في بلدٍ اعتاد مواطنوه قراءة الأخبار كأنها نكات سوداء، لم يعد مستغربًا أن يتحوّل أي حكمٍ قضائي إلى مادّة تهكّمٍ جماعي. المفارقة الأخيرة التي شغلت الشارع اللبناني لم تكن مجرّد ملفٍ قضائي، بل مرآةً فاقعةً لنظام عدالةٍ يبدو، في نظر كثيرين، كأنه يقيس الأفعال بميزانين مختلفين: واحدًا للمواقف السياسية، وآخر لما يُوصَف إعلاميًا بملفات المخدرات والسلاح غير الشرعي خروج شخصية مثل نوح زعيتر بعد مدّةٍ قصيرةٍ نسبيًا أثار دهشةً واسعة، ليس لأن القضاء لا يملك صلاحية إصدار أحكامه، بل لأن صورته في الوعي العام ارتبطت لسنواتٍ بقضايا ثقيلة. فجأةً، بدا الحكم كأنّه يهمس للبنانيين: لا تقلقوا كثيرًا… فبعض الملفات يمكن أن تصبح خفيفةً مثل بالون هواء إذا هبّت الرياح السياسية المناسبة. في المقابل، ما زالت أسماء مثل فضل شاكر حاضرةً في النقاش العام، حيث يرى مؤيدوه أن تصريحاتٍ ومواقفَ سياسية، من بينها الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة، تحوّلت إلى تُهَمٍ ثقيلةٍ في مرحلةٍ سياسيةٍ مضطربة، بينما يؤكد خصومه أن الملف قضائيٌّ بحت.بين الروايتين، يقف المواطن متسائلًا بسخريةٍ مُرّة: هل المطلوب أن تحمل بندقيةً كي تحظى بالمرونة… أم أن تقول رأيًا لتدفع الثمن سنوات؟ عدالة “اللايت” لا يطلب اللبنانيون قضاءً ثوريًا ولا محاكم شعبية. يريدون فقط فهمًا بسيطًا لمنطق الأحكام. لكن ما يشاهدونه يشبه قائمة طعامٍ غريبة: أحكام “دايت” لملفاتٍ يراها الشارع خطيرة، وأحكام “سوبر سايز” لملفاتٍ مرتبطةٍ بالرأي أو الموقف السياسي.هذا التناقض يخلق انطباعًا قاتلًا بأن العدالة ليست ميزانًا، بل تطبيق توصيلٍ سريع؛ بعض الملفات تصل إلى نهايتها في وقتٍ قياسي، بينما أخرى تبقى “قيد التحضير” سنواتٍ طويلة، حتى يملّ أصحابها من الانتظار… أو من الحياة نفسها. المشكلة ليست في قاضٍ واحد ولا في حكمٍ منفرد، بل في منظومةٍ كاملةٍ تجعل العدالة تبدو شديدة الحساسية لتغيّرات الطقس السياسي دولة تخاف الكلمات أكثر من البنادق في أي دولةٍ تسعى لبناء احتكارٍ شرعيٍ للقوة، يُفترض أن يكون السلاح غير الشرعي خطًا أحمر. لكن في لبنان، يبدو المشهد أحيانًا معكوسًا: الدعوة إلى حصر السلاح بيد الدولة تتحوّل إلى مادة اشتباه، بينما يبقى السلاح الفعلي موضوع تفاوضٍ ومساوماتٍ وتسويات. هذا الواقع يطرح سؤالًا جارحًا: هل الدولة تخاف الكلمات أكثر من البنادق؟ وإذا كان الجواب نعم، فكيف يمكن إقناع المواطنين بأن القانون ليس مجرد أداةٍ سياسيةٍ تُستخدم ضد الضعفاء أو المختلفين؟ المشكلة ليست في قاضٍ واحد ولا في حكمٍ منفرد، بل في منظومةٍ كاملةٍ تجعل العدالة تبدو شديدة الحساسية لتغيّرات الطقس السياسي. في لبنان، لا تُقاس بعض الملفات بالنصوص القانونية فقط، بل بدرجة الحرارة السياسية المحيطة بها. وعندما يبرد الملف سياسيًا… قد يبرد معه الحكم أيضًا. النتيجة؟ مواطن يرى أن العدالة قد تكون شديدة الصرامة عندما يتعلق الأمر برأيٍ أو موقف، لكنها تصبح مرنةً بشكلٍ مفاجئ عندما تدخل حسابات النفوذ والوساطات. من مسرح العدالة… إلى مسرح العبث القضية ليست نوح زعيتر ولا فضل شاكر ولا أي اسمٍ آخر. القضية هي دولةٌ تريد أن تُقنع العالم بأنها دولة قانون، بينما يراها مواطنوها أحيانًا مسرحًا عبثيًا تُوزَّع فيه الأدوار وفق النص السياسي لا النص القانوني. اللبنانيون لا يحتاجون إلى إصلاحاتٍ تجميلية ولا إلى مؤتمرات مانحين جديدة. هم يحتاجون إلى شيءٍ بسيطٍ جدًا — وربما مستحيل في الظروف الحالية — عدالةٍ لا تضحكهم من شدّة التناقض. عدالةٍ لا تجعلهم يشعرون أن الموقف السياسي قد يكون أخطر من السلاح الفعلي، ولا تُقنعهم بأن القانون مجرد ورقة… تُقرأ بلهجاتٍ مختلفةٍ حسب اسم المتهم. لأن الدولة التي تتحوّل فيها الأحكام إلى مادةٍ للسخرية اليومية، لا تخسر فقط ثقة مواطنيها… بل تخسر أيضًا آخر ما تبقّى من هيبتها أمام العالم.
علمت جريدة «البوست» من مصادر أمنيّة مطّلعة أنّ الشيخ خلدون عريمط، الموقوف في قضيّة «الأمير الوهمي» أبو عمر، كان على وشك مغادرة الأراضي اللبنانيّة، عقب المؤتمر الصحافي الذي عقده في مكتبه في بيروت الأسبوع الماضي. وبحسب المعلومات، فإنّ الجهات الأمنيّة تحرّكت سريعاً فور تبلّغها بنيّة عريمط السفر، على خلفيّة التداعيات التي أثارتها قضيّة «أبو عمر»، ما أدّى إلى إصدار قرار منع سفر بحقّه قبل يومين من استدعائه رسميّاً للتحقيق وتوقيفه على ذمّة الملف. وتشير المعطيات إلى أنّ المؤتمر الصحافي نفسه تضمّن إشارة لافتة من عريمط، حين كشف أنّ جهةً سياسيّة نصحته بمغادرة لبنان، في تلميحٍ فتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة النصيحة وتوقيتها وخلفيّاتها، في ظلّ تصاعد الشبهات ومسار التحقيق.
باتَ المواطنُ الصيداويُّ يبتسمُ عند نهايةِ كلِّ شهر، إذ صار يشعرُ بشيءٍ من الأمانِ والتحرّرِ من سطوةِ أصحابِ المولّداتِ الخاصةِ في المدينة، عندما يسمعُ أنَّ جهازًا أمنيًّا كجهازِ “أمنِ الدولة” قد قام بتوقيفِ صاحبِ مولّدٍ لمخالفتهِ التسعيرةَ الرسميّة، حتى ولو كان سَجنُهُ لم يستمرَّ ليومين.المهمُّ أنَّ “المشهدَ” الذي كان سائدًا بقرف مميت ومفروضًا لسنواتٍ قد تغيّرَ إلى حدٍّ كبير مع تطبيقِ “الصرامةِ” في تنفيذِ القراراتِ الرسميّة. دليلٌ دامغٌ أنَّ المشكلةَ لم تكن يومًا في ضعفِ الأجهزةِ الأمنيّة، بل في القرارِ السياسيّ. أثبتَ جهازُ “أمنِ الدولة” – فرعُ الجنوب، والقائمونَ عليه من ضبّاطٍ جددٍ وقدامى وعناصر، أنَّهم قادرونَ وليسوا عاجزين. هذا هو المفهومُ المُبسَّط لفكرةِ النظامِ في المجتمع، التي تتطوّرُ مع التطوّر الحضاريّ لتشكّلَ ما يُسمّى “الدولة” التي يحملُ الجهازُ اسمَها ومهمّةَ أمنِها. منذ أيّامٍ تداولت صيدا خبرًا عن قيامِ هذا الجهازِ بمداهمةِ منزلٍ في منطقةِ تعميرِ عينِ الحلوة، وتوقيفِ شابٍّ من آل البتكجي عُثِرَ في منزله على أسلحةٍ وذخائر – بحسبِ ما قيل – والشابُّ لا يزالُ قيدَ التوقيفِ لمخالفتِه القوانينَ المرعيّةَ الإجراء على الأراضي اللبنانيّة. ما لم يذكرْهُ الخبرُ، ويعرفُه الكثيرُ من أهلِ صيدا، أنَّ المنزلَ المُداهم يقعُ أعلى بنايةٍ يسكنُها اثنانِ من المتَّهَمين” المباشرين بقتلِ شابينِ صيداويّين منذ سنين،” دون أن يُحرِّكَ أيُّ جهازٍ أمنيٍّ بحقّهم ساكنًا. هنا يحقُّ للمواطنِ الصيداويِّ نفسِه الذي صار يبتسمُ آخرَ كلِّ شهر، أن يسأل:ألم يكن عناصرُ “أمنِ الدولة” يعلمونَ بذلك وهم يعبرونَ السلالم للوصولِ إلى المنزلِ المقصود؟ تطبيقُ العدالةِ شرطٌ لقيامِ الدولِ واستمرارِها وتطوّرِها، أمّا العدالةُ المنقوصة، فلم تدلَّ حتّى من قبلِ قوانينِ حامورابي إلّا على أنّها كرةُ ثلجٍ ونار معا، تتراكمُ وتكبرُ لتنفجرَ في لحظة، طلبا للعدالة التي يشعر فيها الأنسان أنه مواطن بحق. في الحقوق والواجبات، لأنَّ العدلَ أساسُ الملك، مهما طال فإنه آت.