لبنان بلا أمن رقمي

في الدول التي تفهم معنى السيادة الرقمية، تُعاد هندسة المؤسسات الأمنية على أسس تقنية، وتُحدَّث القوانين لملاحقة الجرائم العابرة للحدود، والاحتيال المالي المعقّد، والاستغلال عبر الإنترنت، وغسل الأموال الرقمي. أمّا في لبنان، فما زالت الدولة تحاول مقاربة جرائم القرن الحادي والعشرين بتشريعات تعود جذورها إلى زمن الانتداب، بعضها لا يُطبّق أصلًا، ما يجعل السؤال بديهيًا: كيف يمكن تطوير قانونٍ لا يُحترم، لملاحقة جرائم متطوّرة بطبيعتها؟
قانون لا يُطبّق… فكيف يُحدَّث؟
المعضلة اللبنانية لا تكمن فقط في قِدَم التشريعات، بل في هشاشة تطبيقها. قوانين جنائية أساسية، وُضعت في سياقات تاريخية مختلفة جذريًا، ما زالت تُدار بآليات بطيئة وانتقائية، أُفرغت من فعاليتها بفعل الممارسة لا النص. وإذا كان القانون التقليدي نفسه عاجزًا عن فرض العدالة بصرامة، فكيف يمكن التعويل على قدرة الدولة على سنّ قانون إلكتروني حديث، أو على بناء نظام قضائي قادر على التعامل مع الأدلة الرقمية، والتعاون الدولي، والتحقيقات السيبرانية المعقّدة؟
الواقع أن لبنان لم يفشل في مواكبة التطور التشريعي العالمي فحسب، بل أخفق حتى في فرض احترام قوانينه القديمة. هذا الفشل البنيوي يترك البلاد مكشوفة أمام موجات متصاعدة من الجرائم الإلكترونية: من الابتزاز الرقمي إلى سرقة البيانات، ومن الاحتيال المالي العابر للحدود إلى اقتصاد الظلّ الرقمي، من دون منظومة ردع فعّالة أو جهاز متخصّص يمتلك الأدوات القانونية والتقنية اللازمة.
فراغ أمني في الفضاء الرقمي
بينما تُنشئ الدول أجهزة متخصّصة للشرطة الإلكترونية وتستثمر في الذكاء الاصطناعي والتحقيق الرقمي، لا يزال لبنان يفتقر إلى جهاز وطني متكامل يتمتّع باستقلالية تقنية، وصلاحيات قانونية واضحة، وقدرة فعلية على ملاحقة الجرائم في الفضاء السيبراني.
تحوّل الفضاء الرقمي اللبناني عمليًا إلى ساحة مفتوحة، تتحرّك فيها شبكات الاحتيال والابتزاز وتجارة البيانات من دون خوف حقيقي من الملاحقة. ضعف البنية التقنية للأجهزة الأمنية، وغياب إطار قانوني حديث لحماية البيانات والخصوصية، وتأخّر القضاء في استيعاب الأدلة الرقمية، عوامل تتكامل لتجعل من لبنان حلقة هشّة في منظومة الأمن الإقليمي والدولي.
المشكلة لم تعد تقنية فقط، بل سياسية بامتياز. فالدولة التي لا تعتبر الأمن الرقمي أولوية سيادية، تفقد تدريجيًا قدرتها على حماية اقتصادها، ومواطنيها، ومؤسساتها، وتتحوّل إلى بيئة جاذبة للجريمة المنظّمة والاقتصاد غير المشروع.
التجارب الدولية المتقدّمة تُظهر بوضوح أن الأمن الحديث يقوم على ثلاثة أعمدة: قانون رقمي حديث، شرطة إلكترونية محترفة، وقضاء قادر على مواكبة الأدلة والتقنيات الجديدة. في لبنان، الأعمدة الثلاثة متصدّعة: قانون قديم لا يُطبّق، جهاز أمني غير مهيّأ رقميًا، وقضاء مثقل بالتأخير والقصور التشريعي.
اختبار سيادي أخير لم تعد القضية مسألة إصلاح تقني أو مطلب إداري، بل اختبارًا سياديًا حاسمًا. فإمّا أن يخرج لبنان من أسر قوانين الانتداب، ويؤسّس لإطار قانوني رقمي حديث، وشرطة متخصّصة، وقضاء قادر على ملاحقة الجرائم في عصر التكنولوجيا، وإمّا أن يبقى عالقًا في زمن قانون لا يُطبّق، ودولة تتراجع فيما الجريمة تتقدّم. في عالم باتت فيه السيادة تُقاس بقدرة الدول على حماية فضائها الرقمي كما تحمي حدودها الجغرافية، يبدو لبنان اليوم خارج المعادلة. والسؤال لم يعد متى سيلتحق بالعصر الرقمي، بل: كم من الوقت يستطيع الصمود قبل أن يتحوّل الفراغ القانوني والأمني إلى تهديدٍ وجودي لدولته ومجتمعه؟



