skip render: ucaddon_box_testimonial المفاجأة ليست في عدد القنابل وحده، بل إنّ أكثر الأسئلة قسوةً بشأنها لا تأتي من عاصمة عربية، بل من داخل الولايات المتحدة نفسها. هنا تصبح المسألة أكثر إحراجًا: لماذا يستطيع إعلامي أميركي مثل تاكر كارلسون أن يضع الإدارة الأميركية أمام أسئلة صادمة بشأن حجم التسليح المقدَّم لإسرائيل، بينما يعجز كثير من الخطاب العربي الرسمي عن تجاوز عبارات من نوع «نستنكر»، و«نعرب عن القلق»، و«ندعو إلى ضبط النفس»؟ قد يختلف المرء جذريًا مع كارلسون في مواقفه السياسية، وقد يرفض بعض مقارناته أو استنتاجاته، لكن لا يمكن تجاهل أهمية السؤال الذي طرحه: ماذا يعني أن تستعد الولايات المتحدة لإرسال 40 ألف قنبلة ثقيلة إلى إسرائيل، ضمن حزمة تبلغ قيمتها نحو 2.8 مليار دولار؟ الحزمة، التي لم تصبح نهائية بعد، تشمل 20 ألف قنبلة من طراز MK-84 و20 ألفًا من طراز BLU-117، إضافة إلى ذخائر أخرى. وكل قنبلة من هذه الفئة تزن نحو 907 كيلوغرامات. نحن أمام كمية هائلة من الذخائر المصمَّمة لإحداث دمار واسع، لا أمام شحنة ذخيرة عادية يمكن دفنها في هامش خبر عسكري. وهنا لا يعود السؤال: ماذا ستفعل إسرائيل بهذه القنابل؟ بل: لماذا تُرسل إليها أصلًا؟ سبق أن أثارت القنابل الثقيلة من هذا النوع مخاوف أميركية بسبب احتمال استخدامها في مناطق مكتظة بالسكان. وكانت إدارة جو بايدن قد علّقت، في عام 2024، شحنة من قنابل MK-84، قبل أن تعود إدارة ترامب إلى رفع التعليق. واليوم يجري الحديث عن عشرات الآلاف من القنابل الإضافية، في وقت لا تزال فيه آثار الحرب والدمار الإنساني في غزة ماثلة أمام العالم. لكن الأشد دلالةً أن واشنطن لا تتعامل مع هذه العملية باعتبارها مجرد تجارة أسلحة بين دولتين. فجزء أساسي من التمويل يأتي عبر برنامج التمويل العسكري الخارجي الأميركي، أي إنّ أموالًا أميركية تُستخدم لمساعدة إسرائيل على شراء الأسلحة الأميركية. بعبارة أبسط: السلاح أميركي، والمال أميركي، والقرار سياسي أميركي… أما الضحايا فليسوا أميركيين. هنا يصبح الصمت العربي أكثر إيلامًا. أين المسؤول العربي الذي يقول بوضوح إن إرسال عشرات آلاف القنابل الثقيلة إلى إسرائيل ليس تفصيلًا تقنيًا في ميزانية الدفاع الأميركية؟ أين المسؤول الذي يسأل عن مصير هذه الذخائر، وعن القانون الدولي، وعن المدنيين الذين سيدفعون ثمنها؟ لماذا نسمع في العواصم الغربية نقاشًا مفتوحًا حول جدوى هذا الدعم، بينما لا يزال الخطاب العربي الرسمي أسير اللغة الدبلوماسية التي تقتل المعنى قبل أن يصل إلى المتلقي؟ ليست المشكلة أن العرب لا يعرفون ما يحدث. هم يعرفون. وليست المشكلة أن الأرقام غير متاحة. هي منشورة. وليست المشكلة أن الصور لا تصل. لقد وصلت حتى إلى أكثر البيوت بُعدًا عن المنطقة. المشكلة أن الحقيقة أصبحت معروفة أكثر مما ينبغي، لكن قولها رسميًا أصبح أصعب مما ينبغي. ولا يتعلق الأمر بتاكر كارلسون تحديدًا. القضية أكبر من شخص أو برنامج أو توجّه سياسي. القضية أن الأسئلة التي يُفترض أن تكون في صدارة الخطاب العربي باتت تُطرح أحيانًا من داخل الولايات المتحدة نفسها: عن حجم المساعدات، وعن الأسلحة، وعن كلفتها، وعن مسؤولية مَن يرسلها. لا يحتاج العرب إلى استعارة مواقف كارلسون، ولا إلى تبنّي خطابه السياسي. يحتاجون فقط إلى امتلاك صوتهم. فإذا كانت 40 ألف قنبلة تستطيع عبور المحيطات إلى إسرائيل، فلماذا لا تستطيع كلمة عربية واحدة أن تعبر حدود الخوف؟ أربعون ألف قنبلة قد تكون في طريقها إلى المنطقة… لكن ما ينقص العالم العربي ليس القنابل، بل الشجاعة على تسمية ما يحدث باسمه.
لم يعد الشرق الأوسط الجديد مشروعاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات أو يُستدعى في لحظات التسويات السياسية، بل يبدو أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة إعادة تشكيل لنظامها الإقليمي، ولكن وفق قواعد مختلفة جذرياً عن تلك التي حكمت التصورات التي ظهرت في أعقاب حرب الخليج ومؤتمر مدريد عام 1991. فمعاهدة الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، مع احتمال انضمام دول أخرى إليها، ولا سيما مصر، لا تبدو مجرد ترتيب أمني لمواجهة تهديد محدد، وإنما يمكن قراءتها بوصفها نواة محتملة لنظام إقليمي أوسع، تتداخل فيه اعتبارات الأمن مع الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والبنية التحتية والتجارة والممرات البرية والبحرية. الأهمية الاستراتيجية لهذه المعادلة لا تكمن فقط في حجم القوى العسكرية التي يمكن أن تتجمع داخلها، بل في نوعية التكامل الذي يمكن أن تنتجه. فالسعودية تمتلك القدرة المالية والطاقة ومشروعات البنية التحتية والتكنولوجيا والاستثمار، وتركيا تمتلك قاعدة صناعية وعسكرية متقدمة وموقعاً جغرافياً يصل الشرق بالغرب، فيما تضيف باكستان كتلة بشرية وعسكرية كبيرة، فضلاً عن امتلاكها قوة نووية. وإذا استطاعت هذه الدول تحويل هذه العناصر إلى مصالح مترابطة وسياسات مشتركة، فإننا لا نكون أمام تحالف دفاعي تقليدي، بل أمام محاولة لبناء مركز ثقل إقليمي قادر على إنتاج قدر من الاستقلال الاستراتيجي. فالشرق الأوسط الجديد الذي روّج له شيمعون بيريز في تسعينات القرن الماضي كان قائماً على تصور مختلف تماماً؛ إسرائيل في قلب المنظومة، ورأس المال الخليجي في تمويلها، والقوة البشرية المصرية في تشغيلها، مع تحويل التسوية العربية–الإسرائيلية إلى بوابة لاندماج اقتصادي وتكنولوجي إقليمي تكون إسرائيل أحد محركاته الأساسية. أما المسار الذي يتبلور اليوم، فيبدو وكأنه يعيد صياغة الفكرة نفسها ولكن بعد حذف العنصر الذي كان يفترض أن يكون مركزها: إسرائيل. skip render: ucaddon_material_block_quote من التسوية إلى التوازنات الفارق بين المشروعين ليس في الأدوات فقط، بل في فلسفة النظام الإقليمي ذاته. مشروع التسعينات كان يفترض أن يؤدي السلام العربي–الإسرائيلي إلى إعادة توزيع الأدوار الاقتصادية والسياسية، بحيث تتحول إسرائيل من دولة محاطة بالصراعات إلى مركز إقليمي للتكنولوجيا والاستثمار والاتصالات والبنية التحتية. أما اليوم، فإن إعادة بناء النظام الإقليمي تبدو أكثر ارتباطاً بموازين القوة المباشرة، وبالحاجة إلى ملء الفراغ الذي خلفه تراجع أدوار إقليمية كانت مهيمنة خلال العقدين الماضيين. وهذا التحول يفسر جانباً مهماً من القلق الإسرائيلي. فقد كانت إسرائيل تنظر إلى انحسار النفوذ الإيراني في المشرق باعتباره فرصة استراتيجية لتوسيع هامش حركتها وترسيخ تفوقها الإقليمي. غير أن المشكلة ظهرت عندما بدأ الفراغ الناتج عن تراجع إيران يجذب قوى أخرى، وفي مقدمتها تركيا والسعودية، بدلاً من أن يتحول تلقائياً إلى مجال نفوذ إسرائيلي. فأن تواجه إسرائيل إيران وحدها شيء، وأن تجد نفسها أمام بيئة إقليمية تتنامى فيها قدرات تركيا والسعودية وترتبط بقوة نووية مثل باكستان شيء مختلف تماماً. وفي الحالة الثانية، يصبح التفوق العسكري الإسرائيلي جزءاً من معادلة أوسع، لا العامل الوحيد القادر على تحديد اتجاهاتها. ثلاث دول ومصالح متكاملة قوة هذا الترتيب المحتمل لا تأتي من تشابه الدول الثلاث، بل من اختلاف عناصر القوة لديها. السعودية ليست تركيا، وتركيا ليست باكستان، وهذا تحديداً ما يمكن أن يجعل التكتل أكثر أهمية إذا تحولت الاختلافات إلى تكامل. السعودية تمتلك رأس المال والطاقة والقدرة على الاستثمار طويل الأمد في قطاعات تتجاوز النفط، من المدن الذكية والبنية الرقمية إلى الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة. تركيا تمتلك قاعدة صناعية متنوعة، وقدرات دفاعية متنامية، وخبرة في الصناعات الجوية والمسيرات والصواريخ والسفن والأنظمة الإلكترونية، إلى جانب موقعها الذي يمنحها قيمة جيوسياسية تتجاوز حدود الشرق الأوسط التقليدية. أما باكستان، فتمنح التكتل عمقاً سكانياً وعسكرياً واستراتيجياً، وتضيف إلى المعادلة عاملاً لا تمتلكه معظم القوى الإقليمية الأخرى: الردع النووي. وبالتالي، فإن المسألة ليست في جمع ثلاثة أرقام عسكرية أو اقتصادية، وإنما في جمع ثلاث وظائف استراتيجية مختلفة داخل منظومة واحدة: التمويل السعودي، والتصنيع والتكنولوجيا التركية، والكتلة البشرية والردع الباكستاني. وإذا أضيفت مصر إلى هذه المعادلة، فإن التوازن سيأخذ بعداً آخر، لأن القاهرة تضيف ثقلاً سكانياً وعسكرياً وجغرافياً يربط الخليج بالبحر الأحمر والبحر المتوسط وشمال أفريقيا، ويمنح المشروع المحتمل امتداداً جغرافياً يصعب تجاهله في أي حسابات تتعلق بالممرات التجارية والأمن البحري. مشكلة أكبر من التحالف لهذا السبب، فإن القلق الإسرائيلي لا يتعلق فقط باحتمال قيام تحالف عسكري جديد، وإنما بما يمكن أن ينتجه هذا التحالف من إعادة توزيع لمراكز القرار الإقليمي. إسرائيل اعتادت خلال العقود الماضية أن تتعامل مع الشرق الأوسط باعتباره بيئة تتحرك فيها من موقع التفوق العسكري والتكنولوجي، بينما تعتمد في أمنها الاستراتيجي على المظلة الأميركية. لكن ظهور ترتيبات إقليمية تستطيع فيها دول عربية وإسلامية جمع المال والسلاح والتكنولوجيا والعمق البشري والردع الاستراتيجي، قد يحد من قدرة إسرائيل على فرض قواعد اللعبة منفردة. الأكثر حساسية بالنسبة إلى تل أبيب أن هذه المنظومة المحتملة لا تبدو مشروطة بالتطبيع معها. وهذا يضرب في مكان حساس التصور الإسرائيلي الذي ربط لفترة طويلة بين إعادة ترتيب الشرق الأوسط وبين دمج إسرائيل فيه اقتصادياً وأمنياً وسياسياً. فإذا أمكن بناء شبكة إقليمية للأمن والطاقة والتجارة والتكنولوجيا من دون أن تكون إسرائيل جزءاً منها، فإن السؤال لن يعود: كيف ندمج إسرائيل في الشرق الأوسط؟ بل: كيف تتعامل إسرائيل مع شرق أوسط يعيد بناء نفسه من دون أن ينتظر موافقتها؟ الفارق هائل بين أن تكون إسرائيل مركز النظام، وبين أن تصبح مجرد قوة داخله واشنطن وإعادة توزيع الأعباء لكن اختزال التطورات في أنها محاولة أميركية لتحجيم إسرائيل سيكون قراءة مبسطة. الولايات المتحدة لا تزال ترى في إسرائيل شريكاً استراتيجياً أساسياً، ولا توجد مؤشرات جدية على أنها مستعدة للتخلي عنها. إلا أن ذلك لا يعني أن واشنطن تريد استمرار اعتمادها الكامل على إسرائيل في إدارة أمن المنطقة. التحول الأميركي الأعمق يرتبط بإعادة تعريف الدور الأميركي نفسه. فالولايات المتحدة تواجه منافسة دولية متزايدة، خصوصاً مع الصين وروسيا، وتحتاج إلى تخفيض كلفة انتشارها العسكري والسياسي، وإلى قوى إقليمية تستطيع تحمل جزء أكبر من أعباء الأمن والاستقرار. ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى صعود السعودية وتركيا وباكستان باعتباره فرصة أميركية بقدر ما هو تحدٍ إسرائيلي. فالولايات المتحدة قد تكون أكثر ارتياحاً إلى شرق أوسط قادر على إنتاج توازناته الداخلية، بدلاً من أن تضطر واشنطن إلى التدخل في كل أزمة، واحتواء كل فراغ، وتسوية كل صراع. وهذا لا يعني أن أميركا ستترك المنطقة، وإنما أنها قد تنتقل تدريجياً من دور «الضامن الوحيد» إلى دور «مدير التوازنات». المعركة الحقيقية على الفراغ بعد تراجع النفوذ الإيراني في عدد من ساحات المشرق، لم يعد السؤال الأساسي هو من سيواجه إيران، بل من سيملأ الفراغ الذي تركه تراجعها. فالفراغ في الشرق الأوسط لا يبقى فراغاً؛ سرعان ما يتحول إلى مجال للتنافس بين القوى التي تمتلك القدرة على الاستثمار فيه.
في تحوّل سياسي وديبلوماسي بالغ الأهمية، أعلنت الولايات المتحدة وإيران التوصّل إلى اتفاق سلام أنهى نحو أربعة أشهر من المواجهة العسكرية التي هزّت الشرق الأوسط، ودفعت أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي إلى حافة اضطراب واسع. وهو اتفاق وُصف بأنه أحد أبرز الاختراقات السياسية في المنطقة منذ سنوات، ليس فقط لأنه أوقف الحرب، بل لأنه فتح الباب أمام إعادة ترتيب واسعة لموازين القوة والنفوذ. وجاء الإعلان تتويجاً لمسار تفاوضي شاق ومعقّد قادته باكستان، بمشاركة وسطاء إقليميين ودوليين، على أن تُستكمل مراسم التوقيع الرسمية خلال الأيام المقبلة في سويسرا، بما يمنح الاتفاق بعداً دولياً واضحاً ويضع الأطراف أمام اختبار الالتزام العلني بما تم التوصل إليه خلف أبواب المفاوضات. من الحرب إلى التفاهم لا يقتصر الاتفاق الجديد على وقف العمليات العسكرية بين واشنطن وطهران، بل يؤسس لمرحلة سياسية مختلفة، تتضمن وقفاً دائماً للأعمال القتالية على مختلف الجبهات المتصلة بالنزاع، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية، التي تحوّلت خلال الأشهر الماضية إلى إحدى أخطر نقاط الاحتكاك الإقليمي. وبحسب المعطيات الأولية، ستعيد إيران فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بصورة كاملة، مقابل إنهاء الولايات المتحدة الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، في خطوة يُتوقع أن تنعكس سريعاً على أسواق النفط وسلاسل الإمداد العالمية، وأن تخفف جزءاً من الضغوط التي راكمتها الحرب على الاقتصاد الدولي. كما يفتح الاتفاق الباب أمام جولة تفاوضية تمتد ستين يوماً حول البرنامج النووي الإيراني، الملف الذي ظل لعقود جوهر الصراع بين البلدين. وتراهن طهران على أن تقود هذه المرحلة إلى رفع العقوبات الاقتصادية والإفراج عن أموالها المجمدة في الخارج، في مقابل التزامات وضمانات تتصل بطبيعة برنامجها النووي ومستقبله وآليات الرقابة عليه. skip render: ucaddon_material_block_quote حسابات ترامب لم يُخفِ الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال الأشهر الماضية، رغبته في إنهاء المواجهة مع إيران، بعدما بدأت الحرب تُلقي بثقلها على الداخل الأميركي من خلال ارتفاع أسعار الوقود، وتزايد الانتقادات داخل قاعدته السياسية، وتصاعد المخاوف من الانجرار إلى حرب طويلة ومكلفة. وفي حديثه عن الاتفاق، شدد ترامب على أنه يتضمن تعهداً إيرانياً بعدم امتلاك أسلحة نووية، مؤكداً أن ملف المواد النووية والتفتيش الدولي سيُستكمل في مراحل لاحقة من التفاوض. كما أوضح أنه لا يرى أولوية لتغيير النظام في إيران، معتبراً أن القيادة الحالية أظهرت قدراً من البراغماتية يسمح بالتعامل معها، خلافاً لما واجهته الإدارات الأميركية السابقة من تصلّب في مراحل مختلفة. بهذا المعنى، يبدو أن واشنطن اختارت، في هذه اللحظة، منطق إدارة الخطر لا إسقاط النظام، والتسوية لا المواجهة المفتوحة، خصوصاً بعدما أثبتت الحرب أن كلفة التصعيد لا تطال إيران وحدها، بل تمتد إلى أسواق الطاقة وحركة التجارة العالمية ومصالح الحلفاء. لبنان يعقّد المشهد ورغم أجواء التفاؤل التي رافقت الإعلان، فإن الساعات التي سبقت الاتفاق شهدت توتراً حاداً بفعل التصعيد بين إسرائيل و«حزب الله» على الجبهة اللبنانية، ما أعاد التذكير بأن أي تفاهم أميركي ـ إيراني يبقى هشاً ما لم ينجح في ضبط الساحات الإقليمية المتصلة بالنزاع. فلبنان، الذي تحوّل خلال الأشهر الماضية إلى إحدى ساحات الضغط المتبادل، سيكون أحد الاختبارات الأولى لجدية الاتفاق. إذ لا يكفي وقف النار بين واشنطن وطهران إذا بقيت الجبهة اللبنانية مفتوحة على احتمالات الانفجار، أو إذا استُخدمت كورقة تفاوضية في مراحل لاحقة. وعلى الرغم من الإعلان الرسمي عن الاتفاق، لا تزال المعارضة الداخلية في أكثر من عاصمة تمثل تحدياً جدياً أمام تنفيذه. ففي إيران، يواجه وزير الخارجية عباس عراقجي انتقادات من التيار المحافظ والمتشدد، الذي يتهمه بتقديم تنازلات كبيرة للولايات المتحدة. كما حذرت شخصيات نافذة في المؤسسة الأمنية الإيرانية من أن استمرار الهجمات الإسرائيلية قد يدفع طهران إلى إعادة النظر في المسار التفاوضي برمته. أما في إسرائيل، فتتحدث تقارير عن تحفظات داخل الحكومة على بنود الاتفاق، وسط مخاوف من أن يؤدي رفع الضغوط عن إيران إلى تعزيز نفوذها الإقليمي مستقبلاً. في المقابل، يتعرض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لانتقادات متناقضة من خصومه وحلفائه، بين من يرى أن الاتفاق يمنح طهران فرصة لالتقاط أنفاسها، ومن يعتبر أن واشنطن باتت تقيّد حرية الحركة العسكرية الإسرائيلية، خصوصاً في لبنان. اختبار التنفيذ ورغم الاحتفاء الدولي بالاتفاق، فإن الطريق نحو سلام مستدام لا يزال محفوفاً بالتحديات. فنجاح التفاهم الجديد لن يُقاس بلحظة الإعلان عنه، بل بقدرة الأطراف على تحويل التعهدات السياسية إلى خطوات عملية، وبمدى قدرتها على منع الساحات الإقليمية، وفي مقدمتها لبنان، من التحول مجدداً إلى نقاط اشتعال تعرقل المسار الديبلوماسي. فالملفات المؤجلة أكثر تعقيداً من وقف النار نفسه: البرنامج النووي، العقوبات، مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة، أمن الملاحة في الخليج، ودور إسرائيل في المرحلة المقبلة. وكل واحد من هذه الملفات قادر، إذا أُسيء التعامل معه، على إعادة المنطقة إلى مربع التصعيد. وبينما تتجه الأنظار إلى مراسم التوقيع المرتقبة في سويسرا، يقف الشرق الأوسط أمام سؤال حاسم: هل يكون هذا الاتفاق بداية مرحلة جديدة من التهدئة وإعادة ترتيب المصالح، أم مجرد هدنة مؤقتة في صراع ظل لعقود أحد أكثر ملفات المنطقة تعقيداً وتأثيراً على النظام الدولي؟ الثابت حتى الآن أن أربعة أشهر من المواجهة لم تنتهِ فقط بوقف النار، بل فتحت الباب أمام خريطة سياسية جديدة. أما ما إذا كانت هذه الخريطة ستقود إلى استقرار طويل، أو إلى جولة أخرى من الصراع بأدوات مختلفة، فذلك سيتوقف على ما سيجري بعد التوقيع، لا على ما قيل عند إعلان الاتفاق.