في بلدٍ ينهار فيه كلّ شيء إلّا الأقساط المدرسية، يطلّ علينا العام الدراسي كأنّه فيلم كوميدي أسود: الأهالي يركضون وراء المدارس، والمدارس تركض وراء جيوب الأهالي، والطلاب يركضون وراء مستقبلٍ يختفي مثل “معاش أوّل الشهر”. فاتورة النجاة من الجهل المدارس الخاصة تطالب الأهالي بدفع الأقساط كاملة، وكأنّها تقول لهم: “ادفعوا، أو دعوا أولادكم يتعلّمون من قناة الكرتون”. أمّا الأهالي، المشرّدون بين النزوح والبطالة، فيردّون: “نحن ندفع أقساط الحياة أصلًا: كهرباء، ماء، دواء، بنزين… والآن تريدون دمنا أيضًا؟”. هكذا يتحوّل التعليم إلى سلعة فاخرة، مثل الكافيار، لا يتذوّقها إلّا من يملك حسابًا مصرفيًا في سويسرا أو خزانة ذهب في البيت. شهادة في خبر كان وزارة التربية قرّرت إلغاء الشهادة المتوسطة، وكأنّها تقول للطلاب: “مبروك، أنتم ناجحون بلا امتحان، لكن بلا مستوى أيضًا”. الطلاب فرحوا في البداية، ثم اكتشفوا أنّ إلغاء البريفيه يعني أنّ لا أحد يعرف إن كانوا يفهمون الرياضيات، أم يظنّون أنّ الجذر التربيعي نوع من الخضار. المعلّمون يهمسون: “هكذا نخرّج أجيالًا من حملة شهادات عيان، مثل حملات انتخابية بلا برامج”. أمّا طلاب الثانوية العامة، فالمطلوب منهم أن يدرسوا المنهج كاملًا، بلا مواد اختيارية. الطالب في الجنوب يذاكر الفيزياء تطبيقيًا، ويستطيع التفريق بين جدار صوت، وقصف مدفعي، وغارة جوية، واعتراضات جوية، وانفجارات ثانوية، وكلّ هذا بينما “أم كامل”، الملقّبة بـ“الزنّانة”، تحلّق فوق رأسه. والطالب النازح في بيروت يراجع الكيمياء، وهو يتساءل عن أضرار الفوسفور على تربة الأرض التي أوصاه جدّه بالحفاظ على زيتونها. هكذا يصبح الامتحان أشبه بماراثون في حقل ألغام: من يصل إلى خط النهاية حيًّا، يُعدّ ناجحًا بامتياز. skip render: ucaddon_material_block_quote في غرفة العناية الفائقة المستوى الأكاديمي يتدنّى، والطلاب يخرجون من المدارس وهم يظنّون أنّ “الربيع العربي” اسم فرقة موسيقية. العدالة التعليمية تختفي؛ فالطالب في مدرسة خاصة يحصل على فرص، بينما الطالب في مدرسة رسمية يكتفي بفرصة للهجرة. النتيجة: هجرة العقول، هجرة القلوب، وهجرة كلّ شيء إلّا الأقساط. الجامعات الخاصة تحوّلت إلى مصارف صغيرة، تطلب الأقساط بالدولار الفريش، وكأنّ العلم سلعة تُباع على رفوف السوق السوداء. أمّا الجامعات الرسمية، فهي أشبه بمستشفيات حكومية بلا دواء، قاعاتها فارغة من الرحمة. ختامٌ بلا مسك التعليم في لبنان اليوم يشبه مسرحية هزلية: الأهالي هم الجمهور المرهق، المدارس هي الممثلون الجشعون، والطلاب هم الضحايا الذين يضحكون دون إدراكٍ لشرّ البليّة. لكن خلف الكوميديا السوداء، هناك مأساة حقيقية: جيلٌ كامل مهدّد بأن يكبر بلا علم، بلا أمل، وبلا مستقبل. فهل نحتاج إلى وزارات فيها “تربية” لإنقاذ ما تبقّى من عقل هذا البلد؟
في بلدٍ اعتاد أن يقدّم نفسه كمنارةٍ للعلم والثقافة، تتحوّل الجامعةُ اللبنانية، الجامعةُ الوطنية الوحيدة، إلى صورةٍ مُصغَّرة عن انهيار الدولة. القاعاتُ تضيق بطلابها، والأساتذةُ يُهانون بتأخير مستحقاتهم، والمناهجُ لا تزال أسيرةَ عقودٍ مضت. كلُّ ذلك يجري تحت أنظار سلطةٍ سياسية تتعامل مع المؤسسة الأكاديمية الأهم في لبنان وكأنها عبءٌ زائد، لا رافعة وطنية صفوف كالمخيماتيكفي أن يزور المرءُ كليةَ العلوم أو الحقوق أو الإعلام ليكتشف المأساة: قاعاتٌ تستوعب مئةَ طالبٍ تضم أحياناً أكثر من مئتين. المقاعدُ غيرُ كافية، والطلابُ يقفون أو يجلسون على الأرض ليستمعوا إلى محاضرةٍ تُلقى على عجل.بحسب الأرقام الرسمية، بلغ عددُ طلابِ الجامعة اللبنانية نحو 80 ألفَ طالبٍ قبل الأزمة المالية، ليتراجع العددُ المُسجَّل عام 2024–2025 إلى 50 ألفاً فقط من أصل 65 ألفاً مُؤهَّلين للتسجيل.هذا الانخفاضُ لا يعود إلى تحسّن الظروف، بل إلى تسرّب عشرات الآلاف نحو الجامعات الخاصة أو الهجرة القسرية، بعد أن عجزت الجامعةُ عن فتح صفوفٍ إضافية أو توفير مقاعدَ تليق بأبنائها. أساتذة على قارعة الطريقالأستاذُ الجامعي، الذي يُفترض أن يكون قدوةً علمية، تحوّل إلى موظفٍ مُهان. رواتبه فقدت أكثر من 90% من قيمتها بفعل انهيار العملة. بدلُ الإنتاجية، الذي يُفترض أن يُعوّض جزءاً من الخسارة، أصبح مجرد فتات. عقودُ التفرّغ تُؤجَّل، والمتعاقدون بالساعة يعيشون على قلقٍ دائم: هل تُدفع مستحقاتهم هذا الشهر أم بعد سنة؟لا عجب إذن أن نشهد إضراباتٍ متكرّرة تهدّد العام الجامعي بالشلل. فكيف يُنتظر من أستاذٍ لم يقبض حقَّه أن يُقدّم تعليماً نوعياً أو أن يُواكب التطور البحثي العالمي؟ بلغ عددُ طلابِ الجامعة اللبنانية نحو 80 ألفَ طالبٍ قبل الأزمة المالية، ليتراجع العددُ المُسجَّل عام 2024–2025 إلى 50 ألفاً فقط من أصل 65 ألفاً مُؤهَّلين للتسجيل مناهج جامدة في زمن متسارعبينما تتسابق الجامعاتُ الإقليمية على تحديث برامجها وربطها بسوق العمل، لا تزال الجامعةُ اللبنانية تتخبّط في تطبيق نظام LMD. في بعض الكليات، تُفرض مبارياتُ دخولٍ غيرُ مبرّرة لشهادة الماستر، ما يحوّل التعليمَ إلى امتحانٍ إضافي بدل أن يكون امتداداً للتعلّم.المختبراتُ تعاني نقصاً في المعدات، والمكتباتُ ما زالت تعتمد على كتبٍ متقادمة، في حين يغيب الاستثمارُ في التكنولوجيا التعليمية. في زمن الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، ما زال طلابُ الجامعة اللبنانية يدرسون بوسائل ثمانينيات القرن الماضي. 21,958 طالباً خسرتهم الجامعةُ بين عامي 2021 و2023، أي ما يُعادل رُبع طلابها نسبةُ طلاب الجامعة من مجمل التعليم العالي في لبنان انخفضت من 60% في التسعينيات إلى نحو 35% فقط اليوم عشراتُ الصفوف في الكليات تبدأ متأخرة أو تُقسَّم على دفعات، ما يجعل الطالبَ ينتظر أشهراً قبل أن يبدأ مادته الأساسية هذه الأرقامُ ليست إحصاءاتٍ باردة، بل مؤشراتُ انهيارٍ مُمنهج. حين تخسر الجامعةُ اللبنانية موقعَها كخيارٍ أول للطلاب، يخسر لبنان ما تبقّى من عدالةٍ في التعليم. صرخة لا بد منهاالسلطةُ تصمت، والطلابُ يهاجرون، والأساتذةُ يُستنزَفون. النتيجة: تفريغُ الجامعة من دورها التاريخي، وفتحُ الطريق أمام الجامعات الخاصة، التي تتحول يوماً بعد يوم إلى الخيار الإجباري لمن يستطيع الدفع، فيما يُترك أبناءُ الطبقات الوسطى والفقيرة لمصيرهم.الجامعةُ اللبنانية ليست مجرد مبنى أو مؤسسة. هي ذاكرةٌ وطنية، مصنعُ كفاءات، وحصنٌ أخير للفقراء في وجه احتكار التعليم. إنقاذُها لا يكون بترقيعٍ هنا أو دعمٍ مؤقتٍ هناك، بل بإرادةٍ سياسية تعترف بأنها العمودُ الفقري للبلد.هل يُعقَل أن تُترك الجامعةُ، التي خرّجت آلافَ القضاة والمهندسين والأطباء والصحافيين، لتواجه مصيرَها وحيدة؟ هل يريدون أن تتحوّل من جامعة الوطن إلى “جامعة الأطلال”؟ إن لم تُفتح الصفوف، وتُدفع المستحقات، ويُحدَّث المنهج، ويُعاد الاعتبار للأستاذ والطالب، فإن الحديث عن “جامعة لبنانية” سيبقى مجردَ ذكرى رومانسية، تُروى للأجيال المقبلة عن زمنٍ كان فيه التعليمُ العام المرموق أمراً ممكناً في هذا البلد.