تُمثّل هوليوود، منذ نشأتها، ذراعًا أيديولوجية بالغة الأثر في صياغة الوعي الجمعي العالمي، وإعادة رسم التاريخ وفقًا لمصالح القوى المهيمنة على صناعة الإنتاج السينمائي والسياسي في الولايات المتحدة. في قلب هذه المنظومة المعقّدة، برز جيل من صنّاع السينما الذين أتقنوا لعبة «الأجندة الليبرالية» والدفاع الصاخب عن قضايا حقوق الإنسان حول العالم، مقدّمين أنفسهم كأوصياء أخلاقيين على الضمير الإنساني، وعلى رأس هذا الجيل يتربّع النجم والمخرج والمنتج الأميركي جورج كلوني. بطل من ورق لفترة طويلة، احتفت المنصات والمجتمعات العربية والنامية بكلوني كبطل إنساني، نتيجةً لمواقفه في بعض الصراعات الإفريقية، أو لزواجه من المحامية الحقوقية ذات الأصول العربية أمل علم الدين. إلا أن القراءة التفكيكية العميقة لمسيرته السينمائية، ومواقفه الجيوسياسية، وتصريحاته الأخيرة في مهرجان البندقية السينمائي، تكشف عن حقيقة مغايرة تمامًا؛ فنحن لسنا أمام ناشط حقوقي مستقل، بل أمام «صهيوني ناعم» يرتدي قناع الليبرالية لخدمة منظومة هوليوود الاستعمارية، وتوظيف قضايا المظلومية التاريخية لشرعنة سياسات الاحتلال وتقسيم الدول العربية. تاريخيًا، هناك نقاش نقدي مستمر قاده مفكرون كبار مثل إدوارد سعيد في تفكيكه للمركزية الغربية، والمؤرخ نورمان فينكلشتاين في كتابه الأيقوني «صناعة الهولوكوست»، حيث يوضح هذا الفكر النقدي كيف تم تحويل الإبادة الجماعية لليهود على يد النازية من مأساة إنسانية تاريخية إلى «صناعة» تهدف إلى حظر نقد الصهيونية وإسرائيل، وتوفير حصانة أخلاقية دائمة للاحتلال الإسرائيلي، عبر تذكير الغرب والشرق بـ«الذنب الجماعي» تجاه اليهود. skip render: ucaddon_material_block_quote لائحة الصناعة الهولوكوستية ولم يكن جورج كلوني غائبًا عن هذه الصناعة، بل كان مساهمًا بارزًا فيها من خلف الكاميرا وأمامها، مكمّلًا مسيرة أفلام كلاسيكية ترويجية مثل Exodus (1960) وSchindler’s List (1993). ويتجلّى هذا التوظيف الأيديولوجي في فيلمه «رجال الآثار» (The Monuments Men – 2014)، الذي قام بكتابته وإخراجه وإنتاجه وبطولته، متناولًا قصة فرقة من الحلفاء تسعى لإنقاذ التحف الفنية والمقتنيات الثمينة التي نهبها النازيون، حيث يركّز العمل بشكل مكثّف وغير متناسب على إعادة الممتلكات إلى الضحايا اليهود، ليساهم في ترسيخ مفهوم «فرادة المعاناة اليهودية»، وتوجيه الوعي الجمعي الغربي نحو استمرار التعاطف المالي والأخلاقي مع الحركة الصهيونية. هذا البعد الفكري يتقاطع تمامًا مع بطولته لفيلم «الألماني الصالح» (The Good German – 2006)، الذي أعاد صياغة مشهد الدمار وجرائم النازية في بيئة سوداوية تعزّز السردية التقليدية التي تؤكد الذنب الأوروبي/الألماني الجماعي، وهو ذاته الذنب التاريخي الذي استغلّته الحركة الصهيونية ولوبياتها لعقود طويلة لانتزاع الدعم السياسي والمالي غير المشروط لإسرائيل، وتحويل التعويضات الألمانية إلى ميزانيات تسليح لجيش الاحتلال لقمع الشعب الفلسطيني. ملف السودان ولا تقتصر صهيونية كلوني المقنّعة بالليبرالية على الشاشة الفضية، بل امتدت لتصبح أداة تنفيذية في السياسة الخارجية الأميركية الموجّهة ضد العالم العربي. ويبرز ملف السودان كشاهد ملك على كيفية استخدام كلوني لـ«العمل الإنساني» كغطاء لتنفيذ مخططات جغرافية تخدم أمن إسرائيل المطلق. فمن الناحية الاستراتيجية، تقع خطة تقسيم السودان وفصله عن عمقه العربي والإسلامي في قلب الاستراتيجية الصهيونية القديمة، والمعروفة بـ«مشروع برنارد لويس» لتفتيت الدول العربية الكبرى، و«وثيقة يينون» التي رأت في إضعاف وتفتيت مصر والعراق والسودان ضرورة حتمية لضمان الهيمنة الإسرائيلية. وقد أسهم كلوني في هذا المشروع عبر هندسة إعلامية شرسة ركّزت على تصوير النزاع في السودان على أنه صراع ديني وعرقي حتمي بين «شمال عربي مسلم ظالم ومضطهد» و«جنوب مسيحي وإفريقي مظلوم»، وهي قراءة سطحية موجّهة نزعت عن الصراع أبعاده الاقتصادية والقبلية المعقّدة، وشرعنت فكرة الانفصال دوليًا كحل وحيد وأخلاقي للأزمة. ولم يتوقف الأمر عند الخطاب الإعلامي، بل أسّس كلوني عام 2010 مشروع القمر الصناعي الحارس (Satellite Sentinel Project)، بالتعاون مع الناشط الأميركي جون بريندرغاست، مستخدمًا الأقمار الصناعية التجارية لمراقبة الحدود بين شمال السودان وجنوبه، وهو مشروع لم يكن عملًا إنسانيًا بريئًا لحماية المدنيين، بل كان أداة استخباراتية غربية مكشوفة تحت غطاء مدني، هدفت إلى تأمين عملية الاستفتاء، ورسم الحدود الجديدة لدولة جنوب السودان، والضغط على حكومة الخرطوم لضمان انتزاع الآبار النفطية لصالح الشركات الغربية، وحرمان الدولة السودانية من مواردها الأساسية. هذه الحملة الصاخبة حول السودان جمعت تحالفًا نادرًا يكشف طبيعة الأجندة المشتركة، حيث التقت النخبة الليبرالية في هوليوود، المقرّبة من الحزب الديمقراطي واللوبي الإسرائيلي، مع اليمين المسيحي المتطرف «الإنجيليين الصهاينة» في أميركا، والذين ضغطوا معًا بقوة على الإدارات الأميركية المتعاقبة لدعم الحركة الشعبية لتحرير السودان؛ وهو توافق لم يكن ليحدث إلا لأن الهدف النهائي يخدم مصلحة استراتيجية صهيونية عليا، تتمثل في إضعاف الدولة السودانية وتأمين حليف جديد لإسرائيل في منطقة حوض النيل، لإطباق الحصار على الأمن القومي العربي. وفور إعلان استقلال جنوب السودان عام 2011 — والذي احتفل به كلوني كإنجاز شخصي — سقط القناع عن المخطط، إذ كانت إسرائيل من أوائل الدول التي اعترفت بالدولة الجديدة وفتحت فيها سفارة، وقام رئيس جنوب السودان سيلفا كير بزيارة فورية إلى تل أبيب لتقديم الشكر لقادة الاحتلال على دعمهم التاريخي للحركة الانفصالية منذ ستينيات القرن الماضي، ليتحوّل جنوب السودان إلى قاعدة نفوذ أمني وعسكري واستخباراتي لإسرائيل في العمق الإفريقي. أما الفضيحة الأخلاقية لكلوني، فتمثّلت في انسحابه التدريجي التام من المشهد فور إتمام التقسيم؛ حيث غرق جنوب السودان سريعًا في حرب أهلية طاحنة ودموية بين قبيلتي الدينكا والنوير، أدت إلى مجاعات فظيعة وجرائم تطهير عرقي ارتكبها القادة ذاتهم الذين دعمهم كلوني وصوّرهم كأبطال حرية، مما أثبت للنقاد أن دور كلوني الإنساني انتهى بمجرد تحقيق الأجندة السياسية والجغرافية المتمثّلة في تفتيت وحدة السودان. الليبرالية الهوليوودية ترفع صوتها أمام المظالم البعيدة، ثم تخفضه عندما تصبح إسرائيل في قفص الاتهام جامع التبرعات لا يمكن فهم هذه المواقف بمعزل عن شبكة المصالح المالية والسياسية التي تربط جورج كلوني بالمنظومة الحاكمة في هوليوود وواشنطن؛ فيُعتبر كلوني أحد أكبر وأبرز جامعي التبرعات للحزب الديمقراطي الأميركي، وهو الحزب الذي يمثّل الوجه الناعم والشريك الأساسي في حماية وضمان التفوق العسكري والسياسي الإسرائيلي. ويتشارك كلوني في هذه الأنشطة وحفلات جمع التبرعات المليونية مع أقطاب الإنتاج في هوليوود المعروفين بولائهم المطلق للمشروع الصهيوني، مثل المخرج ستيفن سبيلبرغ والمنتج جيفري كاتزنبرغ، وهو تحالف عضوي يضمن أن تظل السينما والسياسة تدوران في الفلك الأيديولوجي نفسه، حيث يُمنع تجاوز الخطوط الحمراء المتعلقة بأمن إسرائيل وشرعيتها الأخلاقية. وتظهر هنا ازدواجية المعايير الصارخة؛ ففي حين يملأ كلوني الدنيا صخبًا دفاعًا عن ضحايا الحروب في إفريقيا، ويطالب بفرض عقوبات دولية وتدخلات عسكرية، يتّسم موقفه تجاه فلسطين بالصمت المطبق والتحييد التام. هذا الصمت ليس عفويًا، بل هو التزام واعٍ بـ«حدود النقد المسموح به» داخل هوليوود؛ ففي هذه البيئة، يُسمح لك بنقد أي نظام، أو رئيس، أو مجزرة في العالم، باستثناء الجرائم التي ترتكبها إسرائيل، لأن ثمن ذلك هو الإقصاء التام من شبكات الإنتاج والتمويل والجوائز. داعم لروفالو؟ وتجلّت هذه الصهيونية الناعمة والذكاء الالتفافي لكلوني مؤخرًا في مهرجان البندقية السينمائي الدولي في سبتمبر/أيلول 2026، حيث سارع