تكشف الحرب الأميركية ـ الإيرانية عن تحوّل أعمق من مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين: إنها تكشف تبدّل قواعد القوة نفسها. لم تعد القوة تُقاس فقط بحجم الجيش، وعدد الطائرات، وحاملات الطائرات، وحجم الترسانة؛ بل بقدرة الطرف الأصغر على امتلاك السلاح الدقيق، والمعلومة، والقدرة على المناورة، وإلحاق كلفة استراتيجية بخصم يفوقه بأضعاف. وهنا تكمن الحقيقة التي تستحق التوقف: الكبير لم يعد يضمن الانتصار، والصغير لم يعد بحاجة إلى هزيمة الكبير كي ينتصر. يكفيه أن يمنعه من تحقيق أهدافه. الحرب مع إيران، كما يقرأها توماس فريدمان في «نيويورك تايمز»، تضع هذه المعادلة أمام الولايات المتحدة بصورة قاسية. فالصواريخ والمسيّرات منخفضة الكلفة نسبيًا تستطيع استهداف قواعد ومنشآت وبنى لوجستية بالغة الأهمية، بينما تحتاج واشنطن إلى منظومات دفاعية باهظة ومتشعبة لحماية أصول عسكرية تكلّف مليارات الدولارات. وهذا هو جوهر التحول: السلاح الرخيص يستطيع أن يفرض على السلاح الباهظ كلفة أكبر بكثير من ثمنه. skip render: ucaddon_material_block_quote لم تعد المسألة، إذن، «من يملك القوة الأكبر؟»، بل «من يستطيع تحويل القوة إلى كلفة على خصمه؟». الصواريخ الدقيقة، والمسيّرات، والحرب الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والمعلومات الفضائية، جعلت المسافة بين الدولة الكبرى والفاعل الأصغر أقل اتساعًا مما كانت عليه في القرن العشرين. من «تكبير الحرب» إلى «توسيعها» الدول الكبرى تميل إلى تكبير الحرب: مزيد من الطائرات، مزيد من القواعد، مزيد من النيران، ومزيد من الإنفاق. أما القوى الأصغر فتتعلم كيف توسّع الحرب بدلًا من تكبيرها؛ توزّع قدراتها، وتخفي منصاتها، وتضرب في نقاط متعددة، وتنتقل بسرعة قبل أن يتحول التفوق الناري للخصم إلى تفوق حاسم. هذه القاعدة ظهرت في أوكرانيا ولبنان وغزة والبحر الأحمر، كما تظهر في المواجهة الإيرانية ـ الأميركية. فالمسألة لم تعد مرتبطة بحجم الدولة وحده، وإنما بقدرتها على امتلاك شبكة من الأدوات الرخيصة والدقيقة التي تجعل السيطرة الكاملة على ساحة المعركة شبه مستحيلة. واللافت أن الولايات المتحدة وإسرائيل تستطيعان، بدورهما، استخدام «منطق الصغير»: ضربة دقيقة تستند إلى معلومات استخبارية كثيفة، أو عملية إلكترونية، أو استهداف نوعي لشخص أو منشأة، يمكن أن تحقق ما كانت تحتاج إليه في الماضي حملة عسكرية كاملة. هنا تنتقل الحرب من عصر «الكتلة والطاقة» إلى عصر المعلومة والخوارزمية. في الحروب المقبلة، قد تكون المعلومة أهم من الدبابة، والخوارزمية أخطر من المدفع الذكاء الاصطناعي سيكسر المعادلة أكثر القلق الحقيقي لا يتعلق بما تستطيع إيران أو إسرائيل أو روسيا أو أوكرانيا فعله اليوم، بل بما سيصبح ممكنًا غدًا عندما تتداخل هذه الأسلحة مع الذكاء الاصطناعي. إذا كان فرد أو مجموعة صغيرة يستطيع امتلاك طائرة مسيّرة رخيصة، واتصالًا فضائيًا، ومعلومات استخبارية، ونموذجًا متقدمًا للذكاء الاصطناعي، فإن الفارق بين الدولة والفاعل الصغير سيواصل التقلص. وعندها لن تكون المشكلة في امتلاك السلاح فقط، بل في القدرة على اكتشاف نقاط ضعف الخصم وتحويلها إلى أهداف قابلة للاستهداف بسرعة غير مسبوقة. وهذا يخلق معضلة استراتيجية خطيرة: الدول الكبرى مطالبة بتحقيق النصر، بينما يكفي خصومها الأصغر أن يبقوا على قيد القدرة على الضرب. لذلك، فإن المعادلة الجديدة للقوة ليست أن الصغير أصبح أقوى من الكبير، بل أن الكبير فقد احتكار تعريف القوة. فالحاملة النووية تظل حاملة نووية، والجيش الكبير يظل جيشًا كبيرًا، لكن مجموعة مسيّرات منخفضة الكلفة تستطيع أحيانًا إجباره على تغيير مساره، ونقل قواعده، واستنزاف دفاعاته، وإعادة حساباته. نهاية وهم الحروب السهلة المشكلة السياسية الكبرى أن التكنولوجيا لم تجعل الحرب أكثر نظافة، بل جعلتها أكثر تعقيدًا. لم يعد التفوق العسكري وحده كافيًا لإنتاج نتيجة سياسية. تستطيع دولة أن تدمر خصمها عسكريًا وتفشل في إخضاعه سياسيًا، كما تستطيع قوة أصغر أن تتلقى ضربات هائلة وتخرج من الحرب وهي تقول إنها لم تُهزم. وهنا تصبح عبارة «لقد انتصرنا» أخطر من مجرد تصريح سياسي؛ لأن الانتصار في الحروب الحديثة لم يعد لحظة واحدة تحددها القوة النارية، بل معركة طويلة على القدرة على الاستمرار، وتحمل الكلفة، وإعادة إنتاج القوة، ومنع الخصم من تحقيق أهدافه. إنها فيزياء جديدة للقوة فعلًا: الكبير ما زال كبيرًا، لكنه لم يعد آمنًا بحجمه؛ والصغير ما زال صغيرًا، لكنه لم يعد عاجزًا بحجمه. skip render: ucaddon_box_testimonial
في الوقت الذي تستضيف فيه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بطولة كأس العالم 2026، بوصفها أكبر احتفال رياضي على مستوى العالم، يتشكّل، بعيداً عن المستطيل الأخضر، نقاش سياسي وأخلاقي يتجاوز كرة القدم نفسها. فبينما ترفع البطولة شعارات الوحدة والتنوع والتقارب بين الشعوب، تتزايد الأسئلة حول الشركات الأمنية والتكنولوجية التي ستتولى حماية هذا الحدث العالمي، وما إذا كانت بعض هذه الشركات تحمل إرثاً مرتبطاً بالحروب والصراعات المسلحة، وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة. من بين هذه الشركات تبرز شركة Sentrycs «سينتريكس» الإسرائيلية، التي حصلت على عقود للمشاركة في منظومة حماية الأجواء المحيطة بملاعب كأس العالم 2026 ومناطق تجمع الجماهير، عبر أنظمة متخصصة في كشف الطائرات المسيّرة غير المأهولة واعتراضها. وبذلك تنتقل الشركة من ساحات العمليات العسكرية إلى واحدة من أكبر المنصات الرياضية الدولية، في تحول يثير جدلاً متصاعداً بشأن الحدود الفاصلة بين التكنولوجيا المدنية والصناعات العسكرية. لا يتعلق الجدل بطبيعة التقنية بحدّ ذاتها، فأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة أصبحت جزءاً أساسياً من أمن الفعاليات الكبرى حول العالم، وإنما بالسجل الذي تحمله الشركات المطوّرة لهذه الأنظمة، وبالسياق السياسي والإنساني الذي راكمت فيه خبراتها التقنية. وتشير تقارير صحفية إسرائيلية إلى أن «سينتريكس» دمجت إحدى تقنياتها مع أنظمة طوّرتها شركة رافائيل، أحد أبرز مصنّعي الأسلحة في إسرائيل، في إطار منظومات الدفاع بالليزر التي استخدمت خلال العمليات العسكرية في قطاع غزة، والتي وُصفت بأنها أول استخدام قتالي عملي لسلاح ليزر في العالم. وبغض النظر عن البعد العسكري والتقني لهذا الإنجاز، فإن توقيته وارتباطه بالحرب على غزة جعلاه جزءاً من نقاش أوسع حول استخدام ساحات النزاعات كمختبرات لتطوير وتسويق التقنيات العسكرية. ويزداد هذا الجدل مع تصريحات مسؤولي الشركة أنفسهم. فقد نقلت صحيفة «هآرتس» عن نائبة رئيس التسويق في «سينتريكس» أن ما يقارب نصف نشاط الشركة يتم في القطاع العسكري، وهو تصريح يبدد الصورة التقليدية التي تحاول كثير من شركات التكنولوجيا الأمنية تقديمها باعتبارها شركات مدنية محايدة تعمل حصراً في مجال الابتكار. هذا التداخل بين القطاعين المدني والعسكري ليس جديداً في إسرائيل، حيث يعتمد جزء كبير من الاقتصاد التكنولوجي على منظومة تُعرف بـ«الاستخدام المزدوج»، أي تطوير تقنيات يمكن استخدامها في التطبيقات المدنية والعسكرية في آن واحد. إلا أن الحرب على غزة أعادت تسليط الضوء على هذه العلاقة، بعدما أصبحت الشركات الإسرائيلية نفسها تستخدم خبراتها العملياتية كعامل تسويقي في الأسواق الدولية. وتأتي مشاركة «سينتريكس» في تأمين كأس العالم لتفتح باباً جديداً للنقاش حول ما إذا كانت الأحداث الرياضية العالمية أصبحت تمثل أيضاً منصات لتسويق الصناعات الأمنية. فالشركات التي تطور تقنياتها في بيئات النزاعات لا تكتفي ببيع منتجاتها للدول والجيوش، بل تنتقل تدريجياً إلى تأمين المطارات، والموانئ، والمنشآت الحيوية، والبطولات الرياضية، مستفيدة من السمعة التي اكتسبتها باعتبار تقنياتها «مختبرة ميدانياً». skip render: ucaddon_material_block_quote الطائرات المسيّرة تكشف الوجه الخفي لكأس العالم ويرى منتقدو هذا النموذج أن هذه العملية تمثل شكلاً من أشكال «تبييض» الصناعات العسكرية، إذ تتحول التكنولوجيا المرتبطة بالحروب إلى أدوات تُقدَّم للرأي العام ضمن خطاب الأمن المدني وحماية الجماهير، بما يؤدي إلى تراجع الحساسية الأخلاقية تجاه مصدر هذه التقنيات وكيفية تطويرها. في المقابل، تجادل الحكومات والشركات الأمنية بأن حماية الأحداث الرياضية الكبرى تتطلب الاستعانة بأكثر الأنظمة تطوراً، خصوصاً في ظل تصاعد مخاطر الطائرات المسيّرة والهجمات غير التقليدية، وأن معيار الاختيار ينبغي أن يكون الكفاءة الفنية والقدرة على حماية المدنيين، لا الخلفية السياسية للشركات المصنّعة. غير أن هذا الدفاع لا يلغي حقيقة أن الرياضة لم تعد بمنأى عن الصراعات الجيوسياسية. فمنذ سنوات، أصبحت البطولات الكبرى ساحات للتنافس السياسي والاقتصادي والدبلوماسي، سواء عبر حملات المقاطعة، أو الاحتجاجات، أو اختيار الدول والشركات الراعية، أو حتى من خلال التقنيات الأمنية المستخدمة في تنظيمها. وفي حالة كأس العالم 2026، يبدو أن النقاش لن يقتصر على ما سيجري داخل الملاعب، بل سيمتد إلى السماء فوقها، حيث ستعمل أنظمة مراقبة واعتراض متطورة طوّرتها شركات راكمت جزءاً من خبرتها في ميادين الحرب. skip render: ucaddon_box_testimonial