في جغرافيا الصراعات الكبرى، غالبًا ما تُسدِّد الشعوب الصغيرة فواتير الإمبراطوريات البعيدة من لحمها الحيّ، وديموغرافيتها، وأرضها. ولبنان، هذا الكيان الصغير القائم على توازنات طائفية وسياسية هشّة، يجد نفسه اليوم أمام واحد من أخطر التهديدات الوجودية في تاريخه الحديث، وهو خطر «الترانسفير»؛ أي التهجير والنقل الجماعي للسكان. هذا التهديد الذي يلوّح به اليمين الإسرائيلي المتطرّف لا يمكن قراءته بمعزل عن الحسابات الإقليمية الكبرى، وتحديدًا الدور الإيراني الذي حوّل جنوب لبنان إلى ساحة متقدّمة لطموحاته الاستراتيجية عبر ذراعه العسكرية، «حزب الله»، ما منح إسرائيل الذريعة الذهبية لتنفيذ مخططات طالما تضمّنتها أدبياتها السياسية والعسكرية. إن المفارقة المذهلة، والصادمة في آنٍ معًا، هي أن التاريخ يعيد نفسه بطريقة شبه متطابقة؛ فالمأساة الديموغرافية والتهجير القسري اللذان يهدّدان جنوب لبنان اليوم بسبب السياسات الإيرانية ليسا سوى صدى لحدث تاريخي ضخم جرى على الأرض نفسها قبل أكثر من ألفين وثلاثمئة عام، وتحديدًا في زمن الفرس الأخمينيين وثورة مدينة صيدا، ما يثبت أن الجغرافيا اللبنانية لطالما كانت ضحية للمشاريع الفارسية، سواء أكانت بثوبها الإمبراطوري القديم أم بصيغتها الأيديولوجية المعاصرة. ثورة صيدا ضد الفرس للعودة إلى جذور المأساة التاريخية الأولى، يجب أن نسافر بالزمن إلى عام 351 قبل الميلاد، خلال العهد الفارسي الأخميني الذي بسط سيطرته على مدن الساحل الفينيقي، أرض كنعان. في ذلك الزمن، حظيت المدن الفينيقية بنوع من الحكم الذاتي، لأن الفرس كانوا في حاجة ماسّة إلى أساطيلها البحرية الجبّارة لخوض حروبهم الطاحنة ضد الإغريق. لكن الطموح الإمبراطوري الفارسي والتدخّل في أدق تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية دفعا مدينة صيدا، أو صيدون الفينيقية، التي كانت دُرّة التاج الفينيقي، إلى إعلان ثورة عظمى ضد الملك الفارسي «أرتحششتا الثالث». وكانت تلك الثورة صرخة في وجه الهيمنة الفارسية والاستغلال، لكن موازين القوى كانت غير متكافئة على الإطلاق. حشد الملك الفارسي جيشًا عَرَمْرَمًا وزحف نحو صيدا لسحق التمرّد وتأديب المدن الفينيقية الأخرى. وانتهت الثورة بكارثة إنسانية مرعبة، إذ أُحرقت المدينة بالكامل. وتشير الروايات التي وثّقها المؤرخون القدامى، مثل ديودوروس الصقلي، إلى أن الفرس قاموا بعملية «ترانسفير» تاريخية كبرى، إذ سَبَوْا عشرات الآلاف من سكان صيدا والقرى المحيطة بها، ونقلوهم أسرى ومُبعَدين إلى عمق الإمبراطورية الفارسية، في بابل وسوسة، عقابًا جماعيًّا يهدف إلى إفراغ المنطقة من عناصر التمرّد وإحلال واقع ديموغرافي وسياسي جديد يضمن الولاء التام للعرش الفارسي. skip render: ucaddon_material_block_quote هندسة مرتبطة بالفرس لم يتوقّف الأمر عند ذلك التاريخ، بل إن العهود الإسلامية الأولى، وتحديدًا في الفترتين الأموية والعباسية، شهدت عمليات هندسة ديموغرافية ونقل للسكان ارتبطت بالفرس أيضًا، إذ أمر الخليفة معاوية بن أبي سفيان بنقل أعداد كبيرة من المقاتلين الفرس وعائلاتهم وتوطينهم في المدن الساحلية اللبنانية، مثل صور وصيدا وبيروت وجبيل، لحمايتها، وهو ما عُرف تاريخيًّا بـ«ناقلة الفرس». وفي العهد العباسي، تكرّرت مأساة التهجير القسري عندما قمع العباسيون ثورة المنيطرة في جبل لبنان عام 759 ميلاديًّا، وقاموا بنقل أعداد كبيرة من السكان وتهجيرهم وتفريقهم في أقاليم داخلية، في خطوة استدعت احتجاجًا شهيرًا من إمام الشام الأوزاعي على الوالي العباسي، تنديدًا بتهجير الأبرياء. إسناد أم ورقة مفاوضات؟ اليوم، يتكرّر المشهد التاريخي ذاته، ولكن بأدوات معاصرة وأيديولوجيات مختلفة. فالجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومنذ أربعة عقود، عملت بصبر استراتيجي على بناء شبكة من الفصائل المسلحة في الشرق الأوسط، وكان «حزب الله» في لبنان الجوهرة في هذا التاج الإقليمي. ومن خلال الدعم المالي والعسكري والعقائدي غير المحدود، تحوّل الحزب من حركة مقاومة محلية إلى جيش إقليمي يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة، لكن قرار السلم والحرب لديه لم يعد قرارًا لبنانيًّا نابعًا من المصالح الوطنية العليا، بل أصبح قرارًا مرتبطًا، بشكل عضوي، بغرفة العمليات في طهران. هذا الارتباط تجلّى في أوضح صوره عندما اتخذت قيادة «حزب الله»، بإيعاز وتنسيق كامل مع إيران، قرارًا منفردًا بفتح جبهة جنوب لبنان تحت مسمى «حرب الإسناد»، غداة أحداث السابع من أكتوبر. وكان الهدف الإيراني المعلن تخفيف الضغط عن قطاع غزة وتثبيت معادلة «وحدة الساحات»، لكن الحسابات الحقيقية كانت تهدف إلى استخدام الساحة اللبنانية ورقةَ ضغط استراتيجية لتحسين شروط التفاوض الإيراني مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وحماية النظام في طهران من أي استهداف مباشر. فلبنان، الذي يمرّ بأسوأ أزمة اقتصادية ومالية وسياسية في تاريخه الحديث، في ظل مؤسسات دولة مشلولة وجيش مقيّد بإمكانات محدودة، لم يكن يمتلك المقومات التي تؤهله لتحمّل تبعات حرب استنزاف طويلة ومدمّرة ضد قوة عسكرية عاتية مدعومة، بشكل مطلق وبلا حدود، من الولايات المتحدة الأميركية والغرب. إن الإصرار الإيراني على المضي قدمًا في هذه الحرب غير المتكافئة، وتجاهل كل التحذيرات الدولية والداخلية اللبنانية، أدّيا إلى النتيجة الكارثية التي نشهدها اليوم: تدمير ممنهج لقرى وبلدات حدودية في جنوب لبنان، وتحويل مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية إلى أراضٍ محروقة وغير قابلة للحياة، وتهجير مئات الآلاف من السكان من بيوتهم وقراهم، ليصبحوا نازحين في وطنهم أو مشرّدين يبحثون عن أمان مفقود. إيران أرادت الجنوب ورقة قوة، وإسرائيل قد تحاول تحويله إلى أرض بلا شعب أرض بلا شعب؟ هذا الواقع المأساوي الذي تسبّبت فيه السياسة الإيرانية وحروب «حزب الله» غير المتكافئة فتح الباب على مصراعيه أمام اليمين الإسرائيلي المتطرّف لتنفيذ مخطط قديم ـ جديد، طالما كان حلمًا في العقيدة الصهيونية، وهو مخطط «الترانسفير» أو التهجير الجماعي الدائم لسكان جنوب لبنان. ولفهم أبعاد هذا التهديد المرعب وخلفياته، يجب الغوص في الفكر السياسي والعسكري للصهيونية، حيث يُعتبر مفهوم «الترانسفير» ركنًا أساسيًّا من أركان الفلسفة الصهيونية منذ نشأتها. فالتيار الصهيوني التنقيحي، الذي يمثّله اليمين الحاكم في إسرائيل اليوم بزعامة بنيامين نتنياهو وتحالفه مع قادة الاستيطان المتطرّفين، مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، يقوم على عقيدة «أرض بلا شعب» والسيادة اليهودية المطلقة. وفي هذا الفكر، لا يقتصر مفهوم «أرض إسرائيل» على فلسطين التاريخية فحسب، بل يمتد في الأدبيات الصهيونية القديمة ليشمل أجزاء من الدول المجاورة، وتحديدًا جنوب لبنان حتى نهر الليطاني، الذي كان يُنظر إليه، منذ عهد ديفيد بن غوريون والمنظمات الصهيونية الأولى قبل عام 1948، باعتباره حدًّا مائيًّا وجغرافيًّا طبيعيًّا واقتصاديًّا بالغ الأهمية للاستيطان وتأمين العمق الاستراتيجي. إن الفكر الصهيوني يرى في وجود تجمّع سكاني عربي كبير ومقاوم على حدوده الشمالية عائقًا ديموغرافيًّا وأمنيًّا يجب التخلّص منه، و«الترانسفير» هو الأداة التاريخية التي طُبّقت في نكبة 1948 ونكسة 1967، ويُعاد تدويرها اليوم كاستراتيجية عسكرية معلنة تحت ذريعة حماية الأمن القومي الإسرائيلي وإعادة مستوطني الشمال إلى بيوتهم. استراتيجيتان تتحرّك إسرائيل اليوم لتطبيق «الترانسفير» في جنوب لبنان عبر استراتيجيتين متكاملتين. الأولى هي الاستراتيجية العسكرية الميدانية القائمة على تدمير البنية التحتية والمقومات الحياتية للقرى والبلدات الحدودية بالكامل. إن نسف أحياء كاملة، واستهداف المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء، وإحراق الحقول الزراعية بالفوسفور الأبيض، ليس مجرد تكتيك عسكري لملاحقة مقاتلي «حزب الله»، بل هو سياسة تتعمّد فرض واقع «التهجير القسري
ليس النقاش اليوم مع شعبٍ أو قوميةٍ أو تاريخٍ بعينه، بل مع مشروعٍ سياسيٍّ توسّعيٍّ استخدم النفوذ والأذرع والميليشيات لزعزعة استقرار أكثر من بلد عربي. فالمشكلة ليست في الهويات، ولا في الأمم، ولا في الشعوب التي تتكوّن منها المنطقة، بل في السياسات التي تُبنى على التدخل، وتغذية الانقسامات، واستثمار الفوضى لمراكمة النفوذ. لقد أثبتت تجارب السنوات الماضية أنّ أيّ مشروع خارجي يدخل إلى الدول العربية تحت عناوين الحماية أو الدعم أو المساندة، ثم يتحوّل إلى وصاية على القرار الوطني، إنما يترك وراءه مؤسساتٍ أضعف، ومجتمعاتٍ أكثر انقسامًا، ودولًا أكثر هشاشة. وما شهدته دول مثل لبنان وسوريا والعراق واليمن يقدّم أمثلةً واضحة على كلفة التدخلات الإقليمية حين تتقدّم المصالح الاستراتيجية على سيادة الدول واستقرار شعوبها. ماذا قالت الأمم عن الفرس ( Persian ) في أمثالها: مثل أرمني: الفارسي إذا لم يمكنه قتل أحد قتل أباه. مثل فرنسي: الفارسيون مروا من هنا، فكل شيء خراب. مثل صربي: كل البشر يعملون في بناء الأرض وعمارتها إلا الفرس فإنهم يهدمون . مثل أوكراني : الدجاجة ليست من الطيور، والفرس ليسوا من البشر . مثل عربي : من الممكن أن يتعلم الجمل الطيران ، وليس ممكنا أن يتعلم الفارسي محبة الآخرين . مثل بلغاري : حيث تدعس قدمُ فارسيٍّ ، لا ينبتُ عشبٌ أخضر جميل. مثل روماني : إذا باض الديك أصبح الفارسي إنساناً . مثل آشوري : للشيطان وجوه عديدة ، أحدها وجه فارسي . مثل يوناني : إذا تحدث الفارسي عن السلام فاعلم أن الحرب قادمة . وهذا وصفهم كما جاء في رسالة للمقداد رضي الله عنه رداً على كتاب أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه الذي طلب فيه من المقداد إخباره عن الفرس ومن هم، فقال المقداد : إنهم علوج عجاف، ونعاج ضعاف، سيدهم القوي وعبدهم الضعيف، يلبسون الخيانة، وينزعون الأمانة، تنقصهم الأخلاق والمروءة، وتلهو بهم الأهواء، وتسوسهم النساء لا عهد لهم ولا ذمة ولا وفاء، أهل غدر ومكر ودهاء، لا تعرف رأسهم من الذنب، إذا شددت عليهم أرخوا لك، وإذا أرخيت لهم شدوا عليك أولئك الفرس.. فكيف بمن هو ذيل للفرس؟ ما حلت إيران الفارسية في بلد عربي الا ودمرته! وخير شاهد على هذا الكلام ما يحدث في لبنان و سوريا و العراق واليمن… صدق الفاروق عمر بن الخطاب حين قال: “ليت بيننا وبين فارس جبلاً من نار لا ينفذون إلينا ولا ننفذ اليهم .”