسفيّ في آنٍ معاً: ترميمٌ يعترف بالكسر ويمنحه قيمةً جماليّة. جمال الترميم قام الحرفيّون اليابانيّون بترميم الأواني الفخّاريّة المكسورة باستخدام طلاءٍ ممزوجٍ بمسحوق الذهب أو الفضّة أو البلاتين. وبدلاً من إخفاء الشقوق أو الكسور ومحاولة طمسها، أبرزوا جمالها وحوّلوها إلى خطوطٍ متلألئةٍ متفرّعةٍ ومتشابكة، أشبهَ بأوردةٍ حيّة، أو خريطةٍ تتتبّع تاريخ تلك الأشياء.بهذه الطريقة، لم تكتسب تلك القطعة حياةً جديدة فحسب، بل تحوّلت إلى تحفةٍ فنيّةٍ فريدةٍ وثمينة. هنا، لا توجد قطعتان متطابقتان، لأنّ كلَّ قطعةٍ مُرمَّمة تحمل بصمة الحياة التي عاشتها، والأيدي التي اعتنت بها أو قست عليها. هكذا تقاطع فنّ الكينتسوجي مع فلسفة الوابي-سابي، التي تحتفي بالأشياء وكسورها. وعلى عكس طرائق فنيّةٍ تمجّد الكمال وتستنسخ الأشياء وتكرّرها، يرى الكينتسوجي أنّ الأصالة تنبع من الاعتراف بالزمن ومآلاته وجروحه، بحيث لا يعود الكسرُ عاراً أو شائبةً نُحارُ كيف نُخفيها، بل قصّةً نرويها ونتعلّم منها.تحوّل هذا الفنّ، مع الوقت، إلى استعارةٍ للتجربة الإنسانيّة نفسها. فالإنسان، شأنه شأن الآنيّة، يتعرّض للكسر. وفي حين ينتظر العالم منه أن يُعالج جراحه ويتعافى بسرعة، أو يتظاهرَ بذلك، وأن يبدو «سليماً» مهما كان الثمن، يأتي الكينتسوجي ليقدّم رؤيةً مغايرة تؤكّد أنّ الندوب جزءٌ أصيلٌ في تكويننا، وتستحضر مقولة إرنست همنغواي في روايته الشهيرة «وداعاً للسلاح»: «ليس هناك من لا تكسره الدنيا، لكنّ كثيرين يصبحون أقوياء في مواضع الكسر ذاتها»، وهي مقولة تُسلّم بهشاشة الإنسان وتُبشّر بالقوّة التي تولد من رحم المعاناة. تناقض مع ثقافة الاستهلاك يتناقض هذا المنظور تناقضاً واضحاً مع ثقافة الاستهلاك السائدة، التي تحتفي بالصورة المُفلترة من كلّ الشوائب، حيث تُصمَّم الأشياء لتُرمى وتُستبدَل بسرعة، وتُقاس القيمة بالجِدّة والحداثة لا بالمعنى. يقاوم الكينتسوجي هذا المنطق، مؤكّداً في الوقت نفسه أهميّة التعافي المتأنّي والمتريّث، وعلى الاحترام والصبر اللذين يستحقّهما الشيءُ الذي انكسر. فترميم أيّ قطعةٍ يتطلّب عنايةً ومهارةً وبالاً طويلاً، في عمليّةٍ دقيقةٍ تُقرّ بالهشاشة وتتصالح معها. وإذا ما أسقطنا هذا المفهوم على عالمٍ مطحونٍ بالأزمات، ننكسر فيه كلَّ يوم، سواء بفعل الإرهاق العاطفي، أو الإخفاقات وخيبات الأمل الشخصيّة أو المهنيّة، أو الحيرة، أو الشعور بعدم الكفاية، أو كلّها معاً، يصبح الكينتسوجي دعوةً إلى تعاملٍ أكثر رفقاً مع الذات ومع الآخرين، وإلى النظر إلى الضعف لا بوصفه عيباً، بل حقيقةً أصيلة جُبلت عليها النفس البشريّة، التي منحها الله أيضاً القدرة على المقاومة، والقيام بعد التعثّر والزلل، والتعلّم من التجارب. يحضر فنّ الكينتسوجي في مجالات علم النفس والقيادة والفن. يستخدمه المعالجون النفسيّون كتعبيرٍ بصريّ عن التشافي، ويستلهمه الفنّانون لاستكشاف الذاكرة والهوية، ويستحضره المفكّرون والقادة كنموذجٍ بديلٍ لبناء القوّة والمرونة والقدرة على الصمود، والاعتراف بالأخطاء واستخلاص الدروس منها.وعلى الرغم من خطر الوقوع في فخّ التبسيط والتسطيح، الذي بات اليوم يهدّد أيّ مفهوم ويحوّله إلى «تريند» وموجةٍ يركبها البعض بحثاً عن الظهور والانتشار السهل، فيفضحون أسرارهم على الملأ بحجّة التصالح مع الماضي وجروحه، إلّا أنّ الكينتسوجي والوابي-سابي يستحقّان منّا التأمّل الواعي والهادئ، فلربّما استطاع البشر من خلالهما رؤية الجمال الكامن في الكسور، وفي الطريقة التي نختار أن نُرمّمها بها. هل يمكن مقاربة العلاقات الإنسانيّة بهذه الطريقة؟ ليس دائماً. فأحياناً يكون الإصلاح أو الترميم مستحيلاً، من وجهة نظر فاتن حمامة، وهي تقول بمرارةٍ لزوجها السابق الذي أتى إليها مبرّراً خيانته، وطالباً منها أن تسامحه — يؤدّي دوره أحمد رمزي في إحدى قصص «حكاية وراء كلّ باب» الجميلة —: «اللّي اتكسَر عمره ما حيتصلّح».
تُنتج الشركاتُ العالميةُ سنويًّا ملياراتِ القطَعِ من الملابس، أكثر بكثيرٍ ممّا يستهلكه البشرُ على هذا الكوكبِ المُثقَلِ بالأزماتِ والمشاكل. لكن، مَن منّا طرح مرّةً على نفسه هذا السؤال: ماذا يحدث عندما يُصبحُ إنتاجُ الألبسة أسرعَ من الطلبِ عليها؟ وأين تذهبُ كلُّ هذه الملابس الزائدةُ عن الحاجة؟ تُخفي صناعةُ الأزياء اليوم، خلفَ واجهاتِ المتاجرِ البرّاقةِ وعروضِ التخفيضاتِ الجذّابة، قصةً أكثرَ تعقيدًا تتسابقُ فيها الشركاتُ على إنتاجِ كميّاتٍ هائلةٍ من الملابسِ بتكلفةٍ منخفضةٍ وسرعةٍ محمومة، في ما يُعرَف بظاهرة “الموضة السريعة” Fast Fashion. وباتت الشركاتُ تطرحُ مجموعاتٍ جديدةً كلَّ بضعةِ أسابيع، بدلًا من بدايةِ كلِّ موسم، في نموذجٍ مُفرِطٍ في الاستهلاكيّة، قائمٍ على دورةٍ لا تنتهي من الإنتاجِ والشراءِ والبيعِ والإتلاف. أين تذهب كلُّ هذه الملابس؟ في الواقع، تقول الإحصاءاتُ إنَّ نحوَ ثلثِ ما يُنتَج لا يُباعُ أبدًا، وإنّ بعضَ الشركاتِ تعمدُ إلى تخزينهِ مؤقّتًا ومن ثمَّ بيعهِ إلى الأسواقِ الثانوية، فيما بعضها الآخرُ يحرقُه أو يطمُرُه لتجنّبِ بيعهِ بأسعارٍ منخفضةٍ “تُضعِف” من قيمةِ العلامةِ التجارية. ففي عام 2024، بلغت كميّاتُ النفاياتِ من الملابسِ التي يتخلّصُ منها العالم قرابة 120 مليون طنٍّ متري، ومن المتوقّع أن تتجاوزَ هذه الكمية 150 مليون طنٍّ سنويًّا خلال السنواتِ القادمة. أمّا القيمةُ الاقتصاديةُ الخامُّ للمنسوجاتِ غيرِ المسترجَعة (أي التي لا يُعاد تدويرُها) فتُقدَّر بنحو 150 مليار دولارٍ أميركيّ سنويًّا. في عام 2018، اعترفت شركةُ بوربري بحرقِ ما قيمتُه أكثرُ من 28 مليون جنيهٍ إسترليني (أي نحو 37 مليون دولار) من الملابسِ والأكسسواراتِ والعطورِ الجديدةِ غيرِ المباعة، للحفاظِ على “صورتها الفاخرة”، بحسب مقالةٍ لــ “بي بي سي نيوز”. ظهرَ هذا الاعترافُ في تقريرِ الشركةِ السنويّ، وتبيّنَ أنها ليست المرّة الأولى، وأنّ الشركةَ معتادةٌ على اتخاذِ هذا الإجراء. أثار هذا الخبر ردودَ فعلٍ غاضبةً من جماعاتِ حمايةِ البيئةِ والمساهمين والجمهور، في وقتٍ تُتَّهَمُ فيه صناعةُ الأزياء أصلًا بالتلويثِ والإفراطِ في الإنتاج. يُظهِرُ مثلُ هذا الإجراءِ استخفافًا بالاستدامة، وصَفَتْهُ منظمةُ “السلام الأخضر” ومنظماتٌ أخرى بأنّه “رمزٌ لكلّ ما هو خاطئٌ في صناعةِ الأزياء”. في سبتمبر 2018، وعقبَ موجةِ الغضب تلك، أعلنت بوربري أنّها ستتوقّفُ فورًا عن إتلافِ البضائعِ غيرِ المباعة، كما تعهّدت بإعادةِ استخدامِ أو إصلاحِ أو إعادة تدويرِ المنتجاتِ غيرِ المباعة أو التبرّعِ بها، بدلًا من حرقها. تقول الإحصاءاتُ إنَّ نحوَ ثلثِ ما يُنتَج لا يُباعُ أبدًا، وإنّ بعضَ الشركاتِ تعمدُ إلى تخزينهِ مؤقّتًا ومن ثمَّ بيعهِ إلى الأسواقِ الثانوية، فيما بعضها الآخرُ يحرقُه أو يطمُرُه لتجنّبِ بيعهِ بأسعارٍ منخفضةٍ “تُضعِف” من قيمةِ العلامةِ التجارية تحاول بعضُ الشركاتِ الكبرى اليومَ تلميعَ صورتِها من خلالِ إطلاقِ مبادراتٍ لإعادة تدويرِ الملابسِ القديمة. لكن الدراساتِ تشيرُ إلى أنّ أقلّ من 1% فقط من الألبسةِ المستعملةِ يُعادُ تدويرُها فعلًا. أمّا الباقي فيُنقَلُ بعضُهُ إلى دولٍ فقيرةٍ في إفريقيا وآسيا حيث يُباعُ كملابسَ مستعملة، أو يُرمى في مكبّاتٍ ضخمةٍ تُلوّثُ التربةَ والينابيع والأنهار والهواء. ما الحلّ؟ إنّ تغييرَ هذا الواقع يبدأُ من المستهلكِ نفسه. وحريٌّ بنا قبل شراءِ أيّ قطعةِ ملابسٍ أن نطرحَ مجموعةً من الأسئلة:هل أحتاجُها فعلًا؟هل سأحافظُ عليها؟وماذا أفعلُ بالملابسِ المُعلّقةِ في خزانتِي منذُ سنوات؟هل كانت رحلةُ هذه الملابسِ قبلَ أن تحطَّ في خزائنِنا مُنصِفةً للأيدي التي صنعتها؟ استغلال الطبقة العاملة لقد وثّقت دراساتٌ كثيرةٌ انتهاكًا واضحًا لحقوقِ العاملين في صناعةِ الألبسة، حتى تلك التي تحملُ علاماتٍ تجاريةً عالمية. ففي كمبوديا مثلًا، أشارت التقاريرُ إلى أنّ العمالَ يحصلونَ على أجورٍ ضئيلةٍ ويعملونَ ساعاتٍ طويلةً وبشروطٍ صعبة. وفي بنغلاديش وغيرها، اشتكى العمالُ من التأخيرِ في دفعِ الأجور، إن دُفِعت، ومن حرمانِهم من حقوقِهم، لأنّ شركاتِ الألبسةِ تعتمدُ على خفضِ التكلفةِ لزيادةِ أرباحِها، والحلقةُ الأضعفُ هي العمّال. وبقيّةُ القصةِ معروفة: مُورّدونَ يتنافسون لتقديمِ أرخصِ الأسعارِ باقتطاعِ ما يستطيعونَ من أجورِ اليدِ العاملة في ظروفِ عملٍ غيرِ إنسانيةٍ في أغلبِ الأحيان. أمّا الأضرارُ على البيئة، فحدِّثْ ولا حرج. مياهٌ مهدورة، ومواردُ منهوبة، وطاقةٌ مستنزفة، وانبعاثاتٌ كربونية، وبوليستر، وأليافٌ بلاستيكيةٌ ملوِّثة. إنه مشهدٌ فحسبُ في قصةِ صناعةِ الموضةِ القاتلة. أمّا عن تسليعِ الأجسادِ التي ترتديها في زمنِ الصورةِ والسوشال ميديا، فذلك حديثٌ آخر… طويلٌ وحزين.