نحن لا نعرف متى اخترع الإنسان كلمة «عبقري»، لكننا نعرف لماذا احتاج إليها. كانت الكلمة محاولة قديمة لتفسير ما يعجز العقل عن تفسيره: كيف يستطيع بشر عادي أن ينتج شيئاً يبدو أكبر من قدرته؟ وحين كانت الإجابة غائبة، كان العربي القديم يفتح باب الغيب ويقول: لعلّ في الأمر عبقراً. يقول ابن منظور إن «عبقر» موضع بالبادية كثير الجن، وإن العرب نسبوا إليه كل ما أُعجبوا من حذقه وجودة صنعته وقوته، فقالوا: «عبقري». وهكذا لم تكن العبقرية في أصلها مجرد مديح للإنسان، بل اعترافاً بأن الإبداع قد يتجاوز صاحبه إلى منطقة غامضة لا يستطيع تفسيرها بالكامل.هنا تبدأ الحكاية التي تجعل «عبقر» أكثر حداثة مما نظن.في «جمهرة أشعار العرب» يظهر لافظ بن لاحظ، شيطان امرئ القيس، لا بوصفه كائناً أسطورياً يوسوس للشاعر فقط، بل بوصفه صاحب دعوى. حين يعترض رجل على شعر امرئ القيس، يقول الشيخ: «أنا والله منحته ما أعجبك منه». أي إن الشيطان لا يطالب بدور هامشي في العملية الإبداعية؛ إنه يطالب بنصيبه من العمل نفسه.إنها، بصورة بدائية ومذهلة، أول معركة حول سؤال سيعود بعد قرون في قلب الثورة الرقمية: من هو المؤلف عندما لا يكون الإنسان وحده وراء العمل؟فالذكاء الاصطناعي لم يخترع هذا السؤال. لقد أعاده إلى الواجهة بعد أن ظن الإنسان أنه حسمه. skip render: ucaddon_material_block_quote من شيطان الشعر إلى نموذج اللغة كان الشاعر القديم يقول قصيدته، فيُقال إن وراءه جنياً يلقنه. أما اليوم، فيكتب الإنسان بضعة أسطر إلى نموذج لغوي، فيعود إليه نص كامل: فكرة، وبناء، وحجة، وصور بلاغية. يطلب صورة، فتظهر أمامه لوحة لم يرسمها. يصف موسيقى، فتخرج قطعة لم يعزفها.لقد انتقل «الشيطان» من عالم الأسطورة إلى البنية التحتية. لكن الفارق هائل أيضاً. لافظ بن لاحظ شخصية متخيلة في رواية تراثية؛ أما الذكاء الاصطناعي فهو منظومة تقنية حقيقية، تدربت على كميات هائلة من الأعمال البشرية، ثم أعادت تركيب الأنماط والعلاقات التي تعلمتها في مخرجات جديدة. لذلك فإن السؤال لم يعد: هل هناك كائن خفي وراء العبقرية؟ بل: كم من البشر يقفون داخل الآلة عندما تنتج شيئاً يبدو كأنه صادر عنها وحدها؟ وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيداً من ثنائية «إنسان أم آلة». فالآلة لا تبدأ من الصفر. خلفها كتّاب ومصورون ومبرمجون وموسيقيون ومهندسون، وخلف التدريب بيانات وأعمال بشرية، وخلف كل نموذج بنية اقتصادية وقانونية وتقنية ضخمة. ولذلك فإن صورة الذكاء الاصطناعي بوصفه «مبدعاً مستقلاً» قد تكون مضللة بقدر صورة الشاعر القديم الذي كان ينسب قصيدته كلها إلى نفسه. الذكاء الاصطناعي لا يلغي المؤلف، إنه يفكك المؤلف إلى سلسلة طويلة من المشاركين. حين يصبح «المؤلف» سؤالاً لا اسماً لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط حول ما إذا كان للآلة حق مؤلف، وإنما حول معنى التأليف نفسه.من يملك العمل الذي أنتجته الآلة؟ من كتب الأمر؟ من بنى النموذج؟ من وفّر البيانات؟ من صنع الخوارزمية؟ من اختار المخرج النهائي؟ ومن يملك الأعمال التي تعلمت منها الآلة؟ كل سؤال منها يفتح سؤالاً آخر، حتى يبدو «المؤلف» الذي عرفناه طويلاً مجرد حلقة واحدة في سلسلة إنتاج هائلة. وهنا يعود لافظ بن لاحظ من الصحراء، لكن بصورة أكثر خطورة. لقد قال للشاعر القديم: «أنا منحته ما أعجبك منه». واليوم تستطيع الآلة، بصورة تقنية لا أسطورية، أن تقول شيئاً مشابهاً: أنا التي أنجزت الجزء الذي أعجبكم. غير أن الآلة لا تستطيع وحدها أن تشرح من أين جاءت قدرتها؛ لأن وراءها تاريخاً كاملاً من العمل البشري. في الصحراء كان الشيطان يطالب بحقه في القصيدة، واليوم يقف الذكاء الاصطناعي أمام باب المؤلف عبقر لم يمت… بل دخل الحاسوبربما كان «عبقر» اسماً قديماً لذلك الجزء المجهول من الإبداع الذي يعجز الإنسان عن نسبته بالكامل إلى نفسه. وحين ظهرت الآلة الذكية، لم نطرد ذلك المجهول من حياتنا؛ بل صنعنا له واجهة إلكترونية.لهذا يبدو الذكاء الاصطناعي، في أحد أعمق وجوهه، عودةً حديثة إلى وادي عبقر. فالإنسان أمام إنتاج لا يستطيع دائماً أن يحدد صاحبه الفردي، فيعود السؤال القديم بثوب جديد: إذا كان العمل أكبر من اليد التي صنعته، فلمن ينتمي؟لكن عبقر الحديث أكثر تعقيداً من جنّي الشعراء. إنه ليس كائناً واحداً يختبئ خلف الستار، بل شبكة كاملة من البشر والبيانات والخوارزميات والمؤسسات والآلات.وهنا تكمن المفارقة الأكثر إثارة: لقد صنع الإنسان ذكاءً اصطناعياً كي يقلّد العبقرية، فإذا به يضطر من جديد إلى تعريف العبقرية نفسها.ربما لم يكن العرب القدماء مخطئين تماماً حين نسبوا المدهش إلى عبقر. كانوا فقط يسمّون المجهول بلغتهم.أما نحن، فقد سميناه «ذكاءً اصطناعياً». skip render: ucaddon_box_testimonial