من انسحاب شركات دفاعية إلى إعادة تموضع القيادات السنية، كيف تتحول التباينات السعودية–الإماراتية إلى عاملٍ صامت في معادلات الانتخابات النيابية اللبنانية المقبلة؟ لم يعد الخليج كتلةً سياسيةً صلبة كما جرى تقديمه طوال العقدين الماضيين. فالتباينات بين الرياض وأبوظبي، التي بدأت همسًا في ملفات الطاقة وحصص النفط، أخذت تتمدد تدريجيًا نحو ساحات أكثر حساسية: الجيوسياسة، الأمن، التجارة، وحتى الصناعات الدفاعية. ولم يكن انسحاب شركات إماراتية من معرض عسكري بارز في السعودية حدثًا اقتصاديًا عابرًا بقدر ما شكّل إشارةً سياسيةً مضمرة إلى مرحلة يعاد فيها ترتيب النفوذ داخل المنظومة الخليجية.ورغم الغياب المتعمّد للتصريحات الرسمية، فإن تراكم المؤشرات يوحي بأن المصالح الوطنية باتت تتقدّم على منطق التحالف التقليدي. وفي الشرق الأوسط، نادرًا ما تبقى التحولات الكبرى محصورة داخل جغرافيتها؛ إذ سرعان ما تتحول إلى موجات ارتدادية تضرب الساحات الأكثر هشاشة — ولبنان في مقدمتها. الجيوسياسة تتسلل إلى الماللطالما شكّل الترابط الاقتصادي بين السعودية والإمارات، الذي تتجاوز قيمته 30 مليار دولار سنويًا، صمّام أمان للاستثمارات والتجارة العابرة للحدود. لكن حين تدخل السياسة إلى مجال الأعمال، يتحول الاستقرار إلى حذر، وتصبح قرارات رأس المال محكومة بحسابات المخاطر لا بعوائد الأرباح فقط.بالنسبة للبنان، المسألة أبعد من أرقام في دفاتر الاقتصاد. بلدٌ يقوم جزء كبير من توازنه المالي على التحويلات والاستثمارات الخليجية لا يستطيع تجاهل ارتعاش المزاج الاقتصادي في تلك العواصم. وعندما يتردد رأس المال، تتحول الحملات الانتخابية إلى رهينة الخارج، ويغدو التمويل عنصرًا خفيًا في رسم التحالفات وصناعة اللوائح. قد يضع اللبناني صوته في الصندوق… بينما تكون المعادلة قد وُضعت سلفًا خارجه سعد الحريري بين عاصمتين إقامة سعد الحريري في أبوظبي، بعد سنوات ارتبط فيها اسمه بالمظلة السعودية، ليست تفصيلًا شخصيًا ولا مجرد خيارٍ معيشي. إنها، في السياسة، مؤشر جغرافي على تحوّل أعمق في خرائط الرعاية الإقليمية للقيادات اللبنانية. فالزعيم الذي اعتُبر طويلًا امتدادًا للنفوذ السعودي يجد نفسه اليوم ضمن فضاء إماراتي أكثر براغماتية وأقل أيديولوجية. وهذا الانتقال، حتى وإن لم يُعلن، يفتح الباب أمام إعادة تعريف موقعه السياسي وحدود حركته الانتخابية. في لبنان، حيث تتشابك السياسة بالتمويل وتُقرأ الجغرافيا بوصفها موقفًا، قد يعني انتقال مركز الثقل لزعيم سني بارز أكثر من مجرد تغيير عنوان؛ قد يعني تبدلًا في طبيعة الدعم، وفي شبكة العلاقات، وربما في شكل التوازنات التي تسبق أي استحقاق نيابي. الانتخابات مرآة للتصدعات لم تكن الانتخابات اللبنانية يومًا منافسة داخلية خالصة، بل مرآة دقيقة لموازين القوى الإقليمية. ومع اتساع المسافة — ولو النسبيّة — بين الرياض وأبوظبي، قد يجد لبنان نفسه أمام مشهد غير مألوف: دعم غير متطابق، رسائل سياسية متعددة الاتجاهات، وربما منافسة ناعمة على النفوذ داخل البيئة السنية. هذا التعدد في الرعايات قد يفتح المجال أمام قوى جديدة لإعادة التموضع، أو يدفع شخصيات تقليدية إلى رفع منسوب استقلاليتها الخطابية، في محاولة لاستثمار الشروخ الخليجية بدل الارتهان لمحور واحد. ذاكرة الحصار لا يزال حصار قطر عام 2017 حاضرًا في ذاكرة الأسواق. يومها، اضطرت شركات وبنوك إلى الاصطفاف، لا وفق مصالحها الاقتصادية، بل تبعًا لخرائط الانقسام السياسي. واليوم، ومع تصاعد التباين بين أكبر اقتصادين خليجيين، تعود المخاوف — ولو بدرجة أقل حدّة — من سيناريوهات مشابهة. بالنسبة للبنان، أي اضطراب في شبكة العلاقات الخليجية لا يبقى خارج حدوده. فهو ينعكس مباشرة على القدرة التمويلية للأحزاب، وعلى حجم الإنفاق الانتخابي، وعلى التوازنات التي ستتشكل داخل البرلمان المقبل. المفارقة أن هذه التحولات تأتي فيما يقف لبنان أصلًا على أرض رخوة: أزمة اقتصادية خانقة، شلل سياسي مزمن، ومؤسسات تكافح للبقاء. في مثل هذا الواقع، يصبح البلد أكثر قابلية للتأثر بأي ريح إقليمية. نهاية الراعي الواحد؟مع تراجع فكرة “الراعي الخليجي الواحد”، قد يدخل لبنان مرحلة تعدد المراكز المؤثرة، حيث لا صوت إقليميًا واحدًا بل عدة أصوات، ولا رؤية واحدة للاستقرار بل مقاربات متنافسة له.هذا الواقع قد يفرض على القوى اللبنانية إعادة كتابة خطابها الانتخابي، ليس فقط على إيقاع الانقسامات الداخلية، بل أيضًا وفق خريطة خليجية يعاد رسمها بهدوء. لا يمكن فصل المشهد الانتخابي اللبناني عن التحولات الجارية في الخليج. فالتباين السعودي–الإماراتي، حتى لو بقي ضمن سقف المنافسة الاستراتيجية، يمتلك القدرة على إعادة ترتيب أولويات التمويل، وتعديل مسارات التحالفات، وتبديل نبرة الرسائل السياسية.قد تبدو إقامة سعد الحريري في أبوظبي تفصيلًا جغرافيًا عابرًا، لكنها قد تتحول، في القراءة الأعمق، إلى عنوان لمرحلة تتشظى فيها مراكز النفوذ وتتعدد فيها الرعايات. أخطر ما في التحولات الإقليمية ليس ضجيجها، بل قدرتها على التسلل بهدوء عندما تُفتح صناديق الاقتراع في بيروت، قد يكتشف الناخبون أن جزءًا من نتائجهم لم يُصنع في الأزقة الانتخابية ولا في المناظرات المحلية، بل كُتب بهدوء خارج الحدود — بين عاصمتين خليجيتين لا تعيدان فقط رسم خرائط القوة في المنطقة، بل قد تعيدان، من حيث لا يبدو، تشكيل التوازن السياسي في لبنان نفسه.