يثير التباينُ الصارخ بين ما جرى في كراكاس وما عجزت عنه القوّةُ ذاتُها في غزّة سؤالًا مركزيًّا في فهم الحروب المعاصرة. كيف يمكن لقوّاتٍ نخبويةٍ أميركية أن تُنفّذ عمليّةً خاطفةً في قلب عاصمة دولةٍ ذات سيادة، وأن تعجز، في المقابل، عن تحقيق هدفٍ مشابه في مساحةٍ جغرافيّةٍ صغيرةٍ ومُحاصَرة، رغم مرور عامين على حربٍ مدمّرة لم تشهدها المنطقة من قبل؟ هذه المقارنة لا تنطلق من المفارقة الإعلاميّة، بل من جوهر التحليل العسكري. فالقوّة التي استطاعت اختراق مركز الحكم في كراكاس وتنفيذ عمليّة دقيقة خلال دقائق، اصطدمت في غزّة بواقعٍ مختلفٍ تمامًا، واقعٍ حوّل القطاع إلى لغزٍ عمليّاتي استعصى على أكثر وحدات النخبة تطوّرًا. الاستخبارات… الخيانة والصمت الكامل في فنزويلا، كان العاملُ الاستخباراتيّ حاسمًا. الأنظمة السياسيّة التقليديّة، ولا سيّما تلك الواقعة تحت ضغطٍ اقتصاديّ وعقوباتٍ خانقة، غالبًا ما تعاني من تآكل الولاءات داخل مؤسّساتها. هذا النوع من البيئات يسمح للاستخبارات الخارجيّة باختراق الدوائر الضيّقة، وتحويل الحراسة من خطّ دفاعٍ إلى نقطة ضعف. حين تتوافر معلومات دقيقة عن تحرّكات الرئيس، ومكان إقامته، وسلوكه اليومي، تصبح العمليّة مسألةً تقنيّةً بحتة، مهما بدا الموقع مُحصّنًا. في المقابل، تمثّل غزّة نموذجًا معاكسًا تمامًا. فالمقاومة هناك لا تعمل وفق هرمٍ قياديٍّ كلاسيكي، بل ضمن بنيةٍ لا مركزيّة، لا تعرف وحداتها بعضها بعضًا إلّا بالحدّ الأدنى الضروري. قنوات الاتصال لا تعتمد على الوسائل الرقميّة القابلة للاختراق، بل على شبكاتٍ بدائيّةٍ وسُعاةٍ بشريّين، ما يُحوّل القطاع إلى بيئةٍ «صمّاء» استخباراتيًّا، حيث لا مركزَ ثِقَلٍ واحد يمكن اختراقه أو تعطيله. من القصر الرئاسي إلى الأزقّة المغلقة العامل الجغرافي يُوسّع الفجوة بين التجربتين. فمهما بلغت تحصيناتُ القصور الرئاسيّة، تبقى منشآتٍ فوق الأرض، قابلةً للرصد الحراريّ، والتصوير الفضائيّ، والتحليل الزمنيّ. العمليّات في مثل هذه البيئات، حتّى وإن جرت في مدنٍ كبرى، تبقى محكومةً بقواعد الحرب الحضريّة التقليديّة، حيث يلعب التفوّق التكنولوجي الدور الحاسم. أمّا في غزّة، فالمعركة تجري في بُعدٍ ثالث، تحت سطح الأرض. شبكة الأنفاق الواسعة، المعروفة بـ«مترو غزّة»، لا تُحيّد التفوّق الجويّ فحسب، بل تقلب ميزان القوّة رأسًا على عقب. الدخول إلى هذا العالم السفليّ لا يخضع لمنطق الاشتباك المعروف، بل يضع القوّات المهاجِمة أمام مساحاتٍ مُغلَقة صُمّمت للاستنزاف والكمائن، حيث تتحوّل أفضليّة التدريب إلى عبء، والمناورة إلى مخاطرةٍ قاتلة. في هذا السياق، تفقد الطائراتُ المُسيَّرة والأقمارُ الصناعيّة قيمتَها العمليّاتيّة، وتصبح القوّةُ الناريّة عاجزةً عن إنتاج حسم. النفق الواحد قد يُلغي كتيبةً كاملة، لا بسبب السلاح، بل بسبب القواعد المختلفة التي تحكم القتال فيه. لذلك، تُدرِك قوّات النخبة أن الدخول العميق إلى هذه الشبكات ليس مغامرةً محسوبة، بل مقامرةً استراتيجيّة قد تنتهي بخسائر غير قابلة للتبرير سياسيًّا أو عسكريًّا. منطق الدولة ومنطق الفداء لكنّ الفارق لا يقتصر على التكنولوجيا والجغرافيا، بل يمتدّ إلى البنية النفسيّة والعقائديّة للمقاتلين. في الدول، حتّى أكثر الوحدات تدريبًا تبقى جزءًا من مؤسّسةٍ وظيفيّة، محكومةً بسلسلة أوامر وبحسابات النجاة والانضباط. في لحظات الحسم، يظلّ خيارُ الانسحاب أو الاستسلام واردًا. في غزّة، تُحيط بقادة المقاومة مجموعات ترى القتال خيارًا وجوديًّا، لا مهمّةً عسكريّة قابلةً للتفاوض. هذا الفارق يجعل سيناريو «الاختطاف والعودة الآمنة» شبهَ مستحيل، لأن الطرف المدافع لا يسعى إلى كسب الوقت أو تقليل الخسائر، بل إلى منع الهدف من المغادرة مهما كان الثمن. الفرق الأعمق يتجلّى في طبيعة الخصم نفسه. الولايات المتّحدة بارعة تاريخيًّا في استهداف الدول، لأن الدولة كيانٌ هرميّ: إذا سقط الرأس، اهتزّ الجسد بأكمله. أمّا في غزّة، فالخصم ليس دولةً بالمعنى التقليدي، بل حالةٌ نضاليّة لا مركزيّة. تغييبُ قائد، أو حتّى تصفيته، لا يؤدّي إلى نهاية الصراع، بل قد يُشعل مرحلةً جديدةً منه. هذا العجز البنيويّ عن تحديد «الهدف القاتل» هو ما حوّل غزّة إلى مساحة استنزافٍ مفتوحة، تُنفَق فيها مليارات الدولارات دون إنتاج صورة نصرٍ حاسمة قابلة للتسويق السياسي أو الإعلامي. نجاح وفشل نجحت واشنطن في كراكاس لأنها واجهت نظامًا يمكن تفكيكه من الأعلى، وفشلت في غزّة لأنها تواجه مجتمع مقاومةٍ متجذّرًا في الأرض والوعي معًا. ما بدا استعراضًا للقوّة في الحالة الأولى، تحوّل في الحالة الثانية إلى شهادةٍ على حدود تلك القوّة. غزّة لا تهزم الجيوش بالتقنيّة، بل بتجريدها من معناها. إنّها تذكيرٌ قاسٍ بأن التفوّق العسكري، مهما بلغ، يظلّ عاجزًا حين يواجه تنظيمًا لا مركزيًّا، وعقيدةً غير قابلة للكسر، وإنسانًا قرّر أن يجعل من الأرض نفسها سلاحًا.
ما بعدَ المتحدّث، وما قبلَ الخلود. «يا أبناءَ شعبِنا الفلسطينيِّ المُجاهد… يا جماهيرَ أُمّتِنا العربيّةِ والإسلاميّة… أيّها الأحرارُ في كلِّ العالم… السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته». لم تكن هذه الكلماتُ مجرّدَ افتتاحيّاتِ بياناتٍ عسكريّة، بل تحوّلت، مع الوقت، إلى طقسٍ جمعيّ. جملةٌ تعبرُ الشاشاتِ لتستقرَّ في الوعي، وتُعلن أنَّ الصوتَ الآتي ليس صوتَ فرد، بل صدى شعبٍ بأكمله. ومع خبرِ استشهادِ الناطقِ العسكريّ باسمِ كتائبِ القسّام، المعروف بـ«أبو عبيدة»، بدا الفراغُ أوسعَ من غيابِ شخص، وأعمقَ من فقدانِ متحدّث. كنّا نكذّبُ الصمت، ونفتّشُ في رنينِ الصدى عن «يا أهلَنا»، لكنّ الملامحَ التي لم نرَها يومًا كانت قد رُسِمت في مقامٍ أعلى. رحل أبو عبيدة، لكنّه لم يُغادر. بقي صوتًا يهزُّ المعنى قبلَ الأرض، ولثامًا لم يكن إخفاءً للوجه بقدرِ ما كان كشفًا للفكرة: أنَّ القضيّةَ أكبرُ من الاسم، وأنَّ الرمزَ حين يكتمل، يستغني عن الجسد. لم يكن مجرّدَ ناطقٍ رسميّ باسمِ فصيلٍ مسلّح. في لحظاتِ الانهيارِ العام، تحوّل إلى نبضِ شارع، وطمأنينةِ قلوبٍ مُنهَكة، ويقينٍ مؤقّت نعلّقه على حبالِ الخوف. كان خطابُه مقتصدًا، صلبًا، محسوبَ الكلمات، لكنّ أثرَه كان عاطفيًّا عميقًا، لا لأنّه وعد بالنصر، بل لأنّه أعاد تعريفَ الصبر بوصفه فعلَ مقاومةٍ نفسيّة قبلَ أن يكون عسكريًّا. لم يكن مجرّدَ ناطقٍ رسميّ باسمِ فصيلٍ مسلّح. في لحظاتِ الانهيارِ العام، تحوّل إلى نبضِ شارع، وطمأنينةِ قلوبٍ مُنهَكة، ويقينٍ مؤقّت نعلّقه على حبالِ الخوف يُوارى الثرى الجسد، لكنّ «خارطةَ الطريق» التي رسمها بإصبعه لم تُدفن. ما زالت تُشير، بوضوحٍ لا تُخطئه العيون، نحو القدس. في زمنِ التشويشِ السياسيّ، والانقسام، وتآكُلِ السرديّات، شكّل أبو عبيدة حالةً نادرةً من الانضباطِ الرمزيّ؛ لا إفراطَ في الظهور، ولا تراجعَ في الرسالة. المفارقةُ المؤلمة أنّ رحيله جاء في صمتِ الكبار، في الوقتِ الذي كان فيه كثيرون ينتظرون إطلالتَه ليقول: النصرُ صبرُ ساعة. فإذا به هو النصر، وهو الساعة. لحظةٌ يتكثّف فيها المعنى، ويُصبح الغيابُ نفسه خطابًا. لا تتّفق شعوبُ العالم على الوسائل، لكنّها تفهم الرموز. وأبو عبيدة، سواء اتُّفِق معه أو اختُلِف، تجاوز موقعَه التنظيميّ ليُصبح ظاهرةً اتّصاليّة في صراعٍ غيرِ متكافئ، حيث تُدارُ المعاركُ على الوعي بقدرِ ما تُدار على الأرض. لذلك، فإنّ استشهادَه ليس حدثًا فلسطينيًّا داخليًّا فحسب، بل محطةٌ دالّة في كيفيّة تشكُّلِ الرموز في زمنِ الحروبِ المفتوحة والعدالةِ المؤجَّلة. نمْ قريرَ العين خلفَ لثامِك الأبديّ. فقد أدّيتَ الأمانةَ حتّى ذاب الصوتُ في صدى الخلود، وتركتَ خلفك جيلًا لا يرى في الانكسار نهاية، بل أولى خطواتِ العبور. عزاؤنا أنّك لم تمتْ لتغيب، بل لتوقظَ فينا ألفَ «أبو عبيدة» لا يسقطون… لأنّهم، ببساطة، لم يعودوا أفرادًا، بل معنى.
الخيانةُ ليستْ حدثًا طارئًا يمرّ في هوامشِ الأيّام، بل جُرحٌ أسودُ يبقى مفتوحًا في جسدِ الأُمّة. قد يصرّ البعضُ على أنّ الزمنَ دواءٌ للجراح، لكنَّ خيانةَ الوطنِ لا تُشفى، لأنّها تعيشُ في ذاكرةِ الجماعةِ وتُورَّث كتحذيرٍ أبديّ.ومشهدُ مقتلِ العميل «ياسر أبو شباب» في غزّة أمس ليسَ مجرّدَ نهايةِ رجلٍ فقدَ بوصَلَتَه؛ إنّه جرسُ إنذارٍ جديدٌ يُذكّرُ بأنَّ مَن يسقطُ في يدِ الاحتلال يُمحى اسمُه قبل أن يُدفَن جسدُه. من لحد إلى غزّة تاريخُ العملاءِ في منطقتِنا يكتبُ فصولَه المريرةَ بوقائعَ لا تتغيّر. في جنوبِ لبنان، وقفَ أنطوانُ لحد على رأسِ جيشٍ خدمَ الاحتلال، وظنَّ أنَّ البندقيّةَ التي يسلّمُها العدوُّ لِمَن يَرتضيها ستصنعُ لهُ مجدًا. عاشَ سنواتِه الأخيرةَ في منفى قاحلٍ، لا وداعٌ في مطار، ولا قبرٌ في ترابِ الوطن. نامَ على أسرّةٍ غريبةٍ لا تتذكّره، وماتَ بلا يدٍ تُصافحُه للمرّةِ الأخيرة.وفي غزّة، ظنَّ «أبو شباب» أنَّ دَورَه مختلف، وأنّ العدوَّ الذي يقتحمُ البيوتَ ويقتلعُ الأشجار قادرٌ على منحِ مَن يخدمُه حصانةً من الحساب. نَسِيَ أنَّ خيانةَ الدمِّ لا تُحمى بدبّابة، وأنَّ مَن يرفعُ السلاحَ في وجهِ أبناءِ شعبِه، يكتبُ نهايتَه بيديه. فجاءَه الموتُ من نفسِ اليدِ التي دلّلَته وهندستْ انحرافَه. ماتَ قربَ عدوِّه لا قربَ أهلِه، على سريرٍ مُنفِّرٍ لا يُشبِهُ تاريخَه ولا يُشبِهُ المكانَ الذي خرجَ منه طفلًا فلسطينيًّا كباقي الأطفال. في غزّة، ظنَّ «أبو شباب» أنَّ دَورَه مختلف، وأنّ العدوَّ الذي يقتحمُ البيوتَ ويقتلعُ الأشجار قادرٌ على منحِ مَن يخدمُه حصانةً من الحساب. نَسِيَ أنَّ خيانةَ الدمِّ لا تُحمى بدبّابة كيفَ يولدُ الخائن؟ الخيانةُ ليستْ قرارًا عابرًا يُتّخذُ في ليلةِ غفلة. إنّها سلسلةُ تنازلاتٍ تبدأ حين يتزعزعُ الإيمانُ بالوطن، حين يتحوّلُ الانتماءُ إلى زائدةٍ يمكنُ استئصالُها دونَ ألم. وأحيانًا يُخدَعُ المالُ صاحبَه، فيُصدّقُ أنّه أصبحَ أعلى من الناس. وأحيانًا يضغطُ الخوفُ، فيتخيّلُ الخائنُ أنَّ النجاةَ لا تأتي إلّا من بوّابةِ العدوّ. لكنْ في الحالتين، ينسى أنَّ الاحتلالَ لا يبني صداقات، بل يصنعُ أدوات. يدفعُ العميلَ إلى الصدارةِ مؤقّتًا، لا حبًّا به، بل لاستخدامِه جسرًا لتصفيةِ حساباتٍ مع شعبِه.ثمّ، حين تنتهي الوظيفةُ، يُترَكُ الجسرُ وحدَه، يتآكلُه السقوط، ويُصبِحُ مجرّدَ خشبةٍ مكسورةٍ على طرفِ الحكاية. موتٌ بلا وداع الاختلافُ شأنٌ وطنيٌّ صحيّ، تصنعُهُ الحرّيةُ وتضبطُهُ المسؤولية. أمّا الخيانةُ، فهي القطيعةُ الكاملةُ مع ضميرِ الوطن. فالذي يخونُ لا يعودُ مُعارِضًا سياسيًّا، بل يتحوّلُ إلى رصاصةٍ في يدِ الغريب. لا يُطلِقُ النارَ في الهواء، بل يُصيبُ القلوبَ مباشرةً. في لحظةٍ واحدةٍ، يتحوّلُ من ابنٍ للبلد إلى غريبٍ منبوذٍ، مهما رفعَ من شعاراتٍ أو ادّعى نوايا.وحين تتلوّنُ أصابعُهُ بدماءِ الأبرياء، يصبحُ الوطنُ بالنسبةِ إليه مجرّدَ رقعةٍ جغرافيّةٍ لا تستحقُّ البقاءَ ولا تستحقُّ الدفاع.مات «أبو شباب» في غزّة ولم يقتربْ من جثمانِه صديقٌ ولا جار. لم يُبكَ في المخيّمات، ولم يُرفَعْ له علم. تحوّل موتُه إلى راحةٍ جماعيّة، كأنَّ الأرضَ تخلّصتْ من ثقلٍ كان يختنقُ على صدرِها. الصورةُ مؤلمةٌ لكنها عادلة: لا أحدَ يستطيعُ أن يطلبَ من الناسِ احترامَ مَن أهانَهم بالسلاح، وأجازَ دمَهُ بيعًا وشراءً تحت حراسةِ المحتلّ.لقد خرجَ من الجغرافيا الفلسطينيّة قبل أن يُغادِرَها فعليًّا. تخلّى عنه الوطنُ منذ اللحظةِ التي رفعَ فيها بندقيّتَه على صدورِ أبنائه. وما حدثَ اليوم ليسَ إلّا إسدالَ السّتارةِ على فصلٍ كان يجبُ أن يُطوى منذ زمن. حصانةُ المجتمعِ معالجةُ الخيانةِ لا تكونُ بالانتقامِ وحده، بل بالبحثِ في جذورِها. فالأرضُ التي تُهمَلُ تُنتجُ تشقّقات، والتشقّقاتُ تسمحُ للعدوّ بالتسرّب. حمايةُ المجتمعِ من خطرِ العمالةِ تبدأ بحياةٍ عادلةٍ تحفظُ الكرامة، بإعلامٍ يرفعُ الوعي، بتعليمٍ يجعلُ الانتماءَ قيمةً غيرَ قابلةٍ للمساومة، وبوطنٍ لا يتركُ أبناءَه فريسةً للخوفِ والجوعِ والوحدة.فالهدفُ ليسَ فقط معاقبةَ الخائنين، بل منعُ ولادتِهم من جديد. روائح كريهة رغم سعيه الدؤوب لاسترضاء أطراف سياسية وقوى فاعلة في المدينة، عبر باقة من الخدمات والأموال المصروفة تحت مسمّيات متعدّدة، إلا أنّ روائح كريهة فاحت من العديد من المشاريع التي كانت تنفّذها “جمعية حسونة”. وُجّهت له، ولجمعيته، العديد من التهم والمساءلات، جعلت السكوت عنها صعباً، بل مستحيلاً، حتى وصل الأمر إلى إخضاع الجمعية للتحقيق من قبل منظمة اليونيسف، التي وضعتها لاحقًا على “اللائحة السوداء”، وأوقفت التعامل معها. وقد انعكس ذلك تراجعًا ملحوظًا في نشاطه وحضوره، وأدّى إلى تقوقعه في مكتب منزوٍ في قرية لبعا شرق صيدا، معتمدًا على مشاريع صغيرة لتسيير الوقت، تحيّناً لفرصة جديدة للانقضاض على المدينة عبر مجلسها البلدي القادم. قد يرى فضل الله حسونة في نفسه أنه قدّم لصيدا، وأنّ ما يقوم به هو “جزء من حقه المكتسب”، نظراً لدوره في صفوف “الحركة الوطنية” إبان الاجتياح الإسرائيلي. لكن الهدف من هذا المقال، وما سيليه، ليس النيل من الرجل أو جمعيته أو عمله، بل هو دقّ ناقوس الخطر لتنبيه المدينة إلى مسارات شاذة ومؤذية، لا بد من تصحيحها. فالسكوت عنها… يصبح مشاركة في الإضرار بصيدا وأهلها. وهي من المهام التي أخذت “البوست” على عاتقها التصدي لها لمصالح المدينة وأهلها، مهما كانت الأثمان. مَن يختارُ أن يكونَ ابنًا للعدوّ، يفقدُ حقّه في أن يكونَ ابنًا للوطن. ومَن يموتُ على سريرِ قاتلِ أهلِه، لا يستحقُّ أن يحظى بمأتمٍ يليقُ بالبشر. سيظلُّ اسمُه عبرةً: مثالًا على أنّ الخيانةَ لا تجلبُ الأمن، بل تتركُ صاحبَها جثّةً باردةً في حضنٍ غريب. ما أبشعَ أن يموتَ الإنسانُ على سريرِ قاتلِ أهلِه، وما أرحمَ أن يرحلَ واقفًا على أرضِه، محمولًا على أكتافِ الذين يشبهونه ويحبّونه.