مهرجانُ “الزامبو” الذي احتضنه مدينةُ الميناء في طرابلس أمس هو تقليدٌ سنويٌّ فريدٌ، ويُعَدّ من أبرز الاحتفالات الشعبية التي تمزج بين التاريخ والغموض والفرح. يُقام هذا الكرنفال عشيةَ الصوم الكبير لدى الطوائف المسيحية التي تتبع التقويم الشرقي، ويتميّز بمسيرةٍ احتفاليةٍ يشارك فيها شبّانٌ يطلون أجسادهم باللون الأسود ويرتدون أزياءً بدائية. تتعدّد الروايات حول أصول مهرجان الزامبو، مما يضفي عليه طابعًا من الغموض التاريخي. تعود جذور المهرجان إلى ما يقارب قرنًا من الزمان، وقد توقّف خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) قبل أن يعود للاحتفال به مجددًا. تشير العديد من المصادر إلى أن هذا التقليد جاء به المهاجرون اللبنانيون العائدون من أفريقيا والبرازيل، حيث تأثّروا بتقاليد الكرنفالات هناك وأدمجوها مع الطقوس المحلية في الميناء، ويُعتقَد أنهم جلبوا معهم عناصر من كرنفالات أميركا الجنوبية، مثل كرنفال البرازيل. كما يرى بعض السكان المحليين أن الزامبو تقليدٌ يونانيُّ الأصل. وتربط إحدى النظريات كلمة “زامبو” بالكلمة اليونانية “Iamvos”، وهي الأغاني التي كانت تُنشَد في عيد حلول الربيع (Anthostria) في اليونان القديمة. كذلك تذكر روايةٌ محليةٌ أخرى أن المهرجان نشأ من تقليد سكان الميناء للجنود السنغاليين الفرنسيين الذين كانوا متمركزين في المنطقة، حيث كانوا يقلّدون غناءهم ورقصهم، بينما يرى البعض أن المهرجان يرمز إلى الانتقال من الوثنية إلى المسيحية. يشارك في مهرجان الزامبو الكبارُ والصغارُ من مختلف الطوائف، حيث يخرج أهالي الميناء وطرابلس للاحتفال. يرتدي المشاركون ملابسَ مصنوعةً من أوراق الشجر أو القش، ويضعون قرونًا على رؤوسهم، ويطلون أجسادهم باللون الأسود، ويجوبون شوارع المدينة، لا سيما حيّ الميناء، وهم يرقصون على إيقاع الطبول والأهازيج ويجمعون التبرعات. يُعَدّ مهرجانُ الزامبو مناسبةً للفرح والبهجة، ويساهم في إخراج المدينة من رتابتها، كما أنه يجمع أبناء الميناء من مختلف الطوائف، مسيحيين ومسلمين، في احتفالٍ واحد.
لم يحتج الأمر أكثر من ثوانٍ قليلة. اهتزّ مبنى قديم في حيّ باب التبّانة، ثم استسلم للجاذبية، متحوّلًا إلى كومةٍ من الحجارة والغبار في شارع سوريا. صرخاتٌ ارتفعت، وركضُ مذعورون نحو الركام، وأيدٍ عارية تحاول شقّ طريقها بين الإسمنت بحثًا عن ناجين… أو عن جثث. هكذا، ببساطةٍ قاتلة، سقط 5 قتلى على الأقلّ وعددٌ من الجرحى، في مشهدٍ لم يعد غريبًا على مدينةٍ تعيش منذ سنوات على خطّ تماسٍ مع الإهمال ما جرى في طرابلس ليس حادث “قضاءً وقدرًا” كما درجت العادة أن يُقال بعد كل كارثة. إنّه نتيجةٌ مباشرة لمسارٍ طويل من الحرمان الرسمي، والتجاهل المزمن، وغياب أي سياسةٍ عمرانية أو إسكانية تحمي الناس من موتٍ يمكن توقّعه. فحين يتحوّل السكن إلى مغامرة يومية، تصبح الجدرانُ المتشقّقة أخطر من الرصاص. هذه المدينة، التي تُوصَف غالبًا بأنّها الأفقر على ساحل المتوسط، لا تواجه الفقر بوصفه أزمةً اقتصادية فحسب، بل بوصفه خطرًا إنشائيًا يهدّد الحياة نفسها. هنا، لا يسقط الناس ضحايا البطالة فقط، بل ضحايا الأسقف المتعبة أيضًا. وهنا تحديدًا، تتكشّف طبقية الموت بأوضح صورها، فالمباني نادرًا ما تنهار في الأحياء الميسورة حيث الصيانة ممكنة والرقابة حاضرة، بينما تُترك الأحياء الشعبية لتفاوض مصيرها داخل “صناديق موت” مؤجَّلة الانفجار. الأرقام وحدها كفيلة بفضح حجم الكارثة. فمنذ ما قبل عام 2017، كانت التقديرات تشير إلى وجود أكثر من 16 ألف مبنى مهدّد بالسقوط في لبنان، فيما تحتلّ طرابلس المرتبة الثانية بعد بيروت في عدد الأبنية الآيلة للانهيار. لكن الأخطر من الأرقام هو الاعتياد عليها؛ إذ يبدو أنّ الدولة لا تتحرّك فعليًا إلا بعد أن يتحوّل التحذير إلى مأتم. تتوزّع الأبنية المتصدّعة في القبة، والتبّانة، والزاهرية، وضهر المغر، وغيرها من الأحياء التي يدفع سكّانها ثمنًا مضاعفًا: عجزٌ عن الترميم بسبب الانهيار الاقتصادي، وغيابٌ شبه كامل للدعم الرسمي، وإمكاناتٌ بلدية محدودة لا ترقى إلى حجم التهديد. بعض العائلات أخلت منازلها فعلًا، لكن كثيرين لا يملكون رفاهية الرحيل؛ فإلى أين يذهب من لا يستطيع تحمّل كلفة سقفٍ بديل؟ المفارقة القاسية أنّ الحديث عن الأبنية المهدّدة بالانهيار ليس جديدًا، كما أنّ الدعوات إلى تطبيق مراسيم السلامة العامة وتأمين التمويل ليست طارئة. الجديد فقط هو عدد الضحايا الذي يرتفع في كل مرة، فيما تبقى المعالجة مؤجَّلة، والخطط حبرًا على ورق، والمسؤوليات ضائعة في متاهة الإدارة. ما يحتاجه لبنان ليس تقريرًا إضافيًا ولا لجنةً جديدة، بل قرارًا سياسيًا واضحًا بأنّ حياة الناس ليست تفصيلًا. المطلوب خطة وطنية عاجلة تبدأ بمسحٍ شامل للأبنية الخطرة، وتؤمّن حلولًا سكنية بديلة للمتضرّرين، وتمنح البلديات والجهات الرقابية صلاحياتٍ وموارد حقيقية قبل أن يتحوّل كل مبنى قديم إلى قنبلةٍ صامتة. حين ينهار مبنى، لا تكون الأزمة هندسية فقط؛ إنّها لحظةُ انكشافٍ مدوّية لانهيارٍ أعمق يطال الاقتصاد والإدارة ومفهوم الدولة نفسه. فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها داخل منازلهم، ماذا تبقّى من دورها؟ في لبنان، لا يحتاج الموت دائمًا إلى حربٍ أو انفجار. أحيانًا يكفي سقفٌ متعب… ودولةٌ أكثر تعبًا. والسؤال الذي لم يعد ممكنًا تأجيله: كم حياةً أخرى يجب أن تُدفن تحت الركام قبل أن يدرك المسؤولون أنّ الكارثة ليست في سقوط المباني، بل في سقوط الإحساس بالمسؤولية؟