علمت جريدة «البوست» من مصادر أمنيّة مطّلعة أنّ الشيخ خلدون عريمط، الموقوف في قضيّة «الأمير الوهمي» أبو عمر، كان على وشك مغادرة الأراضي اللبنانيّة، عقب المؤتمر الصحافي الذي عقده في مكتبه في بيروت الأسبوع الماضي. وبحسب المعلومات، فإنّ الجهات الأمنيّة تحرّكت سريعاً فور تبلّغها بنيّة عريمط السفر، على خلفيّة التداعيات التي أثارتها قضيّة «أبو عمر»، ما أدّى إلى إصدار قرار منع سفر بحقّه قبل يومين من استدعائه رسميّاً للتحقيق وتوقيفه على ذمّة الملف. وتشير المعطيات إلى أنّ المؤتمر الصحافي نفسه تضمّن إشارة لافتة من عريمط، حين كشف أنّ جهةً سياسيّة نصحته بمغادرة لبنان، في تلميحٍ فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة النصيحة وتوقيتها وخلفيّاتها، في ظلّ تصاعد الشبهات ومسار التحقيق.
باتَ المواطنُ الصيداويُّ يبتسمُ عند نهايةِ كلِّ شهر، إذ صار يشعرُ بشيءٍ من الأمانِ والتحرّرِ من سطوةِ أصحابِ المولّداتِ الخاصةِ في المدينة، عندما يسمعُ أنَّ جهازًا أمنيًّا كجهازِ “أمنِ الدولة” قد قام بتوقيفِ صاحبِ مولّدٍ لمخالفتهِ التسعيرةَ الرسميّة، حتى ولو كان سَجنُهُ لم يستمرَّ ليومين.المهمُّ أنَّ “المشهدَ” الذي كان سائدًا بقرف مميت ومفروضًا لسنواتٍ قد تغيّرَ إلى حدٍّ كبير مع تطبيقِ “الصرامةِ” في تنفيذِ القراراتِ الرسميّة. دليلٌ دامغٌ أنَّ المشكلةَ لم تكن يومًا في ضعفِ الأجهزةِ الأمنيّة، بل في القرارِ السياسيّ. أثبتَ جهازُ “أمنِ الدولة” – فرعُ الجنوب، والقائمونَ عليه من ضبّاطٍ جددٍ وقدامى وعناصر، أنَّهم قادرونَ وليسوا عاجزين. هذا هو المفهومُ المُبسَّط لفكرةِ النظامِ في المجتمع، التي تتطوّرُ مع التطوّر الحضاريّ لتشكّلَ ما يُسمّى “الدولة” التي يحملُ الجهازُ اسمَها ومهمّةَ أمنِها. منذ أيّامٍ تداولت صيدا خبرًا عن قيامِ هذا الجهازِ بمداهمةِ منزلٍ في منطقةِ تعميرِ عينِ الحلوة، وتوقيفِ شابٍّ من آل البتكجي عُثِرَ في منزله على أسلحةٍ وذخائر – بحسبِ ما قيل – والشابُّ لا يزالُ قيدَ التوقيفِ لمخالفتِه القوانينَ المرعيّةَ الإجراء على الأراضي اللبنانيّة. ما لم يذكرْهُ الخبرُ، ويعرفُه الكثيرُ من أهلِ صيدا، أنَّ المنزلَ المُداهم يقعُ أعلى بنايةٍ يسكنُها اثنانِ من المتَّهَمين” المباشرين بقتلِ شابينِ صيداويّين منذ سنين،” دون أن يُحرِّكَ أيُّ جهازٍ أمنيٍّ بحقّهم ساكنًا. هنا يحقُّ للمواطنِ الصيداويِّ نفسِه الذي صار يبتسمُ آخرَ كلِّ شهر، أن يسأل:ألم يكن عناصرُ “أمنِ الدولة” يعلمونَ بذلك وهم يعبرونَ السلالم للوصولِ إلى المنزلِ المقصود؟ تطبيقُ العدالةِ شرطٌ لقيامِ الدولِ واستمرارِها وتطوّرِها، أمّا العدالةُ المنقوصة، فلم تدلَّ حتّى من قبلِ قوانينِ حامورابي إلّا على أنّها كرةُ ثلجٍ ونار معا، تتراكمُ وتكبرُ لتنفجرَ في لحظة، طلبا للعدالة التي يشعر فيها الأنسان أنه مواطن بحق. في الحقوق والواجبات، لأنَّ العدلَ أساسُ الملك، مهما طال فإنه آت.
في لُبنان، حيثُ تتداخلُ السُّلطةُ القضائيّةُ مع السياسةِ وتتعـرّضُ للمحاسبةِ الضَّعيفةِ، لا يُعَدُّ التَّحوُّلُ الرَّقميُّ رَفاهيةً بل ضرورةً لإعادةِ بناءِ الثقةِ. يتجاوزُ الأمرُ مُجرَّدَ تطويرِ منصّةٍ إلكترونيّةٍ أو نظامِ مُرافعاتٍ عن بُعد، إنَّه مَسعى لتحويلِ القضاءِ إلى جهازٍ ذكيٍّ وشفّاف، قادرٍ على حمايةِ ذاتهِ من تَدخُّلاتِ السُّلطةِ وتحيّزِها. تراجُعٌ الأبطالِ القانونيّين من أبرزِ التَّحدّياتِ التي تُواجِهُ العدالةَ اللُّبنانيّةَ اليومَ هو شُغورُ القُضاةِ: تُقدَّرُ نسبةُ الشُّغورِ في الجِسمِ القضائيِّ بحوالي 30% بحسبِ تقاريرَ محلِّيّة، بينما حوالي 120 قاضيًا حديثَ التخرّجِ ينتظرونَ تعيينَهم.هذا النَّقصُ ليس رقمًا ثانويًّا، إنَّه يُؤثِّرُ مباشرةً على قُدرةِ المحاكمِ على البتِّ في القضايا ويُسهمُ في التأخيرِ المُزمِن. المؤشِّرُ الأهمّ: عددُ القُضاةِ النَّشِطينَ يُقدَّرُ بحوالي 570 قاضيًا فقط، كثيرٌ منهم يعملونَ كقضاةٍ مُؤقَّتين وبأعباءٍ مُتعدِّدةٍ لدى أكثرَ من محكمة.إضافةً إلى ذلك، تبرزُ أيضًا قضيّةُ الاستقالاتِ والتقاعدِ المُبكِّر، حيثُ زادت “نَزعةُ النُّزوحِ القضائيِّ” من النِّظامِ الرسميِّ بعد انهيارِ الأجورِ بالدولار. أزمة هيكلية التَّراكُمُ في القضايا ليس مشكلةً هامشيّةً، بل أزمةً هيكليّة. وفقَ تقريرِ الأداءِ القضائيِّ لعام 2023، بلغ عددُ القضايا المتأخّرة (backlog) حوالي 2,594 قضيّة على مستوى مختلفِ درجاتِ المحاكم، ما يُشكِّلُ نحو 5% من مجموعِ القضايا المفتوحة آنذاك، بعدما كان التأخّرُ 6% في 2022.هذا التحسُّنُ الطفيفُ لم يأتِ صدفةً، بل بفضلِ “برنامجِ مَسحٍ وتأجيلٍ استراتيجيّ” تضمَّنَ تعيينَ قضاةٍ جُدُد (مثل 10 قُضاة لدى محاكمِ الاستئناف، و20 قاضيًا في محاكمِ الدَّرجةِ الأولى)، مع تفعيلِ تكنولوجيا المعلوماتِ في إدارةِ القضايا، وفقَ التقرير.ومع ذلك، لا يمكنُ التغاضي عن وجودِ تقاريرَ تشيرُ إلى أنَّ بعضَ القضاةِ يُضطرّونَ للعملِ في أكثرَ من محكمةٍ بسببِ نَقصِ التعيينات، ما يُقلِّلُ من تركيزِهم ويُؤثِّرُ في جودةِ الأحكام. لكي يقودَ الذكاءُ الاصطناعيُّ هذا النوعَ من الإصلاح، لا بدّ أوّلًا من وجودِ بُنيةِ بياناتٍ قويّةٍ ومتكاملة. ما ينقصُ لبنان اليوم هو أرشيفٌ قضائيٌّ مُوحّد، منصّةٌ تجمعُ بياناتِ جميعِ المحاكم وتربطُها بخوارزميّاتِ تحليلِ الأداء الضُّغوطُ الماليّةُ وتأثيرُها لم يُعفِ الانهيارُ الاقتصاديُّ القضاءَ من تداعياتِه. بعد تراجُعِ العملةِ وتآكُلِ الأجور، واجهَ القضاةُ صعوباتٍ ماليّةً كبيرةً، ما أدّى إلى إضراباتٍ مُتكرّرة: في بعضِ الأحيانِ شاركَ نحو 80% من القضاةِ في الإضراب، ما عرقلَ نشاطَ المحاكمِ بشكلٍ كبير.في المشهدِ اليوميّ، يعرفُ القضاةُ أوقاتَ عملِهم ليس من حرارةِ الأعمالِ القانونيّة، بل من وجودِ المُولّداتِ أو مدى توافُرِ الوقود، ومن ساعاتِ توفُّرِ الكهرباءِ في قصورِ العدل.إلى ذلك، يشيرُ تقريرٌ تفصيليٌّ إلى أنَّ البُنيةَ التحتيّةَ القضائيّةَ غيرُ مُلائمةٍ في كثيرٍ من المحاكم: قاعاتٌ ضيّقة، ضعفٌ في الأرشيف، غيابُ تجهيزاتٍ أمنيّةٍ وتقنيّةٍ شِبهِ تامّ. عدالةٌ رقميّةٌ مدعومةٌ في ظلِّ هذه الضُّغوط، يصبحُ الذكاءُ الاصطناعيُّ أكثرَ من خيارٍ تكنولوجيّ: إنَّه “مراقبٌ مُحايِد” لا يخضعُ للمنطقِ السياسيّ. يمكنُ لخوارزميّاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ تحليلُ ملايينِ البياناتِ القضائيّة، واكتشافُ الأنماطِ غيرِ الطبيعيّةِ في تأخيرِ الأحكام، أو في توزيعِ القضايا بين القضاة، أو في معدّلاتِ الاستئناف. هذا النوعُ من المراقبةِ لا يُخضعُ القاضيَ فقط للمساءلة، بل يخلُقُ أساسًا للدقّةِ والشفافيّة التي يمكنُ للجميعِ رؤيتُها.بفضلِ تقنيّةِ التنبّؤِ القضائيّ، يمكنُ للمنصّةِ الرقميّة أن تُشيرَ إلى حالاتِ “إنذارٍ مُبكّر”: مثل القضايا التي تجاوزت متوسّطَ زمنِ البتِّ في ملفاتٍ مماثلة، أو التي تشهدُ تأخيرًا مُفرطًا مقارنةً بمحاكمَ أخرى. هذه الميزةُ لا تُقلِّلُ من دورِ القاضي البشريّ، بل تدعمُ قراراتِه وتُجهِّزُ النِّظامَ الأساسيَّ لمراجعةِ الأداء.كما أنَّ الذكاءَ الاصطناعيَّ يمكن أن يكونَ أداةً قويّةً للكشفِ عن الانحياز: تحليلُ لغةِ الأحكام، وتكرارُ بعضِ القراراتِ لدى فئاتٍ معيّنة، وربما كشفُ ميلٍ نحو التمييزِ بسببِ المحسوبيّةِ أو التوزيعِ الطائفيِّ أو السياسيّ. من التَّجزئةِ إلى الوحدة لكي يقودَ الذكاءُ الاصطناعيُّ هذا النوعَ من الإصلاح، لا بدّ أوّلًا من وجودِ بُنيةِ بياناتٍ قويّةٍ ومتكاملة. ما ينقصُ لبنان اليوم هو أرشيفٌ قضائيٌّ مُوحّد، منصّةٌ تجمعُ بياناتِ جميعِ المحاكم وتربطُها بخوارزميّاتِ تحليلِ الأداء. كما يحتاجُ النِّظامُ إلى إطارٍ قانونيٍّ صارمٍ لتنظيمِ استخدامِ الذكاءِ الاصطناعيّ، يُحدّدُ الشفافيّة، ويمنعُ الانحياز، ويضمنُ مراجعةً بشريّةً للقراراتِ التي تظهرُ عبر التحليلِ الآليّ.وبدونِ هذه البُنية، تظلُّ بعضُ المبادراتِ الرقميّةِ جزئيّةً وغيرَ فعّالة، وقد تتفاقمُ الأزماتُ بدلَ أن تُحَلّ. التقنيةُ كقوّةٍ دستوريّة أهميّةُ العدالةِ الرقميّةِ التي تدعمُها الذكاءُ الاصطناعيّ لا تقتصرُ على التشغيل؛ هي استعادةٌ لشرعيّةِ القضاء. يستطيعُ المواطنُ أن يرى مسارَ قضيتِه في الزمنِ الحقيقيّ، أن يعرفَ أين تكمنُ عقبةُ التأخير، وأن يطمئنّ إلى أنَّ النّظامَ يُراقبُ ذاتَه. هذا النوعُ من الشفافيّةِ لا يُبنى بعقودٍ سياسيّة، بل بخوارزميّاتٍ وإشعاراتٍ رقميّة.عندما تصبحُ التكنولوجيا ليست أداةً لتسريعِ العملياتِ فقط، بل أداةً لضمانِ سلامةِ الحُكمِ واستقلالِ القضاء، فإنّها تتحوّلُ إلى ضمانةٍ دستوريّةٍ بذاتِها.لبنان لا يحتاجُ فقط إلى “قضاءٍ أكثرَ ذكاءً”؛ بل إلى “نظامٍ قضائيٍّ أصدق”، نظامٍ قائمٍ على التكنولوجيا، يمكنه أن يُحاسِبَ نفسَه، يُراقبَ أداءَه، ويكشفَ التحيّزَ دون خوف. في ظلِّ أزمةِ الشُّغورِ القضائيّ، وتراكُمِ القضايا، والضُّغوطِ الماليّةِ، والتسييس، الذكاءُ الاصطناعيُّ المدعومُ بالعدالةِ الرقميّةِ ليس رَفاهيةً، بل أداةُ إصلاحٍ حيويّة. هذه هي الفُرصةُ لإعادةِ بناءِ مرفقِ العدالة على أسُسٍ لا تحتملُ التلاعب، بل تفرضُ النَّزاهةَ والشفافيّة.