لم يعد التضليل السياسي يحتاج إلى غرفة أخبار، ولا إلى جيش من المحررين، ولا حتى إلى ميزانية انتخابية ضخمة. يكفي شخص واحد، وأداة ذكاء اصطناعي، ومئات الحسابات الوهمية، حتى تتحوّل المنصات الرقمية إلى مسرح لحملة تبدو شعبية، بينما تُدار خلف الستار بعقل واحد ومصدر مخفي. هذه المرة، لم ينكشف الخداع على يد خصوم الحملة، بل فضحته الشركة المطوّرة للأداة نفسها. بحسب تقرير رسمي لشركة «أنثروبيك»، المطوّرة لنموذج الذكاء الاصطناعي «كلود»، رُصدت عملية تأثير استُخدمت فيها أدوات الشركة للمساعدة في بناء حملة منسّقة ضد جماعة الإخوان المسلمين، شملت إنشاء شبكة تضم أكثر من 300 حساب غير حقيقي على منصات التواصل الاجتماعي، بهدف نشر محتوى موجّه وتضخيمه. وأعلنت الشركة اكتشاف العملية واتخاذ إجراءات لوقف الحسابات المرتبطة بها وتعزيز أنظمتها لمنع تكرار هذا النمط من الاستخدام. هنا تبدأ القصة، لأن الحقيقة نفسها تصبح الضحية حين يتحوّل الخلاف السياسي إلى صناعة منظّمة للكذب. لا تصنعوا جمهوراً من الوهم لا يحتاج الإخوان المسلمون إلى حصانة سياسية أو فكرية، ولا يجوز إعفاؤهم من المساءلة عن أخطائهم ومواقفهم وتجاربهم. شأنهم شأن أي تنظيم سياسي أو أيديولوجي، يحق للناس نقدهم ومحاسبتهم، بل إن النقد الصريح والموثّق ضرورة لحماية المجتمعات من احتكار الحقيقة باسم الدين أو السياسة. لكن ثمة فرقاً شاسعاً بين أن تنتقد جماعة بأدلتك، وأن تستأجر الخوارزميات لتصنع لك جمهوراً وهمياً يصفّق لروايتك، ثم تقدّم هذا الضجيج المصطنع باعتباره رأياً عاماً. الأولى معركة أفكار، والثانية هندسة للخداع. عندما تُنشأ مئات الحسابات المزيّفة لتكرار الرسائل نفسها وتضخيمها، فإن الهدف لا يعود إقناع الجمهور بالحجة، بل إيهامه بأن الجميع يتحدثون، والجميع غاضبون، والجميع متفقون. إنها محاولة لمصادرة وعي الناس عبر تزوير حجم التأييد والرفض، وكأن الحقيقة تُقاس بعدد الحسابات لا بوزن الأدلة. والأخطر أن المحتوى قد يُصاغ في هيئة تقارير وتحليلات ومواد تبدو مستقلة، بينما تخفي وراءها حملة منسّقة. عندها لا يُزوَّر الخبر وحده، بل تُزوَّر أيضاً صورة المجتمع الذي يتلقّاه. skip render: ucaddon_material_block_quote نتنياهو في الجهة الأخرى تزداد دلالة القضية عند وضعها في سياق الخطاب الإسرائيلي تجاه الإسلام السياسي. فقد قدّم بنيامين نتنياهو، في تصريحات تناولت الإخوان المسلمين، الجماعة ضمن خطاب أوسع عن مواجهة ما يصفه بالتطرف الإسلامي، وتحدّث عن تشكيل محور من الدول المعارضة لما سمّاه محاور الإسلام المتطرف. لكن التشابه بين خطاب سياسي إسرائيلي وحملة رقمية موجّهة لا يكفي وحده لإثبات وجود تنسيق أو علاقة مباشرة بينهما. هنا تحديداً يجب أن نكون دقيقين؛ لا نحتاج إلى اختراع مؤامرة جديدة كي ننتقد التضليل، ولا إلى إثبات تحالف خفي كي نكشف خطورة توظيف التكنولوجيا في تشويه الخصوم. السؤال الأهم هو: من يستفيد عندما يتحوّل النقاش بشأن الحركات الإسلامية إلى معركة تُدار بالحسابات المزيّفة، بدلاً من أن تُحسم بالوقائع والمواقف والمحاسبة؟ إن تحويل الخصومة السياسية إلى حملة تضليل لا يخدم الحقيقة، مهما كان المستهدف ومهما كانت أخطاؤه. إن الدفاع عن قواعد النقاش العام ليس دفاعاً عن كل من يتعرّض للهجوم، بل دفاع عن حق المجتمع في معرفة ما هو حقيقي وما هو مصنوع. «إذا خاصم فجر» يستحضر هذا المشهد الحديث النبوي الشريف: «وإذا خاصم فجر». فالفجور في الخصومة ليس مجرد شتيمة أو مبالغة، بل سقوط أخلاقي يجعل الانتصار أهم من الحقيقة، ويحوّل الخصم إلى هدف تُباح في سبيل تشويهه كل الوسائل. المفارقة أن من استعان بالذكاء الاصطناعي لتوسيع حملته لم ينجح في إخفاء آثارها عن الشركة المطوّرة للأداة. لقد تطوّرت التكنولوجيا بما يكفي لإنتاج محتوى مقنع وتنسيق أنشطة واسعة، لكنها لا تمنح مستخدمها حصانة من انكشاف التلاعب. لقد استعان صاحب الحملة بالذكاء الاصطناعي، لكن الذكاء الطبيعي لم يسعفه في إخفاء ما فعل. المعركة المقبلة على الحقيقة المشكلة لا تتعلّق بحزب سياسي أو ديني بعينه، ولا بهذه الحملة وحدها. اليوم قد تكون الجماعة هدفاً، وغداً قد يكون حزباً أو تياراً أو دولة أو صحافياً أو مؤسسة إعلامية. وإذا أصبح ممكناً تصنيع رأي عام وهمي بكلفة محدودة، فإن الخطر يتجاوز تشويه السمعة إلى تقويض الثقة بالانتخابات والإعلام والنقاش الديمقراطي نفسه. لهذا، فإن الموقف الصحيح أن نرفض تحويل التكنولوجيا إلى مصنع للكذب، وأن نطالب بالأدلة والمساءلة والشفافية، أياً تكن هوية المستهدف. فالخصم الذي يستحق النقد لا يحتاج إلى مئات الحسابات الوهمية لإظهار عيوبه، والحجة القوية لا تحتاج إلى جمهور مزيّف كي تنتصر. أما من يزوّر الرأي العام ليهزم خصمه، فقد يربح جولة في ضجيج المنصات، لكنه يخسر المعركة الأهم: معركة المصداقية.