في هذه الأيام، يبدو المشهد العربي كمن يقف في صالة مطار مترامية، يحدّق في لوحة الوصول منتظرًا سفينة لن تأتي. الجميع يرفع رأسه إلى السماء، فيما الخطر الحقيقي يتسلّل من اليابسة، من الخرائط التي يُعاد رسمها بالنار، ومن العواصم التي تحوّلت إلى غرف عمليات مفتوحة لكل أجهزة العالم. أنا ابن هذه العروبة، بمجدها وانكساراتها، بحنينها وأوجاعها، ومن الطبيعي أن أستنكر أي اعتداء إيراني على ذرّة تراب عربية، أيًّا تكن المبررات والشعارات. لكن الكارثة الحقيقية تبدأ عندما يتحوّل الرفض المشروع إلى حالة عمى سياسي تجعل إسرائيل تبدو، فجأة، كأنها مراقب محايد أو شريك استقرار في الإقليم. وهنا يكمن الفخ الأكبر. الاشتعال من الداخل الهجمات التي استهدفت الإمارات، بما فيها التهديدات المرتبطة بمحطة براكة النووية، وكذلك الضربات التي طالت السعودية في الأيام الأخيرة، انطلقت مسيّراتها من الأراضي العراقية، ما دفع كثيرين إلى استنتاج تلقائي بأن إيران تقف وحدها خلف المشهد. لكن الشرق الأوسط ليس مسرحًا بسيطًا بهذه الدرجة. فالأرض العراقية نفسها تحوّلت منذ سنوات إلى ساحة اختراق استخباري كثيف، تتداخل فيها أجهزة إقليمية ودولية، وفي مقدّمتها الموساد الإسرائيلي، الذي لم يعد يتحرّك كضيف خفي، بل كصاحب نفوذ يملك شبكات وعلاقات وتقاطعات داخل بيئات أمنية معقّدة. ولو امتلك العرب شجاعة التحقيق الحقيقي، لا التحقيق الموجّه سياسيًا، لوجدوا أن بعض المناطق التي خرجت منها عمليات التخريب تحمل بصمات تتجاوز الرواية الجاهزة، وأن إسرائيل ليست بعيدة عن الاستثمار في الفوضى، ولا عن دفع المنطقة نحو حافة الانفجار الأكبر. فالكيانات التي تعيش على الخوف لا تزدهر إلّا وسط الحرائق. skip render: ucaddon_material_block_quote إسرائيل لا تتحرّك وحدها الخطأ القاتل الذي ما زال كثيرون يرتكبونه هو الاعتقاد بأن إسرائيل تعمل منفردة داخل العالم العربي. هذا لم يعد واقعيًا منذ سنوات. في السابق، اعتمدت تل أبيب على شبكات غربية وأوروبية واسعة لتأمين الاختراقات اللوجستية والأمنية. أمّا اليوم، وبعد تغيّرات سياسية كبرى وتراجع مستويات التعاون التقليدي، فقد ظهر نمط جديد أكثر خطورة: تنسيق أمني عربي ـ إسرائيلي مع بعض الأطراف، تحت عناوين متعددة تبدأ بـ«مواجهة الخطر المشترك» ولا تنتهي عند إعادة تعريف العدو نفسه. وهنا تحديدًا يبدأ الانهيار البطيء لمفهوم الأمن القومي العربي. أمن قومي ممزّق المنطقة العربية تُقطّع اليوم كما تُقطّع الذبيحة، قطعة بعد أخرى، لأن العرب لم يعودوا يملكون تعريفًا موحّدًا للخطر، ولا تصوّرًا مشتركًا لمعنى الأمن القومي. بعض الدول باتت ترى إسرائيل شريكًا استراتيجيًا، فيما لا تزال دول أخرى تعتبرها عدوًا وجوديًا. وبين المعسكرين تضيع البوصلة، ويتحوّل مفهوم “المصير العربي المشترك” إلى مجرّد خطاب احتفالي يُرفع في القمم ويُدفن في غرف المصالح الضيقة. الخطير في الأمر أن هذا الانقسام لا يجري فوق الطاولة فقط، بل داخل بنية الأمن العربي نفسها، حيث تنخر التناقضات الجسد من الداخل، بينما يتوهّم الجميع أن الوقت ما زال متاحًا للمناورة. لكن التاريخ لا ينتظر المترددين. من ينتظر أمنه من واشنطن أو طهران أو تل أبيب، لا يبني دولة؛ بل يسلّم وطنه بالتقسيط لمن يرسمون الخرائط بالنار كماشة إيران وعقيدة التوسع الإسرائيلية لا أحد يستطيع تبرئة النظام الإيراني من سياسات التمدّد والفوضى الإقليمية. غير أن اختزال الخطر في إيران وحدها يمنح إسرائيل فرصة ذهبية لتقديم نفسها كحليف طبيعي، بينما هي تحمل مشروعًا أخطر وأكثر رسوخًا واستمرارية. إسرائيل ليست مجرد دولة تبحث عن أمنها، بل كيان تحكمه، لدى جزء واسع من يمينه الحاكم، عقيدة توسّع تعتبر المنطقة فضاءً مفتوحًا لإعادة التشكل بالقوة. وما يحدث منذ السابع من أكتوبر ليس مجرد حرب عابرة، بل إعادة هندسة جغرافية ونفسية للإقليم كله. فمنذ ذلك التاريخ، احتلت إسرائيل أكثر من 1127 كيلومترًا مربعًا من الأراضي العربية في غزة والضفة ولبنان وسوريا، وترفض الانسحاب منها، مضيفة ما يقارب 5.3% إلى المساحات الواقعة تحت سيطرتها المباشرة. ولم تعد تتحرّك فقط عند حدود فلسطين التاريخية، بل تمدّدت استخباريًا وعسكريًا حتى عمق العراق، حيث تتصرّف بعقلية المنتصر الذي يرى الإقليم بأسره ساحة نفوذ مشروعة. والأخطر أن هذا السلوك لا يبدو مؤقتًا، بل جزءًا من تصوّر استراتيجي طويل الأمد. اتفاقيات لا تغيّر الجغرافيا قد توقّع الدول اتفاقيات سلام، وقد تتبادل السفارات والابتسامات والرحلات الجوية، لكن الجغرافيا لا تتغيّر بالحبر، ولا تُمحى العقائد التوسّعية بصورة جماعية أمام عدسات الكاميرات. الدولة التي تتجاهل حقيقة إسرائيل الاستراتيجية فقط لأن مسؤولًا عجوزًا وقّع ورقة سلام، إنما ترتكب خطأً قاتلًا بحق أمنها ومستقبل أجيالها وتنميتها المستدامة. فالتاريخ يعلّمنا أن القوى التوسعية لا تتوقف عند حدود الاتفاقيات حين تشعر باختلال موازين القوة. وما بين مطرقة إيران وسندان إسرائيل، يقف الأمن القومي العربي اليوم على حافة هاوية، بلا مشروع جامع، ولا رؤية موحّدة، ولا حتى إدراك حقيقي لطبيعة المرحلة. المأساة ليست فقط في حجم الأخطار، بل في طريقة تعامل العرب معها. هناك من ينتظر أن تنقذه واشنطن، وهناك من يراهن على طهران، وآخرون يظنون أن تل أبيب يمكن أن تتحوّل إلى مظلة استقرار. skip render: ucaddon_box_testimonial
تبدو إيران للوهلة الأولى دولة متماسكة تقوم على هوية قومية فارسية ونظام سياسي ديني شيعي. لكن خلف هذه الصورة تختبئ بنية اجتماعية معقدة تتكوّن من فسيفساء واسعة من القوميات والمذاهب. فإلى جانب الفرس الذين يشكّلون الأغلبية، تعيش داخل البلاد أقليات كبيرة أبرزها الأذريون والبلوش والعرب والأكراد والتركمان في قلب هذا النسيج الاجتماعي والسياسي المعقد، تقف الأقليات الكردية والسنية شاهدة على تاريخ طويل من التحديات والتهميش والسعي للحفاظ على الهوية. وعلى الرغم من أن النظام الإيراني يسعى إلى تقديم صورة لدولة متجانسة تقوم على القومية الفارسية والمذهب الشيعي، فإن هذه الأقليات، التي تشكّل نسبة مهمة من السكان، تمثل واقعًا ديموغرافيًا وثقافيًا لا يمكن تجاهله. هذا التقرير يحلل تاريخ وواقع الأقليات القومية والمذهبية في إيران، ويسلط الضوء على سياسات التهميش التي تتهم طهران بممارستها، كما يستشرف الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الأقليات في أي تحولات سياسية مستقبلية داخل البلاد. الأكراد… نضال عبر العصور يمتد الوجود الكردي في إيران إلى قرون طويلة، إذ يعتبر الأكراد من الشعوب الأصيلة في المنطقة. ويشير عدد من المؤرخين إلى أن الميديين الذين أسسوا إمبراطورية في القرن السابع قبل الميلاد يمثلون أحد الجذور التاريخية للشعب الكردي. بعد الفتح الإسلامي، أسس الأكراد عدة إمارات سياسية بين القرنين العاشر والثاني عشر، قبل أن تتغير المعادلات مع قيام الدولة الصفوية في القرن السادس عشر. شكّل صعود الصفويين نقطة تحول مفصلية، إذ فرض الشاه إسماعيل الصفوي المذهب الشيعي بالقوة، ما أدى إلى صراع مع الأكراد الذين يدين معظمهم بالمذهب السني. هذه السياسة لم تؤد فقط إلى تهجير مناطق كردية وتدميرها، بل ساهمت في ترسيخ شعور بالاختلاف القومي والديني داخل الوجدان الكردي. وفي القرن العشرين، تجسد الطموح القومي الكردي في تأسيس جمهورية مهاباد عام 1946، التي لم تعش سوى أحد عشر شهرًا لكنها بقيت رمزًا بارزًا في الذاكرة السياسية الكردية. الأقليات في إيران ليست مجرد أطراف جغرافية مهمّشة، بل عقدة سياسية كامنة قد تحدد مستقبل الدولة نفسها السُنة أقلية بعد قرون من الأغلبية خلافًا للصورة السائدة اليوم، كانت إيران ذات غالبية سنية لما يقارب تسعة قرون بعد الفتح الإسلامي. فقد اتبع سكان بلاد فارس في معظمهم المذاهب السنية، خاصة الشافعية والحنفية، وكانت إيران أحد المراكز المهمة للعلوم الدينية السنية. لكن هذا الواقع تغير جذريًا مع وصول الصفويين إلى السلطة عام 1501، حين فُرض المذهب الشيعي الاثني عشري دينًا رسميًا للدولة، وغالبًا ما تم ذلك بالقوة. وقد أدت هذه العملية التاريخية إلى تغيير ديموغرافي مذهبي واسع، حوّل السنة تدريجيًا من أغلبية إلى أقلية تعيش آثار ذلك التحول حتى اليوم. دولة متعددة القوميات تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الفرس يشكّلون ما بين 55 و60 بالمئة من سكان إيران، فيما يتوزع الباقون بين قوميات متعددة، أبرزها: الأذريون: 15 إلى 20 % الأكراد: نحو 10 % العرب: 2 إلى 3 % البلوش: نحو 2 % التركمان ومجموعات أخرى بنسب أقل تتركز معظم هذه الأقليات في المناطق الحدودية للدولة، وهو عامل جيوسياسي مهم يمنحها امتدادات قومية خارج الحدود. سياسات التهميش والتمييز تشكو الأقليات القومية والمذهبية في إيران من تمييز سياسي واقتصادي وثقافي. فعلى الصعيد السياسي، نادرًا ما يتولى أبناء هذه الأقليات مناصب عليا في الدولة، مثل الوزارات أو المحافظات أو المناصب السيادية. أما اقتصاديًا، فتُعد مناطق الأقليات من بين الأكثر حرمانًا في البلاد، إذ تعاني من نسب مرتفعة من البطالة والفقر وضعف البنية التحتية. ثقافيًا، تفرض السلطات قيودًا على تعليم اللغات المحلية، مثل الكردية أو البلوشية، كما يواجه السنة قيودًا على بناء المساجد في بعض المدن الكبرى، بما في ذلك العاصمة طهران. وتشير تقارير حقوقية إلى اعتقالات متكررة تطال ناشطين من هذه الأقليات، إضافة إلى استخدام القوة في قمع الاحتجاجات، كما حدث في المناطق الكردية والبلوشية عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني عام 2022. العرب في خوزستان… النفط والهوية في جنوب غرب إيران تقع محافظة خوزستان، وهي واحدة من أكثر مناطق البلاد أهمية من الناحية الاقتصادية. فالمنطقة تحتوي على الجزء الأكبر من احتياطات النفط الإيرانية، وتشكّل شريانًا حيويًا لاقتصاد البلاد. يعيش في خوزستان خليط من القوميات، لكن العرب يشكّلون نسبة مهمة من السكان، خاصة في المناطق القريبة من الحدود العراقية. وقد شهدت المحافظة احتجاجات متكررة خلال السنوات الماضية، خصوصًا على خلفية أزمات المياه والتلوث البيئي والبطالة. البلوش… الخاصرة الأمنية الرخوة في جنوب شرق إيران تقع محافظة سيستان وبلوشستان، وهي واحدة من أفقر مناطق البلاد وأكثرها اضطرابًا. ينتمي معظم سكانها إلى القومية البلوشية ويتبعون المذهب السني، ويشتكون منذ عقود من التهميش الاقتصادي والسياسي. بسبب هذه الظروف، شهدت المنطقة عدة حركات تمرد مسلحة، أبرزها جماعة جند الله التي نفذت هجمات ضد قوات الأمن الإيرانية في العقد الأول من الألفية. ورغم نجاح طهران في احتواء كثير من هذه التمردات، فإن المنطقة ما زالت توصف بأنها الخاصرة الأمنية الرخوة للدولة الإيرانية. لماذا تخشى طهران “تمرد الأطراف”؟ في العلوم السياسية، تواجه الدول متعددة القوميات خطر ما يُعرف بـ تمرد الأطراف، أي اندلاع الحركات الاحتجاجية أو المسلحة في المناطق البعيدة عن مركز السلطة. وفي حالة إيران، تعيش معظم الأقليات في المناطق الحدودية، ما يمنحها ثلاثة عناصر حساسة: امتدادات قومية عبر الحدود، إمكانية التواصل مع جماعات مماثلة في دول أخرى، البعد الجغرافي عن مركز السلطة في طهران. ومع ذلك، لم تنجح أي حركة انفصالية حتى الآن في تهديد وحدة الدولة الإيرانية بشكل فعلي. في إيران، لا يبدأ الصدع من قلب طهران دائماً… بل من أطرافها القومية والمذهبية هل يمكن للأقليات إسقاط النظام؟ رغم حجمها وتأثيرها الجغرافي، يرى معظم الباحثين أن الأقليات وحدها غير قادرة على إسقاط النظام الإيراني. فالسلطة في طهران تستند إلى شبكة قوية من المؤسسات الأمنية والعسكرية، إضافة إلى قاعدة اجتماعية في المدن الكبرى. لكن في حال تزامن عدة عوامل، مثل: احتجاجات واسعة في المدن الكبرى، أزمة اقتصادية حادة، ضغط دولي متزايد، اضطرابات في المناطق الحدودية، فقد تتحول الأقليات إلى عامل مضاعف للأزمة السياسية داخل البلاد. لم تنجح سياسة القبضة الأمنية التي يتبعها النظام الإيراني في دمج الأقليات بشكل كامل داخل الهوية السياسية للدولة. بل يرى بعض المراقبين أن هذه السياسة ساهمت في تعميق مشاعر الغضب والاحتقان في مناطق الأطراف. ورغم أن الأقليات قد لا تكون القوة الوحيدة القادرة على تغيير النظام، فإن أي تحول سياسي كبير في إيران لن يكون ممكنًا دون مشاركتها الفاعلة ومعالجة مظالمها التاريخية. فإيران ليست دولة متجانسة، بل دولة متعددة الهويات. وفي لحظات التحول الكبرى، غالبًا ما تبدأ التغييرات… من الأطراف.
كلّ شيءٍ في تلك المناظر التي بدأت من طائرةِ الرئاسة الأميركية الأولى، مروراً بكنيست تل أبيب وانتهاءً بشرم الشيخ، كان يُوحي بالخفّة. كلّ شيء… ما عدا هولَ ما جرى ويجري في غزّة، بحقّ القضيّة، بحق العرب، والشرق الأوسط، والأمّة، وبحق الإنسانيّة جمعاء.