لم يعد خافيًا على أحدٍ أنَّ لبنان يقف أمام مرحلةٍ شديدة الخطورة، قد تحمل في طيّاتها سيناريوهاتٍ قاتمةً تهدّد الكيان اللبناني، دولةً وشعبًا. وفي مقدّمة هذه السيناريوهات، ما يشهده الجنوب من حشدٍ عسكريٍّ إسرائيليٍّ يثير مخاوف جدّية من عمليّةٍ برّيةٍ واسعة، قد يكون هدفها، في حدّه الأدنى، فرض واقعٍ جديدٍ في منطقة جنوب الليطاني، وتحويلها إلى شريطٍ عازلٍ يمهّد لوجودٍ إسرائيليٍّ طويل الأمد داخل الأراضي اللبنانية. غير أنَّ الأخطر من هذا التهديد الخارجي لا يكمن فقط في احتمالات العدوان، بل أيضًا في هشاشة الداخل اللبناني وعجز الدولة عن امتلاك قرارها السيادي الكامل. فحين يُنتزع منها قرار الحرب والسلم، تصبح قدرتها على المبادرة محدودة، ويغدو حتى خيار التفاوض محاصرًا بالتجاذبات والانقسامات وفقدان الشرعية الوطنية الجامعة. وبعد 106 أعوام على إعلان الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير عام 1920، يبدو السؤال أكثر إلحاحًا اليوم: هل يقف لبنان على أعتاب لحظة تاريخية معاكسة، تتآكل فيها الحدود المعلنة للدولة، وتتعمّق معها أزمة ديموغرافية وسياسية قد ترسم ملامح “لبنان الصغير” من جديد؟ لبنان لم يُبنَ في يومٍ واحد، ولن يسقط بقرارٍ واحد، شرط أن يقرّر أبناؤه أن يكونوا دولةً قبل أن يكونوا طوائف أمام هذا المشهد، لا بدّ من مقاربةٍ بعيدةٍ عن الشعبوية والانفعال. فخيار المواجهة العسكرية المفتوحة لن يقود اللبنانيين إلا إلى مزيدٍ من الخراب والدمار. وفي المقابل، فإن الاستسلام للأمر الواقع ليس خيارًا مقبولًا لدولةٍ تريد البقاء. بين هذين النقيضين، يبرز مسارٌ ثالث، لا هو حربٌ عبثيةٌ تأكل الأخضر واليابس، ولا هو استسلامٌ مُذِلٌّ يُسقط ما تبقّى من هيبة الدولة ومعنى الوطن. هذا المسار ليس وهمًا رومانسيًّا، بل هو خيارٌ استراتيجيٌّ يتطلّب إرادةً سياسيةً حقيقيةً وشجاعةً وطنيةً نادرًا ما تجلّت في تاريخ لبنان الحديث. ومساره يبدأ من داخل الدولة نفسها: باحتكارها الكامل للسلاح وإنهاء ظاهرة السلاح خارج الشرعية، أيًّا كان مصدره أو مبرّره الأيديولوجي أو الطائفي أو الإقليمي. فلا دولةً حقيقيةً في التاريخ قامت وبجانبها جيشٌ موازٍ يختار حروبها ويرسم حدودها. ثم يمتدّ هذا المسار إلى إعادة انتشار المؤسسات الشرعية، الجيش والقضاء والإدارة، في كل شبرٍ من الأرض اللبنانية، لا سيّما في المناطق التي غابت عنها الدولة طويلًا حتى نسي بعض أبنائها أن لهم دولةً أصلًا. أمّا على الصعيد الخارجي، فيعني هذا المسار توظيف كل أدوات الضغط الدبلوماسي والقانوني الدولي والحشد الشعبي، لبناء ملفٍّ سياديٍّ متكاملٍ يُقدَّم أمام المجتمع الدولي لا كاستجداءٍ ولا كبكاءٍ على الأطلال، بل كمطالبةِ حقٍّ واضحةٍ وموثّقةٍ لشعبٍ يعرف ما يريد ويعرف ما يستحق. فلبنان الذي يملك قضيةً عادلة، ويتكلّم بصوت دولةٍ موحّدة لا بأصوات ميليشياتٍ متناحرة، يستطيع أن يخوض معركته على طاولات المفاوضات بالقدر ذاته الذي يخوضها على أرض الواقع، بل ربما أكثر. وقد يفرض الواقع، عاجلًا أم آجلًا، السير في تسويةٍ كبرى تشبه في شكلها بعض الاتفاقات الإقليمية المعروفة. غير أنَّ التسوية التي تُفرض على دولةٍ مشلولةٍ ومنقسمة تختلف جذريًّا عن تلك التي تفاوض عليها دولةٌ تعرف ثقلها وتحسن توظيف أوراقها. لذلك فإن الشرط الأول لأي مسارٍ ناجحٍ ليس في الخارج، ليس في واشنطن ولا في باريس ولا في تل أبيب، بل في بيروت نفسها: أن يقرّر اللبنانيون، بجميع أطيافهم وتياراتهم، الالتفاف حول دولتهم، باعتبارها المرجعية الوحيدة القادرة، بشرعيتها ومؤسساتها، على إنهاء الاحتلال وحماية الأرض وصون ما تبقّى من الوطن. لبنان لم يُبنَ في يومٍ واحد، ولن يسقط بقرارٍ واحد، شرط أن يقرّر أبناؤه أن يكونوا دولةً قبل أن يكونوا طوائف. لا دولةَ حقيقيةً في التاريخ قامت وبجانبها جيشٌ موازٍ يختار حروبها ويرسم حدودها
السؤال لم يعد نظريًّا، بل صار ميدانيًّا، يتغذّى من وقائع الاشتباك المفتوح بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، ومن انخراط حزب الله في هذا الاشتباك كذراعٍ إقليميٍّ متقدّم. لكن هذا السجال، رغم راهنيته، ليس جديدًا. هو في جوهره إعادة إنتاجٍ لثنائيةٍ قديمة: هل تُستجلَب الحروب من أفعال الفاعلين المحليين، أم أنّ هذه الأفعال نفسها تُستدعى ضمن هندسةٍ أوسع للمنطقة؟ بن غوريون وتشكيل الشرق الأوسط لفهم العمق البنيوي لهذا السؤال، لا بدّ من العودة إلى واحدةٍ من أكثر الوثائق دلالةً في تاريخ التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي. ففي أعقاب كشف وثائق منتصف التسعينيات حول مرحلة ما قبل العدوان الثلاثي على مصر، برز موقف ديفيد بن غوريون، ليس فقط كقائدٍ سياسي، بل كمنظّرٍ لمشروعٍ يتجاوز حدود الدولة الناشئة. بحسب المؤرّخ الإسرائيلي المعارض للصهيونية آفي شلايم، فإن اعتراض بن غوريون على الخطة البريطانية–الفرنسية لم يكن نابعًا من رفض الحرب، بل من طبيعة تموضع إسرائيل فيها. لم يشأ أن تظهر إسرائيل كأداةٍ في مشروعٍ أوروبي، بل كفاعلٍ مركزيٍّ يعيد رسم المنطقة. أمّا “خياله” الذي تحدّث عنه، فكان يتضمّن ملامح جذريةً لإعادة تشكيل الشرق الأوسط، يمكن تلخيص أبرزها في النقاط التالية، مع ضرورة قراءتها لا كخطةٍ تنفيذيةٍ حرفية، بل كنافذةٍ على العقل الاستراتيجي المبكر: إسقاط نظام جمال عبد الناصر في مصر، ليس فقط لأنه خصم، بل لأنه يمثّل نموذج الدولة العربية المركزية القادرة على إنتاج توازنٍ إقليمي. إعادة تركيب الجغرافيا السياسية لدول الجوار عبر تفكيكها إلى كياناتٍ أصغر، على أسسٍ طائفيةٍ أو إثنية، بما يجعلها أقلّ قدرةً على تشكيل تهديدٍ استراتيجي. توسيع المجال الحيوي لإسرائيل، ليس فقط عبر السيطرة المباشرة، بل عبر خلق بيئةٍ إقليميةٍ مفككة، تتيح لها حرية الحركة والتفوّق الدائم. تحويل إسرائيل إلى مركزٍ إقليميٍّ مهيمن، اقتصاديًّا وعسكريًّا، في شرق أوسط معاد تشكيله. لبنان لا يواجه فقط حربًا على حدوده، بل سؤالًا وجوديًّا عن معنى الدولة ووظيفة الجنوب في الإقليم من “الخيال” إلى الوقائع إذا كان هذا التصوّر قد وُصف يومًا بـ”الخيال”، فإن السؤال اليوم هو: إلى أيّ مدى أصبح هذا الخيال إطارًا تفسيريًّا لما يجري؟ في جنوب لبنان، لا يمكن فصل التوسّع الإسرائيلي الحالي عن سياقين متداخلين: السياق التكتيكي المباشر، المرتبط بمواجهة حزب الله، حيث تُقدَّم العمليات العسكرية بوصفها استجابةً لتهديداتٍ صاروخيةٍ وبنيوية. والسياق الاستراتيجي الأوسع، المرتبط بإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة بعد دخول إيران في مواجهةٍ مفتوحة، وما يستتبع ذلك من محاولة كسر أذرعها الإقليمية أو إعادة ضبطها. هنا، يصبح جنوب لبنان ليس مجرّد جبهة، بل مختبرًا: هل يمكن دفع هذا الفضاء إلى حالةٍ من التفكّك الأمني والسياسي، بما يعيد إنتاجه كمنطقةٍ عازلةٍ دائمة، أو ككيانٍ منزوع الفاعلية؟ نقاش لبناني مأزوم في الداخل اللبناني، ينقسم الخطاب إلى اتجاهين متقابلين ظاهريًّا، لكنهما قد يلتقيان ضمنيًّا: الأول يرى أن سلوك منظمة التحرير الفلسطينية سابقًا، ثم حزب الله لاحقًا، هو الذي “استجلب” التدخّل الإسرائيلي، عبر تحويل الجنوب إلى منصّة صراعٍ إقليمي. والثاني يعتبر أن هذا التفسير يُسقط البعد البنيوي للمشروع الإسرائيلي، ويختزل الصراع في ردود فعل، متجاهلًا أنّ فكرة التوسّع أو الهيمنة كانت حاضرةً قبل نشوء هذه التنظيمات. غير أنّ الإشكالية الأعمق تكمن في أنّ كلا الطرحين، رغم تناقضهما، قد يكونان جزءًا من الحقيقة. فالمشاريع التوسّعية تحتاج إلى ذرائع، كما أنّ الذرائع لا تعمل إلا ضمن بيئةٍ قابلةٍ للاستثمار. ما بعد الحرب؟ ما يجري اليوم، في ظلّ تداخل الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، قد لا يكون مجرّد جولةٍ عسكرية، بل لحظةً مفصليةً في إعادة ترتيب الإقليم. إذا كانت رؤية بن غوريون قد انطلقت من فكرة تفكيك “الدول القوية” إلى كياناتٍ أصغر، فإن الواقع الحالي يُظهر شيئًا أكثر تعقيدًا: دولًا ضعيفةً أصلًا، لكنها متخمة بالفاعلين المسلّحين، ما يجعل تفكيكها لا يحتاج إلى قرارٍ خارجي بقدر ما يحتاج إلى دفعٍ داخلي. ما نشهده قد لا يكون جولةً عسكريةً عابرة، بل لحظةً مفصليةً في إعادة ترتيب الإقليم كله في هذا السياق، يصبح السؤال اللبناني أكثر إلحاحًا: هل الجنوب اليوم ساحةُ دفاع، أم بداية تحوّلٍ في وظيفته الجيوسياسية؟ وهل ما نشهده هو ردّ فعلٍ على تهديد، أم خطوةٌ ضمن مسارٍ أوسع لإعادة تعريف الحدود، ليس فقط الجغرافية، بل السياسية أيضًا؟ الجواب، على الأرجح، لا يكمن في أحد الخيارين، بل في المساحة الرمادية بينهما، حيث تتحوّل "الضرورات الأمنية" إلى أدوات، وتتحوّل "الفرص الاستراتيجية" إلى وقائع على الأرض.
في الحروب الحديثة، لم تَعُدِ المفارقاتُ مجرّدَ تفصيلٍ جانبيّ؛ بل أصبحت هي العنوان. أن تُروى قصّةٌ عن طائرةٍ تُسقَط بثمن شقّةٍ صغيرةٍ في ضاحيةٍ عاديّة، فيما تساوي هي ميزانيّةَ دولةٍ صغيرة، فهذا ليس مجرّد خبرٍ عسكريّ، بل نصٌّ ساخرٌ كتبته التكنولوجيا بيدٍ باردة هكذا خرج بيانُ الحرس الثوري الإيراني، مفعمًا بنبرةِ انتصارٍ واثقة: طائرةُ إنذارٍ مبكرٍ من طراز E-3 Sentry، جوهرةُ المراقبةِ الجويّةِ الأميركيّة، سقطت — أو هكذا قيل — بضربةٍ مركّبةٍ من مسيّراتٍ وصواريخَ منخفضةِ الكلفة. 30 ألف دولار في مواجهةِ ما يزيد على مليارٍ و300 مليون. معادلةٌ تبدو وكأنّها خرجت من روايةٍ ساخرة، لا من غرفةِ عمليّات. تحوّل أم إعلام؟ لكن قبل أن نُسلّم للدهشة، يجب أن نسأل: هل نحن أمام تحوّلٍ استراتيجيٍّ حقيقيّ، أم أمام عرضٍ إعلاميٍّ متقنِ الإخراج؟ الصمتُ الذي التزمته القيادةُ المركزيّةُ الأميركيّة لا يقلّ دلالةً عن البيان نفسه. في عالمِ الصراعات، أحيانًا يكون النفيُ الصريح أقلَّ خطورةً من الصمتِ المدروس. فالصمتُ يترك المجالَ مفتوحًا: هل الحدثُ أكبرُ من أن يُنفى؟ أم أصغرُ من أن يُعلَّق عليه؟ الصورُ المتداولة — التي يُقال إنّها تُظهر أضرارًا جسيمةً في طائرات، من بينها KC-135 Stratotanker — تزيد المشهدَ تعقيدًا. الصورةُ هنا ليست دليلًا نهائيًّا، بل عنصرٌ في حربِ السرديّات. فالحربُ الحديثة لا تُخاض فقط بالصواريخ، بل بالعدسات أيضًا. ما يهمّ فعليًّا ليس إن كانت الطائرةُ قد دُمّرت بالكامل أم جزئيًّا، بل ما يكشفه هذا الادّعاء من تحوّلٍ أعمق: انتقالُ ميزانِ التأثير من “من يملك الأغلى” إلى “من يستخدم الأرخص بذكاء”. هذا هو منطقُ “الحرب غير المتكافئة”، وقد بلغ ذروته. طائرةٌ تُحلّق كعينٍ استراتيجيّةٍ على ارتفاعاتٍ شاهقة، تواجه تهديدًا من آلةٍ صغيرةٍ قد تُشترى بثمنِ سيّارةٍ مستعملة. قد لا يكون السؤال الأهم: هل دُمّرت الطائرة فعلًا؟ بل: لماذا نريد تصديق هذه القصة بهذه السرعة؟ لأنها تُرضي خيالنا عن عالمٍ يمكن فيه للضعيف أن يُربك القويّ… ولو مؤقتًا إعادة تعريف الأمرُ لا يتعلّق فقط بإيران أو الولايات المتحدة، بل بإعادةِ تعريفِ القوّةِ العسكريّةِ نفسها. فحين تصبح الكلفةُ معيارًا للسخرية، لا للردع، فإنّنا نكون أمام انقلابٍ في الفلسفةِ القتاليّة. الجيوشُ التي بُنيت على التفوّقِ التكنولوجيّ الباهظ تجد نفسها فجأةً في مواجهةِ خصومٍ يتقنون لعبةَ “الإغراق الرخيص”: أسرابٌ من المسيّرات، وكلفةٌ منخفضة، وأثرٌ نفسيٌّ واستراتيجيٌّ مضاعف. ومع ذلك، لا ينبغي أن ننخدع بسهولة. فالتاريخُ العسكريّ مليءٌ بادّعاءاتِ “الضربة القاضية” التي تبيّن لاحقًا أنّها مجرّدُ جولةٍ في معركةٍ أطول. كما أنّ تدميرَ منصّةٍ واحدة — إن صحّ — لا يعني إسقاطَ منظومةٍ كاملة. فالقوّةُ الأميركيّة، مثلُ غيرها من القوى الكبرى، لا تقوم على قطعةٍ واحدة، مهما بلغت قيمتُها. لكنّ السخريةَ تبقى قائمة، بل لاذعة: هل نحن أمام عصرٍ يمكن فيه لطائرةٍ بلا طيّار، تكلفتُها بالكاد تُذكر، أن تُحرج إمبراطوريّةً عسكريّة؟ أم أنّنا أمام مسرحٍ كبير، حيث تُضخَّم الأرقامُ لتخدم روايةً سياسيّةً أكثر ممّا تعكس واقعًا ميدانيًّا؟ قد لا يكون السؤالُ الأهم: هل دُمّرت الطائرةُ فعلًا؟ بل: لماذا نريد تصديقَ هذه القصّة بهذه السرعة؟ لأنّها ببساطة تُرضي خيالَنا عن عالمٍ يمكن فيه للضعيف أن يُربكَ القويّ… ولو مؤقّتًا.