skip render: ucaddon_box_testimonial ففي الوقت الذي تتحوّل فيه المآسي الإنسانية إلى مشاهد مألوفة، تثير اضطرابات الأسواق ومصالح رأس المال استنفارًا سياسيًا واقتصاديًا واسعًا. هنا تتجاوز المسألة حدود إدارة الأزمات إلى سؤال أكثر خطورة: هل أصبح النظام القائم عاجزًا عن معالجة الكوارث التي يُسهم في إنتاجها؟ في عالم تتراجع فيه الثقة بالمؤسسات، وتتّسع فيه الفجوات الاجتماعية، وتتصادم فيه المصالح الاقتصادية مع الضرورات البيئية، لم تعد الفوضى مجرد مرحلة عابرة تسبق الاستقرار، بل غدت احتمالًا دائمًا يحكم السياسة والاقتصاد والمجتمع. وبينما يرى البعض في الأزمات فرصة لإعادة بناء العالم، يلوح خطر آخر: أن تتحوّل الفوضى من مدخل للتغيير إلى قوة تدميرية تهدّد البشرية نفسها. أكثر من موت البشر في الشرق الأوسط، تكشف الحروب والأزمات، من اليمن إلى الهجمات على منشآت أرامكو، تفاوتًا صارخًا في سلّم الأولويات العالمي. يمكن التعامل مع الكوارث الإنسانية باعتبارها جزءًا من المشهد المعتاد، بينما يُنظر إلى اضطراب الأسواق والمصالح المالية بوصفه تهديدًا استثنائيًا لقواعد اللعبة. ليست المسألة مجرد ازدواجية أخلاقية، بل انعكاس لنظام يمنح رأس المال قدرة هائلة على تحديد ما يستحق الاستنفار وما يمكن تأجيله. ويمتدّ هذا الخلل إلى الأزمة البيئية، حين تُختزل مواجهة الاحتباس الحراري في سلوك المستهلك الفردي، بينما تُهمّش مسؤولية البُنى الصناعية والاقتصادية الكبرى. فإعادة التدوير مهمة، لكن لا يمكنها وحدها معالجة نظام إنتاج يستهلك الموارد ويضاعف التلوث، ثم يطلب من الأفراد تحمّل مسؤولية إنقاذ الكوكب. من كردستان إلى تشيلي على الرغم من قتامة المشهد، لا تزال تجارب المقاومة الاجتماعية والسياسية تفتح نوافذ للتغيير. ففي روج آفا، تبرز محاولات بناء مجتمع أكثر علمانية ومساواة، فيما تكشف التحوّلات في بوليفيا واحتجاجات تشيلي أن الصراع الاجتماعي لم يفقد قدرته على إعادة رسم المستقبل. غير أن التغيير لا يتحقّق بمجرد استبدال الحكّام أو تعديل بعض القوانين. إنه يحتاج إلى ابتكار مفاهيم سياسية جديدة تجعل الكرامة والعدالة والتضامن قيمًا حاكمة، لا شعارات انتخابية. فإعادة توزيع الثروة، على أهميتها، تظلّ محدودة الأثر إذا لم تقترن بمراجعة الأسس الاقتصادية التي تُنتج التفاوت وتعيد تكريسه. الديمقراطية لا تُقاس بصناديق الاقتراع وحدها، بل بقدرتها على منح الناس حياة كريمة وشعورًا حقيقيًا بالشراكة في تقرير مصيرهم. أسانج وكوربين تطرح قضية جوليان أسانج سؤالًا يتجاوز القضاء إلى حرية الصحافة وحدود كشف أسرار السلطة: ما قيمة حرية التعبير إذا أصبحت مُكلفة إلى درجة قد تدمّر حياة من يمارسها؟ إن محاكمة الصحفيين وملاحقة كاشفي المعلومات تضعان الديمقراطيات الغربية أمام اختبار حقيقي، حيث تتصادم المبادئ المعلنة مع مصالح الدول وأجهزتها. وفي بريطانيا، تكشف خسارة جيريمي كوربين الانتخابية وأزمة اليسار صعوبة بناء مشروع سياسي بديل في مواجهة خصوم يمتلكون أدوات التأثير الإعلامي والاقتصادي، فضلًا عن الانقسامات الداخلية والجدل حول بريكست والاتهامات المرتبطة بمعاداة السامية. أما صعود دونالد ترامب، فلا يمكن اختزاله في شخصية سياسية مثيرة للجدل؛ إنه تعبير عن غضب اجتماعي وثقافي لم تختفِ جذوره بخسارته الانتخابات. أمام الأوبئة والأزمات الاقتصادية والبيئية، لم يعد ممكنًا التعويل على العودة إلى عالم ما قبل الكوارث وكأن شيئًا لم يحدث. المطلوب تدخّل فاعل للدولة، وإخضاع آليات السوق لحاجات المجتمع، وبناء سياسات تجعل حماية الإنسان أولوية تتقدّم على الأرباح والمصالح الضيّقة. إن شجاعة اليأس لا تعني الاستسلام، بل الاعتراف بأن الأدوات القديمة لم تعد كافية، وأن إنقاذ البشرية يتطلّب تغييرًا يتجاوز الترقيع المؤقت. فالسؤال ليس ما إذا كان العالم يعيش الفوضى، بل ما إذا كان يمتلك الشجاعة السياسية والأخلاقية لتحويلها إلى بداية جديدة، قبل أن تصبح الكارثة أكبر من قدرة الإنسان على إصلاحها.