أثارت زيارة المغني اللبناني راغب علامة الأخيرة إلى دمشق، قبل أيام، واستقباله الرسمي من قِبل وزير السياحة في الحكومة السورية بهدف “الترويج السياحي وإحياء الحفل الجماهيري المرتقب”، سخطًا واسعًا وعارمًا بين السوريين. هذا السخط لم يكن مجرد عتب عابر، بل صدمة حقيقية مشوبة بالمرارة تجاه فنان ارتضى، لسنوات طويلة، أن يدعم بفنه نظامًا ديكتاتوريًا قورنت فظائعه وجرائمه ضد شعبه بأبشع الأنظمة الشمولية، كالنازية والفاشية. هي قصة فنان يريد أن يغني مجددًا فوق الرماد، متناسيًا أن ذاكرة الشعوب الحية لا تموت برشة عطر أو نغمة “سوبر ستار”. الفن في محكمة الأخلاق التاريخ لا يرحم المتلونين، والتجارب الإنسانية تعيد إنتاج نفسها بوجوه مختلفة. وإذا تطلعنا إلى التاريخ الأوروبي عقب الحرب العالمية الثانية، نجد كيف تعاملت المجتمعات الديمقراطية الحرة مع الفنانين الذين اصطفوا في خندق الديكتاتور هتلر أو برروا فظائعه. أسماء أسطورية في عالم الغناء الأوبرالي والموسيقى، مثل السوبرانو “إليزابيث شوارزكوف” وقائد الأوركسترا “هيربرت فون كارايان”، واجهوا محاكمات قاسية وعزلًا ثقافيًا واجتماعيًا صارمًا ضمن ما عُرف بـ”إجراءات اجتثاث النازية”. في تلك المرحلة، لم تشفع لهؤلاء الفنانين عبقريتهم الموسيقية ولا جمال أصواتهم. لقد رأت الشعوب الأوروبية، وخاصة ضحايا النازية، أن اعتلاء هؤلاء المسارح مباشرة بعد الحرب يُعد إهانة صريحة ووقحة لمشاعر الثكالى والناجين من معسكرات الموت. كانت الرسالة الأخلاقية حينها واضحة وجلية: الفن لا ينفصل عن الإنسانية، ومن يمنح صوته لتمجيد القاتل، يفقد الحق في أن يستمع إليه الضحايا. بالمقارنة، نجد أن راغب علامة، الذي طالما هنأ بشار الأسد بـ”انتخاباته الصورية” ووصف البلاد بـ”سوريا الأسد”، بل وخرج في لقاءات تلفزيونية ليشيطن تطلعات الشعب السوري نحو الحرية، زاعمًا أنها لم تكن ثورة بل “مشروعًا”؛ يعود اليوم وكأن شيئًا لم يكن. يعود حاملًا شعار “سوريا تستحق الفرح”، متناسيًا أنه أسهم بصوته ومواقفه في تغييب الفرح عن ملايين السوريين الذين هُجّروا واعتُقلوا وقُتلوا. إن قفزة راغب الاستعراضية إلى دمشق، متسلحًا بدعوة رسمية، هي إعادة إنتاج فجّة لمحاولات تطبيع الدفاع عن الجلاد عبر الفن، وهو أسلوب طالما سقط في اختبارات التاريخ الأخلاقية. skip render: ucaddon_material_block_quote تلوّن “السوبر ستار” يُجسّد راغب علامة نموذج “الفنان البراغماتي” الذي يحب اللعب على الحبال السياسية المتقاطعة لضمان مصالحه الفنية والشخصية. لم تقتصر مواقفه على دعم النظام السوري فحسب، بل امتدت لتشمل مغازلة دوائر القوة والنفوذ في لبنان؛ إذ حرص لسنوات على إظهار قربه الشديد وتقديره للأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصر الله، والدوائر الشعبية التابعة له، طمعًا في كسب الغطاء السياسي والحماية الأمنية في بيئة لبنانية معقدة. لكن المثير للسخرية والنقد في آن معًا هو التلون السريع والتحول الجذري الذي يطبع سلوك علامة عند أي منعطف خطير. فحين تتبدل موازين القوى أو يواجه النظام وحلفاؤه تراجعات، يسارع راغب إلى ممارسة سياسة النعامة؛ فيهرب من أسئلة السياسة مدعيًا براءة الفن الخالص. وفي الكثير من اللقاءات، حين تضيق عليه مساحات المناورة، ينسحب ببرود قائلًا: “أنا فنان… ليس لي دخل بسياسة الدول الأخرى”. هذا التناقض الصارخ بين المديح الفج والتهنئة بالولايات الرئاسية الملطخة بالدماء، وبين الادعاء اللاحق بالحياد الثقافي، يعكس تناقضًا أخلاقيًا كاملًا. إنه التلون الذي يجعل من “الحب” مجرد سلعة تجارية، ومن “عشق الأوطان” مجرد تذكرة مرور لإقامة الحفلات على حساب مشاعر الناس المنتهكة. بين راغب وفضل لا يمكن قراءة المشهد الحالي لراغب علامة بمعزل عن عقدة التنافس التاريخي الكبرى التي جمعته بالفنان فضل شاكر. هذا التنافس لم يكن موسيقيًا بحتًا، بل تحول بمرور السنين إلى صراع أيديولوجي وسياسي عكس انقسام الشارع العربي والمحلي. فضل شاكر، الذي اعتزل الفن في مرحلة ما وانحاز بشكل مطلق وتام إلى قضايا المظلومين، تحول في وجدان قطاعات واسعة من السوريين المنادين بالحرية وثوار “سوريا الجديدة” إلى رمز فني فريد ومحبوب، رغم كل التعقيدات والملابسات القانونية والسياسية المحيطة بملفه في لبنان. لقد رأى فيه السوريون صوتًا تضامن مع ألمهم ودفع في سبيل ذلك ثمن مسيرته وثروته ونجوميته. على الضفة المقابلة، بدا راغب علامة وكأنه مدفوع بنوع من النكاية الفنية والسياسية؛ فكلما ازداد فضل شاكر قربًا من نبض الشارع الثائر ومن قيم العدالة لشعوب المنطقة، أمعن راغب في الارتماء بأحضان النظم القمعية والدوائر العسكرية التابعة لمحور “الممانعة”، وكأنه يسعى لإثبات ولائه كبديل فني وحيد وموثوق لدى السلطات المستبدة. إن هذا التنافس المحموم جعل من خيارات راغب السياسية أداة في معركة إثبات وجود وتصفية حسابات فنية قديمة، ما أفقده، بالتبعية، تلك الروح الإنسانية العفوية التي يجب أن تميز المبدع الحقيقي. المشكلة ليست أن راغب عاد ليغنّي في دمشق، بل أنه عاد وكأن السوريين نسوا لمن غنّى بالأمس صرخة الضحايا إن الدرس الأكبر الذي يتجاهله فنانون من عينة راغب علامة هو أن “العدالة الثقافية” لا تقل أهمية عن العدالة القضائية. ففي عالم ما بعد الفظائع، لا يمكن بناء “سوريا الجديدة”، أو أي مجتمع ديمقراطي وإنساني حقيقي، من خلال تبييض صفحة أولئك الذين صفقوا للقتلة. الحفاظ على مشاعر الناس، واحترام تضحيات مئات الآلاف من الشهداء والمعتقلين والمغيّبين قسرًا، يتطلب من المؤسسات الثقافية والمنظمات المدنية والجمهور السوري الواعي ممارسة نوع من المقاطعة الأخلاقية الواعية. لا يصح، ولا يجوز إنسانيًا، أن يُستقبل من أنكر عذابات السوريين بالورود والسجاد الأحمر في دمشق وكأن شيئًا لم يكن. أغنية “قلبي عشقها” التي دشّن بها راغب علامة مجده الفني، تكشف اليوم عن وجهها الآخر الأكثر قتامة؛ وجه “الحب” الزائف القاتل الذي يفضّل مصافحة المسؤولين وحصد أرباح السياحة على حساب كرامة شعب مكلوم. skip render: ucaddon_box_testimonial
ليس من قبيل الصدفة أن يبقى حنظلة، بعد أربعة عقود على اغتيال ناجي العلي، أكثر حضورًا من كثير من الزعماء والخطباء والشعارات. فالشخصيات السياسية تولد وتموت مع لحظتها، أما الرموز الحقيقية فتزداد قوة كلما ازدادت الوقائع التي صنعتها قسوةً. في ذكرى اغتيال ناجي العلي، لا يستحضر الفلسطينيون رسامًا استثنائيًّا فحسب، بل يستعيدون طفلًا حافي القدمين، مكتوف اليدين، يدير ظهره للعالم. طفلًا لم يكبر يومًا، لأن فلسطين لم تتحرر يومًا. اختار ناجي العلي اسم «حنظلة» نسبةً إلى نبات الحنظل؛ مُرّ المذاق، لكنه لا يموت في الصحراء. وكأن الرسام أراد أن يقول إن الفلسطيني قد يُقتلع من أرضه، لكنه لا يُقتلع من ذاكرته، وإن الاحتلال يستطيع أن يصادر البيوت، لكنه يعجز عن اقتلاع الجذور. أما عمر حنظلة، فقد ثبّته ناجي عند العاشرة، وهو العمر الذي كان عليه عندما هُجّر من قريته الشجرة في الجليل عام 1948. ومنذ تلك اللحظة، توقف الزمن. قال ناجي إن حنظلة لن يكبر حتى يعود إلى فلسطين. لم تكن عبارةً شاعرية، بل كانت تعريفًا دقيقًا لمعنى اللجوء؛ فالمنفى لا يُقاس بالسنوات، بل بالوطن المفقود. لكن السؤال الذي بقي يرافق العالم لعقود لم يكن: لماذا لم يكبر حنظلة؟ بل لماذا يدير ظهره؟ skip render: ucaddon_material_block_quote أجاب ناجي العلي بنفسه. يدير حنظلة ظهره لأنه يرفض التصالح مع عالم يقبل الظلم، ويتعايش مع الاحتلال، ويحوّل العدالة إلى سلعة تخضع لموازين القوة. إنه احتجاج دائم، لا على الاحتلال وحده، بل على ازدواجية المعايير التي جعلت القانون الدولي نصًّا يُستدعى حين يخدم الأقوياء، ويُهمَل حين يتعلق الأمر بالشعوب الضعيفة. ولذلك، لم يعد حنظلة ملكًا للفلسطينيين وحدهم. لقد أصبح رمزًا لكل مَن شعر أن العدالة مؤجلة، وأن الضحية مطالبة دائمًا بإثبات براءتها، فيما يواصل الجلاد تبرير أفعاله بلغة الأمن والسياسة والمصالح. اليوم، تبدو رمزية حنظلة أكثر راهنيةً من أي وقت مضى. فالمشهد الدولي يعيش أزمة أخلاقية غير مسبوقة. تُرفع شعارات حقوق الإنسان في المؤتمرات، بينما تُختبر هذه الشعارات على الأرض بمعايير مختلفة. يُدان احتلال هنا، ويُبرَّر هناك. تُفرض العقوبات على دول، بينما تُمنح دول أخرى حصانة سياسية مهما بلغت الانتهاكات. وفي خضم هذا المشهد، يقف حنظلة صامتًا، كأنه يقول إن المشكلة لم تكن يومًا في نقص القوانين، بل في غياب الإرادة لتطبيقها بعدالة. ولعل هذا ما يفسر عودة حنظلة بقوة إلى شوارع العالم خلال السنوات الأخيرة. فقد ظهر على جدران الجامعات، وفي ساحات الاعتصام، وبين آلاف المتظاهرين من لندن إلى نيويورك، ومن جوهانسبرغ إلى سانتياغو. لم يعد مجرد رسم فلسطيني، بل صار اختصارًا بصريًّا لفكرة واحدة: أن العدالة لا تتجزأ، وأن الإنسان يفقد إنسانيته عندما يقبل الظلم لأنه لا يمسّه مباشرة. كان ناجي العلي يدرك أن الكاريكاتير ليس رسمًا ساخرًا، بل وثيقة سياسية. لذلك كان اغتياله محاولة لإسكات قلم سبق زمنه. غير أن الرصاص الذي أصاب الرسام لم يُصب الشخصية التي ابتكرها. مات ناجي، لكن حنظلة بقي شاهدًا لا يمكن اغتياله، لأن الأفكار لا تُقتل بالرصاص، ولأن الرموز التي تولد من معاناة الشعوب تصبح جزءًا من ذاكرتها الجمعية. واليوم، وبعد كل ما شهدته فلسطين من حروب وحصار ودمار وتهجير، يبدو أن الطفل الذي أدار ظهره للعالم لم يكن غاضبًا من العالم بقدر ما كان خائبًا منه. كان يرى مبكرًا أن العدالة ليست ما يُكتب في المواثيق، بل ما يُمارَس على الأرض. وكان يعرف أن الصمت أمام الظلم ليس حيادًا، بل شكل آخر من أشكال المشاركة فيه. ربما لو عاد ناجي العلي اليوم، لما غيّر شيئًا في ملامح حنظلة. سيُبقيه حافي القدمين، كما هو. وسيُبقيه في العاشرة من عمره. وسيُبقيه يدير ظهره. لأن العالم، رغم كل ما يدّعيه من تقدم، لم يمنح ذلك الطفل سببًا واحدًا كي يلتفت. skip render: ucaddon_box_testimonial
افتتح مهرجان البستان الدولي فعاليات نسخته الثانية والثلاثين، معلنًا بذلك انطلاق موسم المهرجانات الثقافية والفنية في لبنان لعام 2026، في أمسية فنية وثقافية حاشدة عكست إصرار لبنان على مواصلة حضوره الإبداعي رغم التحديات. وجرى حفل الافتتاح بحضور عقيلة رئيس مجلس الوزراء القاضي نواف سلام، سحر سلام، إلى جانب عدد من الوزراء والنواب وشخصيات سياسية واجتماعية وثقافية، إضافة إلى حشد من محبي الفن والموسيقى. وأحيا الأمسية الافتتاحية الفنانان مارسيل خليفة وشربل روحانا، في حفل حمل عنوان «العائلة والأصدقاء»، قدّما خلاله باقة من الأعمال الموسيقية التي تمزج بين التراث والحداثة، وسط تفاعل كبير من الجمهور الذي ملأ قاعة الحفل. وشكّل هذا الافتتاح رسالة ثقافية تؤكد استمرار الحياة الفنية في لبنان، ودور الموسيقى في جمع اللبنانيين حول مساحة مشتركة من الإبداع والجمال، بعيدًا عن الانقسامات. يُعد مهرجان البستان الدولي من أبرز المهرجانات الموسيقية في لبنان والمنطقة، إذ تأسس عام 1994 في فندق البستان في بيت مري، ونجح على مدى أكثر من ثلاثة عقود في ترسيخ مكانته كمنصة عالمية للفنون الكلاسيكية والموسيقى الراقية. يتميّز المهرجان ببرامجه المتنوعة التي تجمع بين الموسيقى الكلاسيكية والأوبرا وموسيقى الجاز والأعمال المعاصرة، مستضيفًا نخبة من الفنانين العالميين والعرب، إضافة إلى دعمه المستمر للمواهب اللبنانية الشابة. كما يُنظر إلى المهرجان بوصفه أحد أعمدة المشهد الثقافي اللبناني، لما يؤديه من دور في الحفاظ على صورة لبنان كبلدٍ للثقافة والفن، وكجسر تواصل حضاري بين الشرق والغرب.