ليست الحرب في الوعي السُّنّي مجرد اشتباكٍ بين جيوش، بل امتحانٌ للعقيدة قبل أن تكون امتحانًا للسلاح، وابتلاءٌ في الثبات قبل أن تكون اختبارًا في الحسابات العسكرية.حين تضيق الأرض بما رحبت، وتتكاثر التحالفات، وتُرسَم الخرائط فوق دماء الشعوب، يعود السؤال ذاته الذي تردّد في أكثر اللحظات حرجًا في تاريخ هذه الأمة: هل بقي من أمل؟ في غزوة الخندق لم يكن المسلمون يواجهون جيشًا واحدًا، بل أحزابًا شتى اجتمعت على استئصالهم. المدينة محاصَرة، والقلوب بلغت الحناجر، والظنون تضطرب. لم يكن في الميدان فائض قوة، ولا ميزان ردع تقليدي. كان هناك خندقٌ يُحفَر بإرادةٍ مرتجفة ولكن مؤمنة، تجربة جديدة في لحظة وجودية. بين منطقين في مثل تلك اللحظات يتكشف الفرق بين منطق الأسباب ومنطق السُّنن. أهل السُّنة لا ينكرون الأسباب، بل يعدّون الأخذ بها عبادة، لكنهم لا يؤلّهونها. فالخندق كان سببًا، غير أن البشارة كانت يقينًا. حين أعلن القائد أن مفاتيح الشام وفارس واليمن صارت بمتناول اليد، لم يكن ذلك هروبًا من الحصار، بل تثبيتًا لعقيدة أن المستقبل ليس حكرًا على القوة المادية، وأن وعد الله يتجاوز اللحظة الراهنة مهما بدت خانقة. وفي مشهد الهجرة، حين اشتد الطلب وعمّ الاستنفار، واختبأ محمد مع صاحبه أبو بكر الصديق في جبل ثور، كانت الدولة يومها فكرةً مطاردة لا كيانًا راسخًا. كانت الرسالة مشروعًا محاصرًا لا إمبراطورية. ومع ذلك جاءت القاعدة التي ينبغي أن تُدرَّس اليوم في غرف القرار كما تُتلى في المحاريب: لا تحزن إن الله معنا. الأمل في زمن الحرب ليس أمنية شاعرية، بل موقف عقدي وسياسي يحفظ المجتمعات من الانهيار قبل أن تُهزم في الميدان معية حفظ ونصر في الفقه السُّني، هذه المعية ليست شعارًا عاطفيًا، بل مفهومًا عقديًا مركزيًا: معية حفظٍ ونصرٍ وتأييد، لا تُلغي الابتلاء ولكن تؤطره. لذلك لم تكن الطمأنينة إنكارًا للخطر، بل إعادة تعريفٍ له ضمن ميزان أوسع من حسابات المطاردة والمكافآت والرصد. ويتكرر المشهد في قصة موسى حين واجه بطش فرعون. بحرٌ أمامهم وجيشٌ خلفهم ولا خطة بديلة. هنا تتجسد لحظة الانهيار الجمعي: إنا لمدركون. لكن الرد جاء تأسيسًا لمنهجٍ عقدي لا يزال صالحًا لكل زمن: كلا إن معي ربي سيهدين. ليست “كلا” إنكارًا للواقع، بل رفضًا لتحويله إلى قدرٍ محتوم. وعد الله من هنا، فإن أخطر ما تواجهه المجتمعات في زمن الحرب ليس التفوق العسكري للخصم فحسب، بل انهيار الثقة بوعد الله وسنن التاريخ. حين يتحول الخطاب العام إلى بثٍ لليأس باسم الواقعية، أو إلى إعلان هزيمة نفسية تحت عنوان التحليل السياسي، فإننا نكون قد خالفنا أصلًا راسخًا في التربية السُّنية: أن المؤمن مأمور بإحياء القلوب لا بإماتتها. هذا لا يعني إنكار الأخطاء أو تبرئة القيادات أو تعليق كل تقصير على شماعة القدر. المنهج السُّني تاريخيًا قام على المراجعة والنصح والمحاسبة، لكن دون أن يتحول النقد إلى قطيعة مع الأمل، أو يتحول الغضب إلى تشكيك في سنن الله. “هلك الناس” ليست توصيفًا بريئًا، بل صناعة مزاجٍ عام يستبطن السقوط. الأحزاب القديمة إن الحرب الدائرة اليوم في منطقتنا، بما تحمله من اصطفافات دولية وإقليمية، تشبه في جوهرها منطق الأحزاب القديمة: تحالفات متشابكة، مصالح متقاطعة، وأمة يُراد لها أن تفقد ثقتها بذاتها. لكن التاريخ السُّني يعلمنا أن لحظات الانكسار كانت دائمًا مقدمات تحوّل، وأن الفتوح الكبرى وُلدت من رحم الضيق لا من فائض الرفاه. الأمل، في هذا السياق، ليس أمنية شاعرية، بل خيارًا عقديًا وسياسيًا في آنٍ معًا. عقدي لأنه مرتبط باليقين بوعد الله ونصره لمن أخذ بالأسباب وصبر. وسياسي لأنه يحفظ تماسك المجتمعات ويمنعها من الانهيار الداخلي قبل أن تُهزم خارجيًا. فهل بقي من أمل؟ نعم، ما دام في الأمة من يربط الواقع بالوحي، ومن يفهم السنن قبل أن يقرأ العناوين العاجلة. نعم، ما دام في الوعي الجمعي إدراكٌ أن الضيق مرحلة، وأن التداول سنة، وأن العاقبة للمتقين. قد يطول الليل، وقد تتعاقب الخنادق، وقد تتكاثر الأحزاب، لكن مدرسة العقيدة السُّنية علمتنا أن التاريخ لا يُختصر في جولة، وأن البحر مهما بدا سدًا نهائيًا قد ينفلق بأمر الله. بين حسابات الأرض ووعد السماء يولد الأمل… وهناك تُحسم المعركة الحقيقية.
تبدو إيران للوهلة الأولى دولة متماسكة تقوم على هوية قومية فارسية ونظام سياسي ديني شيعي. لكن خلف هذه الصورة تختبئ بنية اجتماعية معقدة تتكوّن من فسيفساء واسعة من القوميات والمذاهب. فإلى جانب الفرس الذين يشكّلون الأغلبية، تعيش داخل البلاد أقليات كبيرة أبرزها الأذريون والبلوش والعرب والأكراد والتركمان في قلب هذا النسيج الاجتماعي والسياسي المعقد، تقف الأقليات الكردية والسنية شاهدة على تاريخ طويل من التحديات والتهميش والسعي للحفاظ على الهوية. وعلى الرغم من أن النظام الإيراني يسعى إلى تقديم صورة لدولة متجانسة تقوم على القومية الفارسية والمذهب الشيعي، فإن هذه الأقليات، التي تشكّل نسبة مهمة من السكان، تمثل واقعًا ديموغرافيًا وثقافيًا لا يمكن تجاهله. هذا التقرير يحلل تاريخ وواقع الأقليات القومية والمذهبية في إيران، ويسلط الضوء على سياسات التهميش التي تتهم طهران بممارستها، كما يستشرف الدور الذي يمكن أن تلعبه هذه الأقليات في أي تحولات سياسية مستقبلية داخل البلاد. الأكراد… نضال عبر العصور يمتد الوجود الكردي في إيران إلى قرون طويلة، إذ يعتبر الأكراد من الشعوب الأصيلة في المنطقة. ويشير عدد من المؤرخين إلى أن الميديين الذين أسسوا إمبراطورية في القرن السابع قبل الميلاد يمثلون أحد الجذور التاريخية للشعب الكردي. بعد الفتح الإسلامي، أسس الأكراد عدة إمارات سياسية بين القرنين العاشر والثاني عشر، قبل أن تتغير المعادلات مع قيام الدولة الصفوية في القرن السادس عشر. شكّل صعود الصفويين نقطة تحول مفصلية، إذ فرض الشاه إسماعيل الصفوي المذهب الشيعي بالقوة، ما أدى إلى صراع مع الأكراد الذين يدين معظمهم بالمذهب السني. هذه السياسة لم تؤد فقط إلى تهجير مناطق كردية وتدميرها، بل ساهمت في ترسيخ شعور بالاختلاف القومي والديني داخل الوجدان الكردي. وفي القرن العشرين، تجسد الطموح القومي الكردي في تأسيس جمهورية مهاباد عام 1946، التي لم تعش سوى أحد عشر شهرًا لكنها بقيت رمزًا بارزًا في الذاكرة السياسية الكردية. الأقليات في إيران ليست مجرد أطراف جغرافية مهمّشة، بل عقدة سياسية كامنة قد تحدد مستقبل الدولة نفسها السُنة أقلية بعد قرون من الأغلبية خلافًا للصورة السائدة اليوم، كانت إيران ذات غالبية سنية لما يقارب تسعة قرون بعد الفتح الإسلامي. فقد اتبع سكان بلاد فارس في معظمهم المذاهب السنية، خاصة الشافعية والحنفية، وكانت إيران أحد المراكز المهمة للعلوم الدينية السنية. لكن هذا الواقع تغير جذريًا مع وصول الصفويين إلى السلطة عام 1501، حين فُرض المذهب الشيعي الاثني عشري دينًا رسميًا للدولة، وغالبًا ما تم ذلك بالقوة. وقد أدت هذه العملية التاريخية إلى تغيير ديموغرافي مذهبي واسع، حوّل السنة تدريجيًا من أغلبية إلى أقلية تعيش آثار ذلك التحول حتى اليوم. دولة متعددة القوميات تشير تقديرات غير رسمية إلى أن الفرس يشكّلون ما بين 55 و60 بالمئة من سكان إيران، فيما يتوزع الباقون بين قوميات متعددة، أبرزها: الأذريون: 15 إلى 20 % الأكراد: نحو 10 % العرب: 2 إلى 3 % البلوش: نحو 2 % التركمان ومجموعات أخرى بنسب أقل تتركز معظم هذه الأقليات في المناطق الحدودية للدولة، وهو عامل جيوسياسي مهم يمنحها امتدادات قومية خارج الحدود. سياسات التهميش والتمييز تشكو الأقليات القومية والمذهبية في إيران من تمييز سياسي واقتصادي وثقافي. فعلى الصعيد السياسي، نادرًا ما يتولى أبناء هذه الأقليات مناصب عليا في الدولة، مثل الوزارات أو المحافظات أو المناصب السيادية. أما اقتصاديًا، فتُعد مناطق الأقليات من بين الأكثر حرمانًا في البلاد، إذ تعاني من نسب مرتفعة من البطالة والفقر وضعف البنية التحتية. ثقافيًا، تفرض السلطات قيودًا على تعليم اللغات المحلية، مثل الكردية أو البلوشية، كما يواجه السنة قيودًا على بناء المساجد في بعض المدن الكبرى، بما في ذلك العاصمة طهران. وتشير تقارير حقوقية إلى اعتقالات متكررة تطال ناشطين من هذه الأقليات، إضافة إلى استخدام القوة في قمع الاحتجاجات، كما حدث في المناطق الكردية والبلوشية عقب وفاة الشابة الكردية مهسا أميني عام 2022. العرب في خوزستان… النفط والهوية في جنوب غرب إيران تقع محافظة خوزستان، وهي واحدة من أكثر مناطق البلاد أهمية من الناحية الاقتصادية. فالمنطقة تحتوي على الجزء الأكبر من احتياطات النفط الإيرانية، وتشكّل شريانًا حيويًا لاقتصاد البلاد. يعيش في خوزستان خليط من القوميات، لكن العرب يشكّلون نسبة مهمة من السكان، خاصة في المناطق القريبة من الحدود العراقية. وقد شهدت المحافظة احتجاجات متكررة خلال السنوات الماضية، خصوصًا على خلفية أزمات المياه والتلوث البيئي والبطالة. البلوش… الخاصرة الأمنية الرخوة في جنوب شرق إيران تقع محافظة سيستان وبلوشستان، وهي واحدة من أفقر مناطق البلاد وأكثرها اضطرابًا. ينتمي معظم سكانها إلى القومية البلوشية ويتبعون المذهب السني، ويشتكون منذ عقود من التهميش الاقتصادي والسياسي. بسبب هذه الظروف، شهدت المنطقة عدة حركات تمرد مسلحة، أبرزها جماعة جند الله التي نفذت هجمات ضد قوات الأمن الإيرانية في العقد الأول من الألفية. ورغم نجاح طهران في احتواء كثير من هذه التمردات، فإن المنطقة ما زالت توصف بأنها الخاصرة الأمنية الرخوة للدولة الإيرانية. لماذا تخشى طهران “تمرد الأطراف”؟ في العلوم السياسية، تواجه الدول متعددة القوميات خطر ما يُعرف بـ تمرد الأطراف، أي اندلاع الحركات الاحتجاجية أو المسلحة في المناطق البعيدة عن مركز السلطة. وفي حالة إيران، تعيش معظم الأقليات في المناطق الحدودية، ما يمنحها ثلاثة عناصر حساسة: امتدادات قومية عبر الحدود، إمكانية التواصل مع جماعات مماثلة في دول أخرى، البعد الجغرافي عن مركز السلطة في طهران. ومع ذلك، لم تنجح أي حركة انفصالية حتى الآن في تهديد وحدة الدولة الإيرانية بشكل فعلي. في إيران، لا يبدأ الصدع من قلب طهران دائماً… بل من أطرافها القومية والمذهبية هل يمكن للأقليات إسقاط النظام؟ رغم حجمها وتأثيرها الجغرافي، يرى معظم الباحثين أن الأقليات وحدها غير قادرة على إسقاط النظام الإيراني. فالسلطة في طهران تستند إلى شبكة قوية من المؤسسات الأمنية والعسكرية، إضافة إلى قاعدة اجتماعية في المدن الكبرى. لكن في حال تزامن عدة عوامل، مثل: احتجاجات واسعة في المدن الكبرى، أزمة اقتصادية حادة، ضغط دولي متزايد، اضطرابات في المناطق الحدودية، فقد تتحول الأقليات إلى عامل مضاعف للأزمة السياسية داخل البلاد. لم تنجح سياسة القبضة الأمنية التي يتبعها النظام الإيراني في دمج الأقليات بشكل كامل داخل الهوية السياسية للدولة. بل يرى بعض المراقبين أن هذه السياسة ساهمت في تعميق مشاعر الغضب والاحتقان في مناطق الأطراف. ورغم أن الأقليات قد لا تكون القوة الوحيدة القادرة على تغيير النظام، فإن أي تحول سياسي كبير في إيران لن يكون ممكنًا دون مشاركتها الفاعلة ومعالجة مظالمها التاريخية. فإيران ليست دولة متجانسة، بل دولة متعددة الهويات. وفي لحظات التحول الكبرى، غالبًا ما تبدأ التغييرات… من الأطراف.
تشهد أسعار تذاكر السفر من إمارة دبي باتجاه عدد من المدن الأوروبية ارتفاعاً غير مسبوق خلال الأيام الأخيرة، حيث أفادت مصادر عربية مطلعة لجريدة “البوست” بأن ثمن التذكرة الواحدة على متن الطائرات الخاصة وصل في بعض الحالات إلى نحو 70 ألف دولار في ظل طلب متزايد على مغادرة المنطقة. ويأتي هذا الارتفاع الحاد في الأسعار بالتزامن مع الاضطرابات الأمنية التي تشهدها المنطقة نتيجة الحرب الإيرانية–الأميركية المندلعة، وما رافقها من تعطّل أو تقليص في حركة الطيران المدني في عدد من مطارات الخليج، الأمر الذي دفع الكثير من المقيمين ورجال الأعمال إلى البحث عن بدائل سريعة للمغادرة، ولو بكلفة باهظة. اقتصاد الخوفبحسب خبراء في قطاع الطيران، فإن سوق الطائرات الخاصة يتأثر بسرعة كبيرة بالأزمات الجيوسياسية، إذ يرتفع الطلب فجأة من قبل فئات قادرة مالياً على تحمّل الكلفة المرتفعة مقابل ضمان مغادرة آمنة وسريعة. وفي مثل هذه الظروف، تتحول الطائرات الخاصة إلى وسيلة نقل شبه احتكارية، ما يسمح لشركات الطيران الخاصة برفع الأسعار إلى مستويات قياسية.ويشير عاملون في قطاع الطيران إلى أن الأسعار التي كانت تتراوح عادة بين 15 و25 ألف دولار للرحلة الخاصة بين الخليج وأوروبا، قفزت خلال أيام قليلة إلى أضعاف هذا الرقم بسبب محدودية الطائرات المتاحة وارتفاع الطلب.كما ساهمت حالة القلق التي تسود الأسواق المالية وقطاع الأعمال في تسريع وتيرة المغادرة، خصوصاً لدى الشركات الأجنبية التي تسعى إلى نقل بعض موظفيها أو أفراد عائلاتهم خارج المنطقة مؤقتاً إلى حين اتضاح مسار التصعيد العسكري. ملاذ الأثرياءفي أوقات الأزمات الكبرى، يظهر الفارق بوضوح بين المسافرين العاديين وأصحاب الثروات الكبيرة. فبينما يضطر كثيرون إلى انتظار الرحلات التجارية المحدودة، يجد الأثرياء في الطائرات الخاصة وسيلة سريعة لتجاوز القيود والازدحام.ويرى مراقبون أن ما يجري اليوم في سوق الطيران يعكس ظاهرة اقتصادية معروفة في أوقات الحروب والأزمات، حيث تنشأ ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الهروب”، أي ارتفاع الطلب بشكل مفاجئ على خدمات النقل والخروج من مناطق التوتر، ما يدفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة. ترقب في قطاع الطيرانحتى الآن، لا يُعرف إلى متى ستستمر هذه القفزة في الأسعار، إذ يرتبط ذلك إلى حد كبير بمسار التطورات العسكرية في المنطقة. فإذا اتسع نطاق المواجهة أو استمرت لفترة أطول، قد يبقى الطلب المرتفع على الرحلات الخاصة قائماً، ما يعني استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة.أما في حال تراجع التوتر وعودة حركة الطيران المدني إلى طبيعتها، فمن المرجح أن تعود الأسعار تدريجياً إلى مستوياتها المعتادة.لكن في الوقت الراهن، يبدو أن الطائرات الخاصة أصبحت واحدة من أبرز مؤشرات القلق في أسواق المنطقة، حيث يتحول الخوف من التصعيد العسكري إلى عامل اقتصادي يدفع آلاف الدولارات مقابل تذكرة مغادرة سريعة.