بعد أشهر من الشدّ والجذب داخل البلدية، حُسم الصراع إداريًا، قائد شرطة بلدية صيدا خارج دائرة القرار، وصلاحياته تنتقل إلى أمين السر تحت إشراف مباشر من العضو وائل قصب المكلّف بملف إزالة المخالفات. انتهت مرحلة المساكنة المتوترة بين رئيس البلدية مصطفى حجازي وقائد شرطتها بدر القوّام. فبعد سلسلة طويلة من الخلافات والمماحكات، بعضها بقي خلف الأبواب وبعضها خرج إلى العلن، حسم حجازي المواجهة بقرار إداري قد لا ينتظر موافقة من المجلس. القرار يفتح فصلًا جديدًا داخل البلدية، التي تعيش أصلًا أزمة داخلية مركبة تتداخل فيها الخلافات على الصلاحيات والإدارة وآليات اتخاذ القرار. وبينما يرى فريق أن الخطوة قد تزيد التوتر داخل البلدية وتعمّق الانقسامات القائمة، يعتبر مطّلعون أن إبعاد القوّام قد يكون المدخل الضروري لإعادة ضبط جهاز الشرطة البلدية بعد مرحلة طويلة من الترهل والتراخي وتراجع الفاعلية.
يبدو أن بلدية صيدا قرّرت أن تجعل من كل تفصيل يومي مناسبة جديدة لإحراج نفسها والمدينة معًا، في سلسلة من الممارسات التي بات من الصعب وصفها بالعثرات العابرة، بعدما تحوّلت إلى نمط متكرر من الرعونة وسوء الإدارة. آخر فصول هذه الملهاة، فاتورة غداء لوفد من «الضيوف» زار المدينة مؤخرًا، بعدما كانت البلدية قد تكفّلت بالدعوة، ثم قرّرت لاحقًا أن تتنصّل من الدفع بحجج واهية، تاركةً صاحب المطعم يلاحق مستحقاته، وصورة صيدا تتحمّل كلفة إحراج كان يمكن تفاديه ببساطة وبعدما طال انتظار الفاتورة، علمت «البوست» أن أحد رجال الأعمال الصيداويين المعروفين بالعمل في الشأن العام تدخّل ودفع المبلغ من ماله الخاص، نيابةً عن بلدية لم تجد حرجًا في أن يتكفّل مواطن بما كان يفترض أن يكون من أبسط التزاماتها الأكثر إثارة للاستغراب أن أكثر من 15 عضوًا من المجلس البلدي كانوا بين الحاضرين الـ63 الذين تناولوا الغداء، فيما البلدية نفسها هي الجهة الداعية، ومع ذلك لم يجد المجلس البلدي حرجاً في أن يدفع أحد بالنيابة عنه!
حتى من دون سابق إصرارٍ أو ترصُّد، يبدو أن اللاوعي الخاص برجل الأعمال محمد زيدان يعرف جيدًا أصول «الحَرْتَقات الصيداوية»، ويُحسن استخدامها من وقتٍ إلى آخر، وخصوصًا حين يقترب المشهد من «بيت الحريري». ففي غضون أسبوعٍ واحد لا أكثر، نجح «أبو رامي»، بقصدٍ أو من دونه، في توجيه «زَكْزَكتين» إلى “أم نادر”، من النوع الذي لا يحتاج إلى بيان سياسي كي يُفهم، ولا إلى ترجمان كي تُقرأ دلالاته. الأولى جاءت من بوابة «مهرجانات صيدا الدولية»، التي بقيت لسنوات طويلة تحت كنف «الست»، قبل أن تجد طريقها هذه المرة إلى ملعب زيدان، مع استضافة «منتزه الكنايات» الذي يملكه لفعاليات المهرجان، وتقديمه تسهيلات مالية ولوجستية كبيرة لفريق العمل والحدث. ولم يكن الإعلان عن الخطوة من مكان عابر، بل من مركز المحافظة تحديدًا، بما يكفي لإضافة تلك «النكهة الصيداوية» التي تجعل حتى المكان جزءًا من الرسالة. أما «الزَكْزة» الثانية، فكانت أكثر طرافةً في رمزيتها. زيدان استقدم جمعية من بيروت تُدعى «العلم اللبناني»، كي تستضيف الحديقة العامة التي يُشيّدها باسمه، إلى جانب قصر العدل في صيدا، أطول سارية علم لبناني في المدينة، بارتفاع يبلغ 33 مترًا، وقد تم تحضير البنية التحتية الهندسية لذلك. أي أن العلم الجديد سيصبح أعلى من العلم اللبناني الذي انتصب لسنوات إلى جانب نصب الرئيس رفيق الحريري على الكورنيش البحري. طبعًا، قد تكون المسألة مجرد أمتار. لكن في صيدا، نعرف جميعًا أن الصدف السياسية أذكى بكثير من أن تكون بريئة دائمًا. وهذه ليست سوى عيّنة صغيرة مما يجري في الخفاء في مدينة عمرها آلاف السنين، ثم تسألون، ليش بعدا صيدا هيك؟