تُعَدّ الترسانةُ الصاروخيّةُ الإيرانيّةُ واحدةً من أكثرِ ملفاتِ التسلّحِ إثارةً للجدلِ والاهتمامِ في الشرقِ الأوسط، ليس فقط بسببِ حجمِها وتنوّعِها، بل أيضًا لدورِها المحوريّ في معادلاتِ الردعِ الإقليميّ والتوازناتِ العسكريّة.وعلى مدى أكثرَ من أربعةِ عقود، نجحت طهران في بناءِ منظومةٍ صاروخيّةٍ متكاملة، باتت اليوم من الأكبرِ والأكثرِ تطوّرًا في المنطقة، وفق تقديراتِ مراكزِ أبحاثٍ غربيّة، من بينها Center for Strategic and International Studies (CSIS). تعود جذورُ البرنامجِ الصاروخيّ الإيرانيّ إلى الحربِ العراقيّة–الإيرانيّة (1980–1988)، حين وجدت إيران نفسَها شبهَ معزولةٍ عسكريًّا وتحت قيودٍ تسليحيّةٍ خانقة.في تلك المرحلة، تعرّضت المدنُ الإيرانيّة لقصفٍ صاروخيّ مكثّف، ما دفع القيادةَ الإيرانيّة إلى تبنّي الصواريخِ كخيارٍ استراتيجيّ بديلٍ عن سلاحِ الجوّ التقليديّ.ومنذ ذلك الحين، تحوّل الصاروخُ من أداةٍ دفاعيّةٍ مؤقّتة إلى ركيزةٍ أساسيّةٍ في العقيدةِ العسكريّةِ الإيرانيّة، تقوم على الردع، وإيصالِ الرسائلِ السياسيّة، وامتلاكِ القدرةِ على ضربِ الخصوم عن بُعدٍ من دون الانخراطِ في مواجهةٍ مباشرةٍ واسعة. أنواعُ الصواريخِ الإيرانيّة تنوّعٌ في المدى والمهام؛ إذ تمتلك إيران اليوم مروحةً واسعةً من الصواريخ، يمكن تصنيفُها إلى ثلاثِ فئاتٍ رئيسيّة: 1) الصواريخُ قصيرةُ ومتوسّطةُ المدىوهي العمودُ الفقريّ للترسانة، وتشمل عائلاتٍ مثل: فاتح: صواريخُ دقيقةٌ نسبيًّا، تُستخدم لأهدافٍ عسكريّةٍ تكتيكيّة. قيام وذو الفقار: مخصّصةٌ لضربِ قواعدَ ومنشآتٍ على مسافاتٍ متوسّطة داخل الإقليم. 2) الصواريخُ الباليستيّةُ متوسّطةُ وبعيدةُ المدى، أبرزُها: شهاب-3: بمدى يصل إلى نحو 1300 كم. سجّيل: يعمل بالوقودِ الصلب، ويصل مداه إلى قرابة 2000 كم. خرمشهر: من أثقلِ الصواريخِ الإيرانيّة، وقادرٌ على حملِ رؤوسٍ متعدّدة أو شديدةِ الانفجار.وتضع هذه الفئةُ أهدافًا بعيدةً ضمن نطاقِ التهديد، تشمل إسرائيلَ وأجزاءً من جنوبِ وشرقِ أوروبا، وفق تقديراتٍ عسكريّةٍ غربيّة. 3) صواريخُ كروز والطائراتُ المسيّرة. إلى جانبِ الباليستيّات، طوّرت إيران صواريخَ كروز منخفضةَ الارتفاع وطائراتٍ مسيّرةً هجوميّة، ما يمنحُها مرونةً عمليّاتيّةً أعلى وقدرةً على تجاوزِ بعضِ أنظمةِ الدفاعِ الجويّ. الدقّةُ والتطويرُ التقنيّ خلال السنواتِ الأخيرة، ركّزت إيران بشكلٍ ملحوظ على تحسينِ دقّةِ الإصابة (Circular Error Probable)، بدل الاكتفاءِ بزيادةِ المدى فقط.وأظهرت بعضُ الضرباتِ المُعلنة، مثل استهدافِ قواعدَ عسكريّةٍ في المنطقة، تطوّرًا ملحوظًا في التوجيه، باستخدامِ أنظمةِ ملاحةٍ متقدّمة، وتصحيحِ المسارِ أثناء الطيران، ووقودٍ صلبٍ يقلّل زمنَ الإطلاق ويُصعِّب الرصدَ المسبق. لا تنظرُ طهران إلى صواريخِها بوصفِها سلاحَ حربٍ فقط، بل كأداةِ ردعٍ استراتيجيّ ورسالةٍ سياسيّة. وهي تؤكّد باستمرارٍ أنّ برنامجَها الصاروخيّ دفاعيٌّ بحت وغيرُ قابلٍ للتفاوض، والأهمّ أنّه عنصرٌ أساسيٌّ لحمايةِ الأمنِ القوميّ في ظلّ التفوّقِ الجوّيّ لخصومِها. ترسانة إيران الصاروخيّة ليست معدّة للإطلاق، بل لفرض معادلة: أيّ حرب ستُدفع أثمانها إقليميًا إلى أين تتّجهُ الترسانةُ الإيرانيّة؟ تشير المعطياتُ الحاليّة إلى أنّ إيران ستواصلُ تطويرَ الدقّةِ والجاهزيّة بدل زيادةِ الأعداد فقط، مع اعتمادٍ أكبر على الوقودِ الصلب، ودمجٍ أعمق بين الصواريخِ والمسيّرات ضمن عقيدةٍ هجوميّة–دفاعيّةٍ موحّدة.وبينما تتعثّرُ المفاوضاتُ السياسيّة حول الملفاتِ النوويّةِ والأمنيّة، تبقى الصواريخُ الإيرانيّة ورقةَ القوّةِ الأبرز في يدِ طهران، وواحدةً من أكثرِ عناصرِ المشهدِ الإقليميّ تعقيدًا وحساسيّة. لم تعد ترسانةُ إيرانَ الصاروخيّةُ مجرّدَ برنامجِ تسليحٍ، بل أصبحت لغةً سياسيّةً وعسكريّة تُخاطَب بها المنطقةُ والعالم. وبين الردعِ والتصعيد، تظلّ هذه الصواريخُ عنصرًا حاسمًا في رسمِ ملامحِ الشرقِ الأوسط خلال السنواتِ القادمة.
في زمنٍ باتت فيه منصّاتُ التواصل الاجتماعي تُشبه غرفَ تحريرٍ خفيّة، تحكمها الخوارزميّات أكثر ممّا تحكمها الحقيقة، يطلّ تطبيق Upscrolled بوصفه فعلًا أخلاقيًا قبل أن يكون منتجًا رقميًا.ليس لأنّه تطبيقٌ جديد، بل لأنّه جاء من مكانٍ لا يُفترض به أن يُنتج حرّية: من قلب التضييق، ومن هامش الصوت العالمي، ومن تجربةٍ فلسطينيّة دفعت ثمن الكلمة قبل أن تُكافأ عليها. لم يُؤسَّس Upscrolled كردّ فعلٍ عاطفي على حجب منشور أو إغلاق حساب، بل كإجابةٍ واعية على سؤالٍ أخطر: ماذا يحدث للعالم عندما تُخنق الحقيقة باسم «المعايير المجتمعيّة»؟ وماذا يبقى من الإعلام عندما تُدار الحريّات كامتياز، لا كحقّ؟ خلل بنيوي السبب الجوهري لولادة هذا التطبيق كان واضحًا منذ اللحظة الأولى: التضييق الممنهج الذي تمارسه كبرى منصّات التواصل على حرّية التعبير، وفي القلب منها القضيّة الفلسطينيّة. ليست هذه مبالغةً خطابيّة، بل واقعٌ موثّق عاشه صحافيّون وناشطون ووسائل إعلامٍ كاملة، حين تحوّلت فلسطين إلى استثناءٍ دائم في سياسات النشر، وكأنّ الحقيقة، حين تكون فلسطينيّة، تصبح عبئًا تقنيًا يجب تقليصه أو إخفاؤه. Upscrolled وُلد من هذا الخلل البنيوي. وُلد لأنّ هناك من قرّر ألّا يُفاوض على صوته، ولا ينتظر إذنًا ليقول ما يجب أن يُقال. المفارقة التي لا يمكن تجاهلها أنّ مؤسّس التطبيق يقيم في أستراليا. وهذه ليست تفصيلةً جغرافيّة عابرة، بل حقيقة سياسيّة كاملة الدلالة. فلو كان هذا المؤسّس لاجئًا في لبنان، أو مقيمًا في أيّ بلدٍ عربي يرزح تحت قيودٍ قانونيّة وأمنيّة واقتصاديّة خانقة، لما كان لهذا المشروع أن يرى النور أصلًا. ليس لضعف الفكرة، بل لأنّ البيئة نفسها لا تسمح للفكرة الحرّة أن تتنفّس، فضلًا عن أن تتحوّل إلى منصّة عالميّة. حين تحجب الخوارزميات الحقيقة… منصّة فلسطينيّة تكسر الصمت فرصة حرّية هنا تحديدًا تتكشّف المعادلة غير العادلة في عالمنا: الحرّية ليست موزّعة بالتساوي، حتّى في الفضاء الرقمي الذي يُفترض أنّه بلا حدود. Upscrolled هو نتيجة مباشرة لفرصة الحرّية، لا لامتياز المال، وهو في الوقت نفسه إدانة صامتة لكلّ نظام يمنع الفلسطيني من أن يكون منتجًا، لا مجرّد موضوع. الفلسطيني، حين يُمنح الحرّية، لا يُبدع لفلسطين وحدها. هذه حقيقة يغفلها الغرب كثيرًا، ويتجاهلها العرب أكثر. الفلسطيني يولد وهو يفهم معنى القيد، ولذلك حين يكتب، أو يُصوّر، أو يؤسّس منصّة، فإنّه لا يفعل ذلك من موقع الضحيّة، بل من موقع الإنسان الذي اختبر غياب العدالة ويريد تصحيح ميزانها. إعطاء الفلسطيني حرّية الإبداع لا يخدم روايته فقط، بل يخدم العالم كلّه، لأنّه يُضيف إلى المشهد الإنساني صوتًا غير مروّض، وغير مصلحي، وغير مزيّف. من هنا، لا يمكن قراءة Upscrolled كتجربة تقنيّة بحتة. هو أقرب إلى موقفٍ إعلاميٍّ أخلاقيّ يعيد تعريف دور الصحافة ذاتها. فالإعلام، في جوهره، لم يُخلق ليُرضي السلطة، ولا ليُهادن السوق، بل ليؤدّي وظيفة أعمق: النداء. النداء وهنا نستعيد ما يمكن تسميته بسياسة إبراهيم عليه السلام الإعلاميّة. إبراهيم لم يكن صاحب جيش، ولا مال، ولا منصّة، لكنّه كان صاحب نداء. قال كلمته في وجه القوّة، ولم يكن مطلوبًا منه أن يُقنع الجميع، بل أن يُعلن الحقيقة.«عليك النداء وعلينا الإجابة» ليست عبارةً رمزيّة، بل فلسفة إعلاميّة كاملة. على الإعلاميّ أن ينادي بالحقيقة دون حسابات الخوارزميّة، وعلى المجتمع الإنساني أن يقرّر إن كان لا يزال قادرًا على الاستجابة. Upscrolled اختار هذا الطريق الأصعب. لم يقل: «كيف نُرضي الجميع؟»، بل سأل: «كيف نحمي الصوت؟». لم يسأل: «ما الذي يُسمح بنشره؟»، بل: «من الذي لا يُسمح له بالكلام، ولماذا؟». في عالمٍ يُعاد فيه تعريف الحرّية كلّ يوم وفق ميزان القوّة، تأتي مثل هذه المنصّات لتذكّرنا أنّ الإعلام، حين يفقد شجاعته، يتحوّل إلى مجرّد ترف. وحين يستعيدها، يصبح مسؤوليّة تاريخيّة. Upscrolled ليس نهاية الطريق، لكنّه علامة فارقة على أنّ الصحافة الحرّة لم تمت، وأنّ الفلسطيني، متى كُسرت قيوده، لا يطالب بمكانٍ على الطاولة، بل يُعيد تصميم الطاولة نفسها.
ما حدث في نيودلهي منذ أيام، لم يكن مجرّد حدثٍ دبلوماسي عابر، فتوقيع الاتفاق الأوروبي–الهندي شكل لحظةَ انعطافٍ في النظام الاقتصادي العالمي. الاتحاد الأوروبي والهند وضعا توقيعهما على اتفاقيّةٍ تجاريّة وأمنيّة تُنشئ أكبر منطقة تجارة حرّة جديدة في العالم، تمتدّ على سوقٍ يتجاوز 1.9 مليار نسمة، ويصل ناتجها المحلي الإجمالي المُجمّع إلى أكثر من 21 تريليون دولار.هذه ليست صفقةَ أرقامٍ فقط، بل إعلانٌ صريح بأنّ مركز الثقل العالمي لم يعد محصورًا بواشنطن. أرقام تعيد رسم خرائط التجارةيُحرِّر الاتفاق نحو 90 في المئة من التجارة السلعيّة بين الطرفين من الرسوم الجمركيّة، ما يعني عمليًّا إعادة توجيه تدفّقات تجاريّة تُقدَّر بأكثر من 120 مليار دولار سنويًّا في مرحلتها الأولى. بروكسل تتوقّع أن تتضاعف صادراتها إلى الهند بحلول عام 2032، لترتفع من نحو 55 مليار دولار حاليًّا إلى ما يقارب 110 مليارات، في وقتٍ تُفتح فيه السوق الهنديّة، الأسرع نموًّا بين الاقتصادات الكبرى، أمام الصناعات الأوروبيّة الثقيلة.التحوّل الأبرز يظهر في قطاع السيّارات، حيث تنخفض الرسوم من 110 في المئة إلى 10 في المئة فقط، ما يضع شركاتٍ أوروبيّة كانت شبه محظورة أمام سوقٍ يبيع أكثر من 4 ملايين سيّارة سنويًّا. النبيذ الأوروبي، الذي كان يُعامَل كسلعةٍ كماليّة بعقوباتٍ تصل إلى 150 في المئة، يدخل الآن بهوامش تتراوح بين 20 و30 في المئة، فيما تُلغى القيود كليًّا على المجوهرات والمنسوجات الهنديّة المتّجهة إلى أوروبا، مقابل فتح الأسواق الهنديّة أمام الأثاث والمواد الكيميائيّة والجلود والمعادن الأوروبيّة، وهي قطاعات تُشغِّل وحدها أكثر من 30 مليون عامل داخل الاتحاد. الدولار، الذي كان يُستخدَم في أكثر من 85 ٪ من التجارة العالميّة قبل عقدين، تراجعت حصّته إلى ما دون 60 ٪، مع تسارع استخدام العملات المحليّة إقصاء هادئ لواشنطن لكنّ ما يجعل الاتفاق زلزالًا سياسيًّا، لا تجاريًّا فقط، هو بُعده الأمني. التعاون في الأمن البحري يُغطّي طرقًا تمرّ عبرها تجارةٌ عالميّة تتجاوز قيمتها 40 في المئة من إجمالي التجارة البحريّة. التنسيق في مكافحة الإرهاب والأمن السيبراني يحمل أثرًا مباشرًا على شركات التكنولوجيا الأميركيّة، التي تُقدَّر خسائرها المحتملة في هذا القطاع وحده بنحو 250 إلى 300 مليار دولار سنويًّا، نتيجة إقصائها التدريجي عن مشاريع البنية الرقميّة الحسّاسة. أمّا الحديث عن تطويرٍ عسكريٍّ مشترك مستقبلًا، فهو رسالةٌ طويلة الأمد تعني أنّ أوروبا لم تعد ترى أمنها الصناعي رهينةً للمجمّع العسكري الأميركي. لغة المال… لا الدبابات هذه ليست لغةَ دبلوماسيّةٍ ناعمة، بل ضربةٌ محسوبة بلغةٍ يفهمها دونالد ترامب جيّدًا. القوّة هنا ليست عسكريّة، بل ماليّة، صامتة، ومتراكمة. فبينما تُلوِّح واشنطن بالعقوبات، بدأت رؤوس الأموال العالميّة بالتحرّك. تقديرات مؤسّسات ماليّة كبرى تشير إلى خروج تدفّقاتٍ رأسماليّة من السوق الأميركيّة تجاوزت تريليوني دولار خلال عامٍ واحد، جزءٌ كبيرٌ منها اتّجه إلى آسيا وأوروبا، بحثًا عن استقرارٍ سياسي قبل العوائد. في المقابل، يستمرّ ترامب في سياسة الابتزاز التجاري، رافعًا الرسوم، مهدِّدًا الحلفاء، ومحوِّلًا التجارة إلى أداة عقاب. النتيجة أنّ العالم أعاد رسم خرائطه. سلاسل التوريد التي كانت متمركزة في أميركا الشماليّة تغيّرت، وثقة المستثمرين الدوليين بالبيئة الأميركيّة تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ الأزمة الماليّة العالميّة عام 2008. وحين تنهار الثقة، لا تعود البيانات السياسيّة قادرة على إنقاذها. المقاطعة الصامتة حتّى الأثر الشعبي لم يعد هامشيًّا. السياحة إلى الولايات المتحدة تراجعت بنِسَبٍ وصلت في بعض الأسواق الأوروبيّة والآسيويّة إلى 20 في المئة، ما يعني خسائرَ سنويّة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات. الامتناع عن السفر لم يعد شعارًا ساخرًا، بل قرارًا اقتصاديًّا. المقاطعة تسلّلت إلى الرياضة والثقافة، ومع اقتراب كأس العالم، تُقدَّر الخسائر غير المباشرة على الاقتصاد الأميركي بملياراتٍ إضافيّة، في مفارقةٍ قاسية لشعار «لنجعل أميركا عظيمة مجدّدًا». تشمل الاتفاقية سوقًا ضخمًا يضم أكثر من 1.9 مليار شخص، وبناتج محلي إجمالي يتجاوز 21 تريليون دولار أوروبا ترفع الصوتفي أوروبا، تغيّرت نبرة الخطاب. وزير الماليّة الألماني لارس كلينغبايل لم يُلوِّح، بل حذّر مباشرةً من أنّ أيّ عقوبات أميركيّة على أوروبا بسبب دفاعها عن سيادتها، سواء في غرينلاند أو الدنمارك، تعني تجاوز الخطوط الحمراء. أوروبا، التي تمثّل وحدها نحو 15 في المئة من الناتج العالمي، لم تعد ترى نفسها مضطرّة للصمت. والتحوّل الأكبر يأتي من المال. أنظمة الدفع البديلة تتوسّع، وخطوط المقايضة بين دول «البريكس» باتت تُغطّي جزءًا متزايدًا من تجارتها البينيّة، التي تجاوزت 800 مليار دولار سنويًّا. الدولار، الذي كان يُستخدَم في أكثر من 85 في المئة من التجارة العالميّة قبل عقدين، تراجعت حصّته إلى ما دون 60 في المئة، مع تسارع استخدام العملات المحليّة. الصين والبرازيل والهند خفّضت حيازتها من السندات الأميركيّة بمئات المليارات، وأوروبا، التي تمتلك نحو 40 في المئة من الدين الأميركي الخارجي، بدأت فعليًّا في تنويع احتياطاتها نحو الذهب والفضّة، حيث سُجِّلت مشتريات قياسيّة خلال العامين الماضيين. بعد دافوس، دخل ترامب مرحلة الاختناق السياسي. الاقتصاد الأميركي يتباطأ، والانقسام الداخلي يتّسع. التاريخ يُخبرنا أنّ القادة الشعبويّين، حين تُحاصرهم الأزمات، يميلون إلى افتعال صدامٍ خارجي. التوجّه نحو إيران لا يبدو استعراضَ قوّة بقدر ما هو محاولةُ هروبٍ إلى الأمام، تُسرّع، لا تؤخّر، كتابة نهايته السياسيّة. عالم بلا واشنطن… ما يحدث اليوم ليس عقابًا لأميركا، بل انسحابٌ منظَّم من فوضى ترامب، الذي حوّل الحلفاء إلى رهائن، والتجارة إلى سلاح. الصفقة الأوروبيّة–الهنديّة لم تُسقط واشنطن بضربةٍ واحدة، لكنّها أكّدت أمرًا أخطر: العالم اكتشف، بالأرقام لا بالشعارات، أنّه قادرٌ على العمل من دون أميركا. الولايات المتحدة تقف أمام لحظةٍ مفصليّة: إمّا أن تُنقذ نفسها من ترامب، أو تتركه يقودها… إلى الهاوية.