توقف كثير من المتابعين حول العالم عند تفصيل كان لافتا في مشهدية محادثات الحرب بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، إنها العصا التي ظهرت في يد المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني. هي ليست مجرّد قطعة بروتوكولية مرافقة للزي العسكري، بل واحدة من أكثر الرموز رسوخًا في تقاليد الجيوش النظامية، وتحمل في الحالة الباكستانية دلالات تاريخية ورتبية وسياسية تتجاوز الشكل إلى المعنى. تُعرف هذه العصا في التقاليد العسكرية باسم “عصا القيادة” (Baton of Command)، وترتبط في بعض سياقاتها التاريخية بما يُعرف بـ “عصا مالاكا” (Malacca Cane)، نسبة إلى نوع الخشب الذي صُنعت منه تقليديًا. أما لدى الضباط من رتب أدنى، فقد تأخذ طابعًا أقرب إلى “عصا التبختر” (Swagger Stick)، بوصفها جزءًا من المظهر العسكري والانضباط الشكلي. تعود جذور هذا التقليد إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية، حين ورث الجيش الباكستاني، على غرار جيوش أخرى في جنوب آسيا، جانبًا واسعًا من الأعراف والبروتوكولات العسكرية البريطانية. في بداياتها، ارتبطت العصا في الجيوش الأوروبية بوظائف عملية، من توجيه الجنود في الميدان إلى فرض الانضباط، قبل أن تتطوّر تدريجيًا إلى رمز شرفي يعبّر عن السلطة والمسؤولية ومكانة القائد في الهرم العسكري. ومنذ ذلك الحين، لم تعد العصا أداة استخدام، بل أداة معنى. إنها ليست خشبة مزخرفة في يد جنرال، بل رسالة صامتة تقول إن حاملها بلغ مرتبة تتجاوز القيادة اليومية إلى مرتبة الهيبة التاريخية في يد قائد الجيش الباكستاني، تختصر العصا ثلاث دلالات أساسية. أولًا، هي رمز السلطة، باعتبارها تجسيدًا بصريًا للتفويض الرسمي الممنوح للقائد لإدارة شؤون المؤسسة العسكرية. ثانيًا، هي علامة رتبية تؤكد الموقع الاستثنائي لحاملها داخل البنية القيادية. وثالثًا، هي ترجمة لتقاليد الانضباط والاستمرارية التي تحرص المؤسسة العسكرية الباكستانية على إبرازها كجزء من هويتها التاريخية وهيبتها المؤسسية. لكن حضور العصا اكتسب بُعدًا أعمق مع عاصم منير تحديدًا. مع ترقيته لرتبة مشير لم تعد العصا التي يحملها تُقرأ بوصفها عصا قيادة عادية، بل بوصفها عصا المشير، وهي أكثر فخامة ودلالة، وتُمنح في مراسم رسمية خاصة لترمز إلى بلوغ ذروة القيادة العسكرية والتموضع في قمة الهرم الدفاعي للدولة. من هنا، لم يعد حمل عاصم منير لهذه العصا مجرد تفصيل بصري، بل تحوّل إلى جزء من الصورة الجديدة التي أُريد تكريسها له بعد ترقيته. فالعصا، في هذا السياق، لا تعبّر عن وظيفة عملية، بل عن انتقال الرجل من موقع قائد جيش إلى موقع أعلى رمزيًا، يُراد له أن يجسّد الدولة القوية، والانتصار العسكري، واستمرارية المؤسسة. وتُصنع هذه العصا تقليديًا من خشب مالاكا، وهو نوع من الروطان أو الخيزران القوي والمرن، ارتبط تاريخيًا بالفخامة العسكرية البريطانية. وتمتاز بخفتها ومتانتها، وغالبًا ما تُزيَّن أطرافها بقطع معدنية فضية أو مذهبة تحمل شعارات رسمية أو إشارات إلى رتبة حاملها. وفي هذا المعنى، فإن تصميم العصا نفسه ليس تفصيلًا زخرفيًا، بل جزء من هندسة الرمز. أما بروتوكوليًا، فتخضع العصا لقواعد صارمة تحكم استخدامها ومرافقتها للقائد. فهي تُسلَّم في مناسبات رسمية مرتبطة بتبدّل القيادة أو تثبيت المنصب، وترافق حاملها في المراسم العسكرية والاستقبالات ذات الطابع المؤسسي. وفي بعض السياقات البروتوكولية، لا سيما عند لقاء رأس الدولة أو رئيس الحكومة أو شخصيات مدنية عليا، يُفترض وضعها جانبًا، في إشارة رمزية إلى أولوية السلطة الدستورية المدنية. كذلك، فإن حمل العصا يفرض نمطًا مختلفًا في التحية والحركة، بما يرسّخ مكانتها كعلامة.