قال أحد العارفين: «عندما تتّسع الرؤيا تضيق العبارة». لعلّ هذه المقولة تنطبق على المشاريع الوطنية الكبرى أكثر من أي شيء آخر. فالمشاريع التي تتجاوز حدود الاستحقاقات والظروف لا يمكن اختصارها بشعار، ولا حصرها في خطاب سياسي عابر، لأنها تتحول إلى فكرة راسخة، وإلى نهج يمتد في الزمن قبل أن تكون مجرد تنظيم أو حالة سياسية. وهكذا كان «تيار المستقبل» منذ انطلاقته. لم يكن يومًا مشروعًا انتخابيًا يرتفع مع استحقاق ويتراجع مع آخر، ولم يكن ظاهرة مرتبطة بظرف سياسي أو بشخصية قيادية، بل حمل مشروعًا واضحًا عنوانه الدولة، والاعتدال، والانفتاح، والشراكة الوطنية، والإيمان بأن لبنان لا يحيا إلا بمؤسساته، ولا ينهض إلا عندما يكون قرار الدولة فوق أي قرار آخر. قدرة الفكرة لهذا السبب، كلما أثبت التيار أن حضوره يتجاوز البنية التنظيمية إلى وجدان شريحة واسعة من اللبنانيين، ضاقت مساحة الرهان على غيابه. سمعنا كثيرًا عن نهايته، وكُتبت تحليلات لا تُحصى عن أفوله، وبُنيت رهانات على غياب دوره، لكن الوقائع بقيت أقوى من الأمنيات، لأن المشاريع التي تنبع من حاجة وطنية لا تنتهي بمجرد حملة سياسية أو ظرف عابر. فالحضور الحقيقي لا يُقاس بضجيج الخطاب، بل بعمق الامتداد في المجتمع، ولا بعدد المكاتب أو الشعارات، بل بقدرة الفكرة على البقاء رغم تبدّل الظروف. والتاريخ اللبناني مليء بتجارب امتلك أصحابها السلطة والنفوذ ثم تراجعوا، فيما بقيت المشاريع التي خاطبت وجدان الناس أكثر رسوخًا من أصحابها. إن من يراهن على غياب تيار المستقبل يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن التيار لم يكن ترفًا سياسيًا يمكن الاستغناء عنه، بل استجابةً لحاجة فرضها الواقع اللبناني. ففي بلد يقوم على التعددية، يصبح الاعتدال ضرورة وطنية، والدفاع عن الدولة خيارًا لا يحتمل المساومة، والشراكة بين اللبنانيين أساسًا لأي استقرار دائم. skip render: ucaddon_material_block_quote ركيزة توازن ومن هنا، فإن تيار المستقبل ليس مجرد مكوّن في الحياة السياسية، بل أحد ركائز التوازن الوطني. فلسفته لم تقم على منطق الغلبة، بل على أن الدولة لا تستقيم إلا بالشراكة، وأن التنوع اللبناني مصدر قوة عندما يجتمع تحت سقف الدستور والمؤسسات، وأن الاحتكام إلى القانون هو الضمانة الوحيدة لجميع اللبنانيين. ولعل أدق توصيف لدوره أنه ليس مجرد حاجة سياسية، بل أحد العناصر التي تعيد إنتاج الأمل بالدولة كلما اشتدت الأزمات. فهو يجدد حضور الاعتدال كلما ارتفعت أصوات التطرف، ويؤكد أن مستقبل لبنان لا يُبنى بالمحاور، بل بالمؤسسات، ولا بالإقصاء، بل بالشراكة، ولا بفرض موازين القوة، بل بسيادة القانون. لذلك، فإن الاحتفاء بأي حديث عن تراجع التيار يشبه الاحتفال بإطفاء منارة على شاطئ مضطرب. فالمنارة ليست غاية بحد ذاتها، لكنها تبقى دليلًا للسفن عندما تشتد العواصف. وكذلك هو تيار المستقبل في الحياة الوطنية؛ قد يختلف معه البعض سياسيًا، وهذا حق طبيعي، لكن يصعب إنكار أن حضوره شكّل، ولا يزال، عنصر توازن واعتدال في المشهد اللبناني. skip render: ucaddon_box_testimonial
لم يكن لبنان يوماً جزيرةً معزولةً في شرق المتوسّط، ولم تُبنَ تجربته السياسية والاقتصادية والثقافية على الانكفاء أو الانفصال عن محيطه العربي. فمنذ نشأة الدولة اللبنانية الحديثة، شكّلت العروبة المعتدلة ركيزةً أساسيةً في تثبيت الاستقرار الوطني، وفي بناء علاقات لبنان الاقتصادية والسياسية مع أشقائه العرب، وفي توفير شبكة أمان استراتيجية حمت البلاد في أصعب الظروف. على امتداد عقود، أثبتت التجربة أن قوة لبنان لم تكن في موقعه الجغرافي فحسب، بل في قدرته على الجمع بين خصوصيته الوطنية وانتمائه العربي. فكلما تعزّزت علاقاته العربية، ازدهر اقتصاده، واستقطب الاستثمارات، وازداد حضوره الدبلوماسي، واستعاد دوره الثقافي والمالي في المنطقة. وكلما ابتعد عن هذا العمق، دخل في دوّامات العزلة والأزمات والتراجع. ثقة ومشروع لقد دفع لبنان أثماناً باهظة عندما تحوّلت بعض القوى السياسية إلى مشاريع تتجاوز الدولة، وتضع مصالح المحاور الإقليمية فوق المصلحة الوطنية. ومع مرور الوقت، تراجعت ثقة الأشقاء العرب بقدرة الدولة اللبنانية على الالتزام بمبدأ النأي بالنفس واحترام السيادة العربية، فخسر لبنان تدريجياً جزءاً من موقعه الطبيعي كجسر تواصل بين الشرق والغرب، وبين العالم العربي والمجتمع الدولي. في المقابل، مثّل مشروع الرئيس الشهيد رفيق الحريري نموذجاً واضحاً لفهم العلاقة بين لبنان وعروبته. فقد أدرك أن ازدهار لبنان لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال شراكة متينة مع الدول العربية، وأن الاقتصاد اللبناني يحتاج إلى عمقه الخليجي والعربي كما يحتاج إلى انفتاحه الدولي. لذلك ارتبطت مرحلة إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي بعودة لبنان إلى الحضن العربي، واستعادة الثقة العربية والدولية به. من هذا الإرث الوطني والعربي انطلق تيار المستقبل، حاملاً مشروع الدولة القوية، والمؤسسات الشرعية، والاعتدال السياسي، والعلاقات الأخوية مع الدول العربية. لم يكن التيار يوماً مجرد قوة سياسية داخلية، بل شكّل جسراً بين لبنان ومحيطه العربي، ودافع عن فكرة أن العروبة ليست شعاراً أيديولوجياً، بل خياراً سيادياً يحمي لبنان من العزلة، ويمنحه عناصر القوة والاستقرار. لعب تيار المستقبل دوراً محورياً في ترسيخ ثقافة الاعتدال ومواجهة مشاريع التطرّف والانقسام، وفي الدفاع عن اتفاق الطائف باعتباره الصيغة التي أنهت الحرب الأهلية وأعادت تثبيت هوية لبنان العربية. كما ساهم في تعزيز حضور لبنان في المحافل العربية والدولية، وحافظ على شبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية التي خدمت مصالح اللبنانيين في الداخل والاغتراب. skip render: ucaddon_material_block_quote ترسيخ حقيقة اليوم، وبعد سنوات من الأزمات المتراكمة والانهيار الاقتصادي والتوترات الإقليمية، تتأكد مجدداً حقيقة أساسية: لا يمكن للبنان أن يستعيد توازنه بعيداً عن عمقه العربي. فالعالم العربي لم يكن يوماً عبئاً على لبنان، بل كان دائماً شريكاً في نهوضه واستقراره. والاستثمارات العربية، والسياحة العربية، والدعم السياسي العربي، كلها عناصر أساسية في أي مشروع إنقاذ وطني. إن استعادة لبنان لدوره الطبيعي تبدأ بإعادة الاعتبار للدولة ومؤسساتها الشرعية، وبالتمسك باتفاق الطائف، وبإحياء أفضل ما في التجربة اللبنانية القائمة على الانفتاح والاعتدال والتوازن. كما تبدأ بإعادة بناء الثقة مع الأشقاء العرب على قاعدة الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والسيادة الوطنية. لقد أثبتت الأحداث أن لبنان يربح عندما يكون عربياً في انتمائه، مستقلاً في قراره، ومنفتحاً على العالم. ويخسر عندما يتحوّل إلى ساحة لصراعات الآخرين، أو منصة لمشاريع لا تشبه هويته وتاريخه. لذلك تبقى العروبة شبكة الأمان السياسية والاقتصادية التي يحتاجها لبنان اليوم أكثر من أي وقت مضى، وتبقى القوى التي حملت هذا المشروع، وفي مقدمتها تيار المستقبل، جزءاً أساسياً من معركة استعادة الدولة وإعادة وصل لبنان بمحيطه الطبيعي، بما يضمن مستقبلاً أكثر استقراراً وازدهاراً للأجيال القادمة. فرصة لاستعادة الموقع العربي تشهد المنطقة اليوم تحوّلات استراتيجية قد تعيد رسم موازين القوى والعلاقات الإقليمية، وفي مقدمتها التفاهم الأميركي ـ الإيراني الذي تم التوصل إليه هذا الأسبوع، والذي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من خفض التوترات وإعادة ترتيب الأولويات في الشرق الأوسط. ورغم أن نتائج هذا الاتفاق لا تزال مرتبطة بآليات التنفيذ والتفاهمات اللاحقة، إلا أنه يحمل دلالة سياسية مهمة تتمثل في انتقال المنطقة من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق التسويات وإدارة المصالح. في هذا السياق، يجد لبنان نفسه أمام فرصة تاريخية للخروج من موقع ساحة الصراعات إلى موقع الدولة القادرة على الاستفادة من مناخ التهدئة الإقليمي. فكلما تراجعت حدة الاستقطاب بين القوى الإقليمية، ازدادت الحاجة إلى دولة لبنانية قوية وموحدة، تحتكر قرارها السيادي، وتعيد بناء علاقاتها العربية والدولية على أسس واضحة ومتوازنة. حين تعود بيروت إلى العرب… يستعيد لبنان توازنه الموقف التركي كما تكتسب المواقف الإقليمية المستجدة أهمية خاصة، ومن بينها ما أعلنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مشكوراً، عندما أكد أن «أمن تركيا يبدأ من حلب ودمشق وبيروت»، في إشارة تعكس إدراكاً متزايداً لدى القوى الإقليمية بأن استقرار لبنان لم يعد شأناً لبنانياً داخلياً فحسب، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن والاستقرار في المشرق كله. وإذا كان من الممكن أن تختلف القراءات السياسية لهذه التصريحات، فإن ما يستحق التوقف عنده هو تضمين بيروت في معادلة الأمن الإقليمي، وإبراز مكانة لبنان ودوره في استقرار المنطقة. وهو موقف يمكن للبنان أن يثمّنه من زاوية التأكيد على أهمية سيادته واستقراره ووحدة أراضيه، وعلى ضرورة أن يحظى بالدعم العربي والإقليمي والدولي الذي يساعده على تجاوز أزماته واستعادة دوره التاريخي كمنصة للحوار والتلاقي، لا كساحة للنزاعات. تؤكد المتغيرات الحالية أن العالم يتجه نحو التسويات لا المواجهات، ونحو بناء الشراكات لا تكريس المحاور. ومن هنا تبرز أهمية المشروع الذي دعا دائماً إلى ربط لبنان بعمقه العربي وبشبكة علاقاته الطبيعية مع محيطه، لأن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة الدول المنعزلة، بل مرحلة الدول القادرة على توظيف موقعها وعلاقاتها لخدمة مصالح شعوبها. اليوم، وفي ظل التحوّلات الكبرى التي تشهدها المنطقة، من التفاهمات الدولية والإقليمية إلى إعادة رسم خرائط النفوذ والمصالح، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى إعادة تثبيت البوصلة الوطنية اللبنانية. فلبنان لا يستطيع التأثير في المتغيرات الكبرى، لكنه قادر على الاستفادة منها إذا امتلك دولة قوية، وقراراً وطنياً مستقلاً، وعلاقات عربية متينة. skip render: ucaddon_box_testimonial